رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

منمنمات ثقافية
عندما يتحول الشاعر إلى روائى

ترى كم من الوقت يحتاجه المرء كى يكتشف حقيقة ذاته وحقائق المرئيات العقلية والمادية الملموسة التى تلفه وتكتنف وجوده الإنسانى كله؟  

علامة استفهام تطل بين سطور رواية «الليلة الأخيرة فى حياة محمود سعيد»، للشاعر والروائى «أحمد فضل شبلول»، ليظل السؤال الوجودى ماثلا فى خلفية كل تفصيلة دقيقة فى عمل يقدم تجربة روحيه ثرية، يتحول فيها الموت وما يختزنه العقل الباطن، لحياة ولعالم متوهج بالمشاعر والأفكار.  ورغم أن « شبلول» قامة لها تجربة مميزة فى عالم الشعر فإنه فى فترة قصيرة أصدر خمس روايات أحدثها «الحجر العاشق»، ليبدو الامر وكأن الشاعر قرر أن يثبت نفسه فى عالم الرواية، وان شيطان الشعر الذى بات جزءا من كيان المبدع أبى الاستسلام، فاحتل مساحة لابأس بها فى رواية «اللون العاشق» فى أبيات شعر صريحة! وفى تقديرى أن روح الرسام محمود سعيد التى ظلت تطارد الكاتب فيما كان يسطر « اللون العاشق» و«الليلة الأخيرة فى حياة محمود سعيد»، هى التى فرضت بنية الرواية، لا الشعر، لسبر غور شخصية الرسام واستكشاف المجهول سواء على مستوى صاحب السيرة أو تجربة الحياة والموت. مع ذلك فهذه البنية السردية جاءت مشبعة بروح الشاعر التى أسبغت على العملين رؤى فلسفية تتجاوز الحدث المحكى وسيرة مبدع.

وفى الروايتين تتماهى شخصية الراوى مع صاحب السيرة، ليبدو وكأن روح « سعيد» تلبست المؤلف،الذى يقدم أحداثا متخيلة ممزوجة بالسيرة الذاتية للفنان التشكيلى المعروف، لنطالع نسخة من حقيقة سيرة الفنان طبقا لما عكسته جزئياتها ومنمنماتها الصغيرة على ذات الكاتب، متمثلة  فى شخصيات خرجت من بين صفحات التاريخ والأعمال الأدبية أو ابتدعتها مخيلة الكاتب تتصل وتنفصل، ثم تتجمع كلها فى بؤرة واحدة مشعة استوعبت سيرة الفنان وحكايات الإسكندرية وتاريخها وقراءة في  تاريخ الفن مطعمة بحكايات المحروسة وخفايا مسكوت عنها منذ عشرينيات القرن الماضى، حتى لحظة رحيل محمود سعيد.

وفى مغامرته السردية التى مزج فيها «شبلول» بين الخيال والواقع ورؤاه وقراءاته، يتهاوى الحاجز الوهمى بين صاحب السيرة والكاتب والشخصيات الواقعية والمتخيلة، ويصبح الزمن ممتداً بلا نهاية وتتوالى الأحداث بـ «إسكندرية» باتساع الأفق، تتسع لخلاصة إبداع ومعاناة وحيرة الإنسان عبر العصور. من هذا الأفق الرحب، الذى فيه تتلاشى نقطة التماس بأمواج البحر ويزغرد الكون مع درجات اللون الأزرق التى تصل الأرض بالسماء، تتكشف بصورة أقرب للشعر أبعاد شخصية صاحب السيرة وحكايته مع اللون الأزرق، ومحاولة محمود سعيد فى مراحله الأخيرة تجريد الأشياء من تفصيلاتها العابرة لرؤية غير المرئى والنفاذ للجوهر، ودوره فى تأصيل فن تصوير مصرى مستمد من بيئته المحلية. 

 وفي رواية «الليلة الأخيرة فى حياة محمود سعيد»، يتخلص النص من واقعية فرضت نفسها على «اللون العاشق» ليحلق فى سماء الفانتازيا، حيث تختلط المرئيات الملموسة بصورعقلية وبتهويمات نفس تلتقى بملك الموت وتستمهله لتعيد ترتيب شذرات حياة تتجمع لتقدم بانوراما لتاريخ الفن وللمراحل الفنية فى لوحات سعيد، وتتجسد أمام عينى الفنان شخصيات تاريخية تناسى أن يصورها فى لوحات بطلاتها «ست الحسن» و«حلاوتهم» والمهمشين من البشر فى حوارى الإسكندرية. وفى مشهد يتطابق مع المشهد الذى صوره نجيب محفوظ فى السمان والخريف يلتقى الراوى عيسى الدباغ لنلتقط بعضا من حكايات صاحب السيرة بعد ثورة يوليو وعلاقة القائمين على الأمر بصاحب السيرة وأهل الفكر وتقييمهم للفن.  

وفى ظنى أن عملى «شبلول» وإن أعادا للحياة ذكرى فنان ووثقا حركة الفن التشكيلى فى مصر، سيظل أهم مميزاتهما تجربة سردية غير مألوفة محفزة للتفكير ولتأمل تفاعلات العقل الباطن لاستجلاء حقائق المرئيات حولنا. 


لمزيد من مقالات ســناء صليحــة

رابط دائم: