رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

عندما مارايت شهابا

رباب كساب

يوم غائم، السحب يتدرج لونها بين البنفسجى والأسود، لونان كفيلان بانقباضى بقية اليوم، كان عليِّ الخروج بعد مطلع الشمس بقليل لألحق بموعدى فى محافظة أخرى، لدى عمل مهم، وبيانات على تسجيلها، خطة البحث طويلة الأمد، تمتد لمواسم ثلاثة على أقل تقدير لكى أتم بحثى.

الطريق طويل، على ركوب ما لا يقل عن ثلاث مواصلات إن حالفنى الحظ، سائقو المواصلة الأخيرة جميعهم لديهم من الرعونة ما يجعلك تظل طوال خمس وأربعين دقيقة فى حالة من الرعب الكامل، وهم يسيرون على طريق متعرج، يمتلئ بالمطبات والحفر على طوله، مزدوج تسير السيارات فيه ذهابا وإيابا بلا فاصل بينهما، حوادثه هى الأكثر شهرة، تأكدت مرارا وتكرارا أنهم ليسوا مدمنين فقط وإنما مجانين، فى مرة حاول أحدهم سباق الزمن لتلحق فتاة جميلة بموعد امتحانها، كان يسير فى هذا الطريق الخطر على سرعة تجاوزت المائة وخمسين كيلو مترا فى الساعة، كنا نقفز من مقاعدنا حرفيا مع كل مطب تصطدم به العجلات، رأسى خبطت فى سقف السيارة عدة مرات، كل سيارة تمر بجانبنا أو تكون فى مواجهتنا هى مشروع حادث محتمل بنسبة تفوق التسعين بالمائة، لم يكن يستمع حتى لصراخ الفتاة نفسها أو غيرها، ولم يأبه بشجارى معه، بل هددنى بأن ينزلنى فى الطريق إن لم أسكت.

فى كل مرة أذهب لذلك المركز البحثى كنت أضع يدى على قلبى، أخشى ألا أعود، أو أننى أكف عن الدراسة للأبد حتى لا أذهب هناك، لم أكن أخشى السرعة فقط، لكننى أيضا لم أكن أحب تلك المدينة، لقد أمطرت فى يوليو!

أحب البحث والمراكز البحثية الموجودة فى تلك المدينة، بعضها له مبان قديمة يقولون إنها من أيام احتلال الإنجليز، يظهر ذلك من شكل المبانى ولونها الأحمر، كنت أنزل عند محطة القطارات، أعبر شريط السكة الحديد، وأسير فى طريق هادئ نحو باب المركز، أحيانا يصادفنى قطيع الماشية فى طريقه للحقل، كان يثير بعض خوفى من أن يشذ أحدها عن القطيع ويقوم بفعل هائج، لكن حراسها يقظون، أدخل المركز وبداخلى سعادة عجيبة، أنا أحب هذا المكان وتلك العنابر منخفضة الارتفاع، كنت أبتهج وأحزن فى اللحظة نفسها التى أصل فيها، إنهم ينسوننى، على الرغم من أننى أثق فى أنهم يحفظون رائحتى، كنت أعتبر استقبالهم تشريفة خاصة بى أنا صديقهم الجديد الذى يخشاهم ولكنه يطيل النظر إليهم، أخذت وقتا طويلا أنا ابن المدينة حتى تعلمت حملهم بين يدى وتجنب عضتهم الصعبة، ما إن تنغرس أسنانهم فى يدك حتى تترك جرحا عميقا لا يندمل سريعا، رأيته ذات يوم فى يد باحثة الفسيولوجى، كانت فتاة قوية، يعرفونها ويحفظونها، لكن فى ذلك اليوم غرز أحدهم أسنانه فى ظهر كفها، وانفجرت الدماء لا تريد التوقف.

لم أكن أعمل فى المكان، كنت أحضر فقط أيام تسجيل بياناتى التى أحسبها بدقة وبمواعيد محددة، حين أدلف إلى المكان، يقفزون ويضربون الأرض، يرجون المكان رجا، لقد نسوا رائحتى، غبت أسبوعين كاملين، كنت أخشى عليهم من هذا الاضطراب، إنهم مثلى يضطربون من الغرباء!

المبانى منخفضة الارتفاع قديمة جدا، تشغل المراوح حيزا كبيرا من الجدران تعمل على طرد رائحة اليوريا المركزة، الأرض إسمنتية ملساء، الجدران لم يعد لها لون، كل شىء فى مكانه، الأقفاص، مصدر الماء المعلق فى بداية الأقفاص والمتصل بماسورة تخرج منها بلابل صغيرة تتعلق بها أفمامهم لتشرب الماء والدواء، الشبه بيننا تشريحيا هو أكثر ما جذبنى لتلك الحيوانات البريئة، حتى إن الأمراض بيننا تنتقل فى سهولة، صيدلية المزرعة بها الكثير من أدويتنا التى تتواجد باستمرار فى كل بيت، تلك الأرانب الصغيرة مبهجة، لقد أحببتها منذ اللقاء الأول، أطيل النظر إليها، أحمل صغارها بين يدى وأنا أزنها، وأحمل أمهاتها للذكور، ذكر الأرنب لا يطأ مكان أنثاه أبدا، تؤخذ إليه وقد لا ترضى به ونعيدها مكانها، كل أرنب فى كل عنبر له رقم مسجل لدى، كنت أصنع بيدى سجلات نسب كاملة لأنهم لم يهتموا بها يوما فى المركز وأنا أدرسها، يوما بعد آخر تمتلئ دفاترى بأرقام وأرقام، أوزان ميلاد وفطام ونضج، تواريخ ميلاد وزواج، ومواعيد حمل وولادة، كل عملى يرتبط بالأرقام، ولكننى كنت أرتبط بهم، أحزن لمماتهم، أحفظ سلالاتهم، كانت العنابر مقسمة تبعا للسلالة، هذا جزء آخر من العمل، ووجه من وجوه مقارنات الدراسة ذاتها.

عدت لبيتى بعد يوم شاق من التسجيل والترقيم، كان على سهر الليل لأسجل كل ما جمعته من بيانات، وأحدد وفقا لذلك متى سأذهب إليهم مرة أخرى، لا أعرف لماذا صعدت لسطح البيت فى منتصف الليل، جلست هناك أتطلع للسماء، ولحظيرة أرانبى الخاصة، بت أربيها منذ بدأت محبتها، لكنها كانت تأتى بأعداد كبيرة يصعب علينا التعامل معها، أرادت أمى أن تتربح منها، كانت تبيعها لمحل الدواجن فى شارعنا وبعض الأماكن المحيطة، وتهادى الأحباء منها، حملت واحدا منها وجلست أواصل نظرى للسماء، كانت أصابعى تداعب جسده الطرى، وتستشعر الدفء من فروه الناعم، وبينما أفعل مر شهاب اخترق السماء فجأة حتى إننى ظننت أنه سيحرق البيت من قرب المسافة، كانت تلك هى المرة الأولى التى أرى فيها شهابا بهذا القرب، النور كان عظيما حتى إننى أغلقت عينى، لا أعرف متى فتحتهما، كل ما أذكره أننى وجدت أمى فى الصباح تسب وتلعن، وتتساءل، كيف خرجت الأرانب من الحظيرة؟ كيف تركت أقفاصها؟ وتتأكد من أنها كاملة لم تنقص، لم تحدثنى أمى، لم تتكلم معى، كانت تواصل السب بينما تعدو لتمسك بالأرنب الذى كنت أحمله ليلا، ناديتها مرارا، لم ترد على، حاولت السير إليها وجذبها من ملابسها، تنبهت فجأة إلى أننى لا أستطيع مد يدى نحوها، تلتفت نحوى وهى تقول: وأنت ألن تعدو مثل أخيك؟

إلى أين أذهب يا أمى؟ أنا ليس لى أخوة، ماذا تقصدين؟ بدت كأنها لم تسمعنى، لقد حملتنى أمى، كيف؟ كدت أجن، أنا على يد أمى وأنا فى الخامسة والعشرين، وطولى يقترب من مائة وثمانين سنتيمترا ووزنى خمسة وسبعون كيلوجرامًا أنا لا أفهم شيئا، وضعتنى أمى فى القفص، وأمسكت بالأرنب الآخر وضعته إلى جوارى، نظرت إلى جسدى، صورته الجديدة لم ترق لى، لا أعرف كيف حدث ذلك، أهو سحر؟ أهى لعنة؟ أم أننى فى كابوس؟!

اتخذت لى ركنا فى القفص وحاولت أن أفكر فيما حدث، ثم شعرت بالجوع، شغلنى الجوع عن التفكير، أريد أن أفطر يا أمى، إنها لا تسمعنى، وضعت بعض البرسيم فى القفص، أريد طعاما، أنا لست أرنبا.

أمى، أمى، بقيت أصرخ طويلا بلا فائدة، كل صراخى يرتد إلى همهمات بلا كلمات ولا صوت، ظللت أخبط أسلاك القفص بقدمى، مثلما كانت تفعل الأرانب فى المزرعة.

أمى تمنع أى مخلوق من الاقتراب من السطح، تخشى أن تحسد الناس أرانبنا مثلما هو معتقد، هى لا تعرف أنها تتعرض لضغط حين ترى غرباء، فتظل فى حالة هياج خوفا، إننى هائج الآن، كيف لا تشعر هى بذلك، كيف لم تسأل عنى؟ أو تلتفت لغيابى، أنا بالنسبة إليهم جميعا شبحا يرونه فى البيت، وإن رأونى لا يلتفتون.

زاد هياجى فظنت أمى أننى سأموت، فأرادت أن تستفيد منى بدلا من موتى بلا عائد، حملتنى لبائع الدواجن، فعرفت أن أيامى قد انتهت، سأموت دون أن يودعنى أحد أو أودعهم.

تقاضت أمى ثمنى ورحلت، وضعنى الرجل فى قفص مع آخرين فى واجهة المحل، جاءته امرأة جميلة كنت أعرف أنها من سكان شارعنا، تسكن هى وزوجها عمارة مجاورة، طلبت دجاجا، وبينما كان يعده لها، جلست تنظر إليِّ، عرفت أننى أعجبها، وخشيت أن تشترينى فيذبحنى، كنت شاردا، بينما هى تزداد قوة نظرتها إليِّ، لم أفهمها، هل عرفتنى؟ هل ملامحى قديما تشبه ملامحى وأنا أرنب؟! هل عرفت أننى إنسان مثلها؟!

هل الأرانب يشردون؟ يفكرون؟ هل جننت أنا؟ وهل لديهم عقل؟ أفهم الآن ما يدور فى رأس المرأة، هى تعرف أن الأرانب لا تفكر، ونظرتى حين أفكر أعرفها، نظرة كانت تجعل أمى تقيم الدنيا وتقعدها لتفهم ما يدور فى رأسى، لقد شدتها نظرتى، شرودى، هى الآن على يقين بأننى لست أرنبا، ستقول للرجل أننى لست أرنبا، ستفعلها، عمقت نظرتى وأتقنت شرودى بينما أتطلع إليها بطرف عينى، موقنا أنها ستنطق، ستأخذنى، ستفعل أى شيء لتنقذنى، الرجل يسألها إن كان لها طلب آخر، نظرت نحوى، صرخت فيهما بهلع: لا، لا، امتدت يد الرجل نحوى، وكانت صرختى الأخيرة، بينما يمر بائع الملوخية فاستوقفته المرأة.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق