رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

مصر وفرنسا.. تحالف نوعى مطلوب

د. معتز سلامة

تُهيِّئ المحطة الاستثنائية الراهنة فى العلاقات المصرية ــ الفرنسية، الفرصة للارتقاء بعلاقات الدولتين إلى مستوى «تحالف نوعى» جديد، هدفه تكريس الاستقرار والأمن المتوسطى فى مواجهة تحديات إقليمية مشتركة، ومعركة داخلية متقاربة تخوضها الدولتان، فى ظل تحالف الفاعلين المضادين فى الإقليم، وهو ما يجعل لهذا التحالف طبيعة خاصة، الأمر الذى عكسته الزيارة التى قام بها الرئيس عبدالفتاح السيسى لفرنسا، فى 6 ديسمبر الجارى، والتى برزت كزيارة غير مسبوقة فى التوقيت والشكل والمضمون.

وتكتسب العلاقات المصرية ــ الفرنسية أهمية كبيرة، بالنظر إلى الثقل الإقليمى والسياسى والحضارى للدولتين، وطبيعة الملفات التى تتقاسم الهموم بشأنها، فى ظل التحديات الخاصة بمكافحة الإرهاب والملفات المطروحة فى الفضاء المتوسطى، وبالأخص التدخلات التركية فى منطقة شرق المتوسط، والأزمات التى تواجهها دول مثل ليبيا وسوريا ولبنان، فضلاً عن الهجرة والجريمة المنظمة، إلى جانب ملف القضية الفلسطينية.

توافق مستمر

فيما يتعلق بملف الإرهاب، ربما لم يكن هناك توافق بين الدولتين حول هذا الملف أكثر من الوقت الراهن؛ فلقد ظلت مصر منذ عقود تعانى إرهاب الجماعات المتطرفة، وتنبّه إلى خطورة التطرف على الدول التى تؤويه، وازدادت أجراس الإنذار المصرية منذ عام 2013. وبعد أن ضرب الإرهاب بشدة فى العمق الفرنسى فى عام 2020، تبلور لدى باريس موقف أمنى أكثر إحاطة بالموقف المصرى فى ملف الإرهاب، على نحو مكّن من التمييز بينه وبين الملف الحقوقى الذى ظل متسيداً الخطاب الفرنسى إزاء الدول العربية وفى الإطار المتوسطى، وأصبحت فرنسا إحدى الدولة الأوروبية الأكثر اهتماماً بوجهة النظر المصرية.

ولم يكن مشروع القانون الذى ناقشه مجلس الوزراء الفرنسى مؤخراً، والذى يشمل «تعزيز الإشراف على الجمعيات الدينية وتمويلها وتجريم الكراهية عبر الإنترنت»، كما لم يكن ما اتخذته فرنسا من تدابير لمكافحة التطرف بإغلاق 400 جمعية ومسجد وقاعة رياضية ومواقع مختلفة، إلا مؤشرات على وطأة الإرهاب على الأمن القومى الفرنسى. وهكذا، تتلاقى الدولتان حول خصائص وجوهر المعركة الكبرى القائمة فى قلب العالم العربى وأوروبا، والخاصة بالمواجهة بين «الوطنية» و«الأصوليات».

ويشير كل ذلك إلى ضرورات التعاون بين الدولتين فى هذا الملف، الذى لن ينعكس صداه على الشق الأمنى فحسب، وإنما سيسهم أيضاً فى تعميق التعاون العسكرى وتقريب الرؤى الفكرية والإستراتيجية. وفى هذا السياق تحديداً، تشكل العلاقات المصرية ــ الفرنسية مركز الثقل الإقليمى فى التحسب لما يمكن أن يطرأ من تغييرات على الساحة الدولية تجاه هذا الملف تحديداً؛ حيث تحتاج مصر إلى توسيع التمييز بين ضرورات مكافحة الإرهاب، ومفاهيم حقوق الإنسان فى الإطار الأوروبى والإطار الغربى كله، وهو ما تستطيع فرنسا أن تساند به مصر. كما تحتاج فرنسا إلى مصر فى نقل الخبرة الأمنية والوطنية فى مكافحة الإرهاب فى الداخل الفرنسى وفى المناطق التى تحظى باهتمام خاص من جانبها فى أفريقيا.

رفض التدخل

ولم يكن هناك مؤشر على توافق سياسات الدولتين فى العامين الماضيين، أبرز من موقفهما من الملف التركى المتمثل فى سياسات تركيا العدائية فى ليبيا وشرق المتوسط، وهو ملف شديد الصلة بالملف الأول، بالنظر إلى تقارب رؤية القاهرة وباريس تجاه أنقرة باعتبارها الداعم الأول لقوى التطرف بالرؤى والتسهيلات، وبالدعم المالى والإعلامى، وبالتدخل غير المشروع من أعلى مستوى ممثلاً فى الرئيس التركى رجب طيب أردوغان نفسه.

لقد جعل كل ذلك الموقفين المصرى والفرنسى حول تركيا معززين برؤية لا تقتصر على توافق السياسات وتقارب المصالح، بل تمتد حتى إلى «الخطوط الحمراء» المرسومة من كلتا الدولتين تجاه تركيا، والتى تتصل بتوافق التحديات والمخاطر ذات المنشأ التركى، على الأمن القومى للدولتين. وكل ذلك جعل المتحدث الرسمى باسم رئاسة الجمهورية السفير بسام راضى يشير، فى سياق زيارة الرئيس عبد الفتاح السيسى إلى فرنسا، إلى «دوائر تفاهم مشتركة كبيرة بين الدولتين، تصل إلى حد التطابق فى المواقف من رفض التدخل الخارجى، ورفض التعامل مع الميليشيات ونقل المقاتلين الأجانب من العراق وسوريا إلى ليبيا، فضلاً عن الاقتسام العادل والشفاف لكل الثروات».

مصالح متبادلة

وفى الملفين المتوسطى والليبى، تحتاج فرنسا إلى مصر بقدر ما تحتاج مصر إلى فرنسا، خصوصاً فى ضوء تحولات الموقفين الإيطالى والألمانى من تركيا، أو المواقف غير الواضحة من جانب تركيا تجاه بعض دول جنوب المتوسط، مع احتمالات تطور التدخل العسكرى التركى فى ليبيا أو احتمالات الصدام العسكرى ولو بالخطأ ــ مع أنقرة شرق المتوسط. ويعزز من أهمية التحالف المصرى الفرنسى فى هذا السياق، تزايد احتمالات التراجع الروسى فى مواجهة تركيا فى النزاعات الإقليمية، على نحو يبدو فى ملفى سوريا وإقليم ناجورنى قره باغ.

ويبقى أحد الملفات الأساسية للدولتين، هو الملف الخاص بالقضية الفلسطينية؛ فلكل منهما التزامات تاريخية تجاه الشعب الفلسطينى، رغم التحولات التى تجرى فى المنطقة العربية. وكان الرئيس الفرنسى ايمانويل ماكرون نفسه قد أعلن عن مواصلة العمل على مقترحات بديلة عن ما يسمى بـ«صفقة القرن» من أجل حل القضية الفلسطينية، وأكد رفضه لخطة الضم وتأييده لحل الدولتين، وهو ما رحبت به القيادة الفلسطينية واعتبرته «إدراكاً من العالم لمساعى الصفقة شطب القضية الفلسطينية».

وإذا كانت إدارة الرئيس الأمريكى دونالد ترامب قد مضت فى القضية إلى أبعد مدى متجاهلة الحقوق الفلسطينية، فإن كلاً من مصر وفرنسا مدفوعتان بعناصر التشجيع بالمواقف العربية الجديدة، ومؤيدتان بموقف معلن لإدارة بايدن إزاء القضية- يمكنهما تصحيح المسار؛ بالبحث عن رؤية مشتركة، تدمج بين المنطق الأساسى التاريخى للحق الفلسطينى والجهود المبذولة للوصول إلى تسوية سلمية.

فى النهاية، تبقى المحطة الاستثنائية الراهنة فى العلاقات المصرية ــ الفرنسية فى حاجة إلى مشروع رؤية إستراتيجية قائمة على المشتركات الفكرية والثقافية والتاريخية التى انعكست فى التوافق الملحوظ حول الملفات الإقليمية التى تحظى باهتمام مشترك.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق