رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

كيف يمكن فهم إشكاليات العلمانية الفرنسية؟

د. عمرو الشوبكى

أعاد المؤتمر الصحفى الذى عُقد بين الرئيسين عبد الفتاح السيسى وإيمانويل ماكرون فى باريس، فى 7 ديسمبر الجارى، أسئلة كثيرة تتعلق بطبيعة النموذج العلمانى الفرنسى وقيمه، خاصة بعد الانتقادات الكثيرة التى وُجهت داخل فرنسا وخارجها لتكرار نشر الرسوم المسيئة للرسول الكريم، وهى انتقادات جاءت من شخصيات وتيارات ورأى عام مناهض بالكامل للعنف والإرهاب، وأدان بشكل صارم جريمة ذبح المدرس الفرنسى فى الطريق العام أو تبريرها بسبب عرضه هذه الرسوم المسيئة على تلاميذه لـ»تعليمهم حرية الرأى والتعبير» حسب رؤيته.

وقد فتحت هذه القضية النقاش مرة أخرى حول طبيعة النموذج العلمانى الفرنسى وخصوصيته حتى أصبح من الصعب فهم كثير من المواقف التى اتخذتها فرنسا تجاه الإسلام بعيداً عن فهم طبيعة هذا النموذج والإشكاليات التى يثيرها باعتبارها المدخل الرئيسى لاستيعاب السياق التاريخى لخبرة ثقافية وسياسية مختلفة، وأن الحوار هو الأرضية الصحيحة لفهم نقاط الاتفاق والاختلاف واحترام خصوصية كل خبرة دون أن تكون مصدر إساءة للآخرين.

وتصبح قضية العالم العربى ليست «هداية» المجتمع الفرنسى والأوروبى للإسلام أو محاسبته بمعايير نظمه وقيمه، وفى الوقت نفسه عدم تجاهل مشتركات إنسانية بين الشعوب والثقافات المختلفة يجب احترامها مثل رفض العنصرية والعداء للسامية والتحريض والكراهية وأيضاً الإساءة ضد الأديان.

تحديات عديدة

وقد تعددت التحديات التى تواجه النظام العلمانى الفرنسى، بعضها يرجع لما اعتبره الكثيرون تشدداً علمانياً، وبعضها الآخر إجرائى يتعلق بالقوانين والقواعد التى نظمت عملية الانتقال إلى العلمانية.

وتتخذ العلمانية الفرنسية موقفاً متشدداً من علاقة الدين بالمجال العام وليس فقط المجال السياسى كما فى باقى أوروبا، وتفصل بشكل كامل بين الدولة والمؤسسات الدينية. كما أنها لا تقبل بأى مظهر دينى فى المؤسسات الحكومة، فلايوجد على لوحة الشرح فى المدارس الحكومية صليب مُعلَّق مثل كثير من المدارس الأوروبية، ولا يُسمح بالحجاب أو غطاء الرأس فى المدارس أو أى مؤسسة حكومية، فى حين أن المدارس الخاصة، ومنها الكاثوليكية، قبلت طالبات مسلمات يرتدين الحجاب عقب استبعادهن من المدارس الحكومية.

ومن هنا، فإن رفض كثيرين فى العالمين العربى والإسلامى لقرار الحكومة الفرنسية فى العقد الماضى بمنع ارتداء الحجاب فى المدارس الحكومية والمؤسسات العامة، وتصويره على أنه يستهدف فقط المسلمين، هو تجاهل لطبيعة النموذج الفرنسى الذى استهدف كل الرموز الدينية، وليست الإسلامية فقط، وفصل حضورها عن المؤسسات العامة.

وتشغل العلمانية الفرنسية نفسها بتفاصيل كثيرة تتعلق بحضور الدين فى المجال العام، وهى تعمل على علمنة كاملة للمجال العام ليصبح «خالياً» من أى مظاهر دينية؛ فترفض الحجاب وتثير معارك حول لباس البحر «البوركيني» أو قضية بيع بعض المطاعم لوجبات اللحم الحلال، وهى قضايا لا تشغل اهتمام أبناء الثقافة «الانجلوسكسونية» فى بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية (إلا المتعصبين منهم)، ولا تثير أى اعتراضات من قبل الدولة.

نموذج مختلف

أما على المستوى الإجرائى، فقد مثّل قانون 1905 الأساس القانونى للقواعد المنظمة للنظام العلمانى الفرنسى. وينص القانون على عدم قيام الدولة بالإنفاق على المؤسسات والهيئات الدينية. هذا الأمر ظل مفهوماً بالنسبة لبلد مسيحى مثل فرنسا، حيث استطاعت آلاف الكنائس والأديرة والهيئات الدينية أن تنفق على نفسها دون الحاجة لمساعدة الدولة. ومع دخول الوافد الدينى الجديد إلى فرنسا ممثلاً فى ملايين المسلمين، أصبحت هناك حاجة لبناء مساجد ومؤسسات دينية ومقابر، وهى كلها أمور لا تنفق عليها الدولة الفرنسية العلمانية، فاضطرت المؤسسات الإسلامية أن تعتمد على تمويل أجنبى (بعضها كان بلا ضوابط) حتى إن عدداً كبيراً من المساجد فى فرنسا ظل يُموَّل ويُدار من قبل دول إسلامية كثيراً ما أدخلت حسابات السياسة أكثر من الدين.

ولعل ذلك ما جعل حديث الرئيس ماكرون مؤخراً عن ضرورة منع التمويل الأجنبى للمؤسسات الدينية الإسلامية مرتبطاً بحديثه عن إمكان مراجعة أحد الأركان القانونية للعلمانية الفرنسية، أى قانون 1905، والسماح للهيئات الإسلامية بالحصول على مساعدات من قبل الدولة للقيام بأعمال الترميم وتجديد دور العبادة، وفى الوقت نفسه امتلاك الدولة حق رفض أى مساهمة تزيد على 10 آلاف يورو، وضرورة الإعلان عن مصادرها، وذلك من أجل الحد من تأثير وسيطرة الدول الأجنبية على دور العبادة وكثير من الهيئات الإسلامية فى فرنسا.

وسيبقى تشدد العلمانية الفرنسية مرتبطاً، فى جانب رئيسى منه، بالقطيعة السياسية والدينية التى حدثت باندلاع الثورة الفرنسية فى عام 1789 مع التقاليد والمؤسسات الدينية، على خلاف النموذج البريطانى الذى مال للتدرج والتراكم وعدم القطيعة مع التقاليد القديمة ما يفسر بقاء المؤسسة الملكية إلى اليوم، وأيضاً اعتراف الدستور بالكنيسة الأنجلوسكسونية ككنيسة وطنية، وحضور الدين والمظاهر الدينية فى المجال العام وفى الوقت نفسه فصله فقط عن المجال السياسى.

دور بارز

لقد ظلت الكنيسة تلعب لقرون دوراً بارزاً ومؤثراً فى المجتمع الفرنسى، وكانت فرنسا تسمى فى العصور الوسطى بـ»الابنة الكبرى للكنيسة». كما أن ملوك فرنسا كانوا دائماً فى صدارة المدافعين عن المؤسسة البابوية وذلك منذ عهد شارلمانى فى القرن الثامن، فضلاً عن أن حروب الأديان الطاحنة التى امتدت لعقود كاملة خلال القرن السادس عشر، دفعت الكثيرين منذ الثورة الفرنسية إلى حسم علاقة الدين بالدولة التى بدأت بقانون توافقى بين الجانبين وقعه نابليون بونابرت فى عام 1802 وانتهى بقانون الفصل الكامل بين الدولة والمؤسسات الدينية فى عام 1905.

ختاماً، سيبقى فهم خصوصية النموذج العلمانى الفرنسى مدخلاً لفهم كثير من الجوانب المتعلقة بأداء فرنسا على المستوى الثقافى وعلى صعيد موقفها من قضايا مثل السخرية من الأديان والحجاب وغيرها، وهو لا يعنى قبول هذا النموذج أو قابليته للتطبيق فى الدول العربية، وإنما يعنى النقاش حوله من خلال الحوار الحضارى بين خبرات ثقافية مختلفة، ويمكن لتلك الدول أن يكون لها إسهامها فى وضع الإساءة للأديان والرسل ضمن الجرائم المدانة قانونياً فى العالم كله مثل العنصرية والعداء للسامية وخطاب التحريض والكراهية، بعيداً عن العنف والتحريض.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق