رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

مصر أم الدنيا (9)

هكذا الأيام شروق وغروب، شتاء وربيع، فلم تكن كل أيام الأجداد استمرارا للمجد، فقد كان المجد يخبو أحيانا ويعلو أحيان أخرى. فقد ملك فراعنة المملكة المصرية القديمة ألف عام، وفى نهاية الأسرة السادسة بدأ عصر الاضمحلال.

وكان ملوك الأسرة الخامسة (2540-2420ق.م) لا يزالون يرثون مجد أجدادهم، فقد ملك بعد «منكاورع» ابنته خت كاوس لأنه لم ينجب أولادا ذكورا. وكانت هى آخر ملوك الأسرة الرابعة وساد عصرها اضطرابات كثيرة، وأنجبت ابنا هو «أوسر كاف » وهو الذى ملك بعدها، وبداية الأسرة الخامسة وقد كان له اتجاه دينى كبير فأعطى للكهنة نفوذاً كبيرا.

وقد أخذت هذه الأسرة من منف مقرا للحكم وكان قد أسسها قبلا الملك مينا موحد القطرين، وكانت تسمى الجدار الأبيض، ولكن سميت فى هذه الأسرة «من نفر» أى الميناء الجميل ومنها جاء الاسم الذى حرفه الإغريق منف أو ممفيس، وهى قرية ميت رهينة جنوب الجيزة.

وقد صيغت الأساطير حول مقر الحكم الجديد لأحد الأمراء وهى قصة تنسب إلى عصر منكاورع، وسترى عزيزى القارئ أنها تشبه أحد فصول قصة سندريلا التى ذكرها جيامباتيستا باسيل الكاتب الإيطالى فى كتابه حكاية الحكايات عام 1634م مع بعض الاختلافات.

وتقول القصة إن فتاة جميلة ذهبت لتستحم فى بركة اللوتس التى تتوسط قصر أبيها المطل على النيل وقد خلعت حذاءها الذهبى وتركته عند حافة البركة، فجاء نسر عملاق وخطف إحدى فردتى الحذاء وطار بها إلى مدينة منف وسقط منه فى قصر الأمير الشاب الذى كان سيصير ملكا، فأمسك بالحذاء وشعر بأنه توجد حكمة وراء هذا فلماذا يُسقط النسر هذا الحذاء فى قصره على وجه الخصوص؟ وأخذ يتأمل الحذاء الذهبى كم هو جميل وطار عقله وتخيل الفتاة صاحبة هذا الحذاء، وأخذ يحلم بها بعدما رسم فى خياله قصة رومانسية جعلته يقرر أن يبحث عن هذه الفتاة ليتزوجها. فأمر رجاله بالبحث عن الفتاة صاحبة الحذاء وأعلن مكافأة كبيرة لمن يجدها. وانتشر الخبر فى كل أنحاء مصر وسمعت به وصيفة الفتاة التى كانت تدعى رادوبي، فذهبت الوصيفة إلى حجرة الفتاة وأخذت فردة الحذاء الأخرى وذهبت إلى الأمير تطلب المكافأة. وقد فرح جدا وذهب معها إلى قصر رادوبي، ومن بعيد أشارت الوصيفة إليها فوجدها كما كان يتخيلها، فذهب إلى أبيها وطلب أن يتزوجها، وبعد هذا صارت رادوبى زوجة ملك مصر.

فلم تكن إبداعات المصريين القدماء فقط فى بناء الأحجار والمعابد ولا فى كتابة الأساطير الدينية، ولكنهم كانوا أيضا مبدعين فى القصص الإنسانية والعلاقات الإنسانية. فالحضارة فيض إشراق يعم كل مناحى الحياة العلم والأدب والموسيقى والثقافة والعلاقات الإنسانية.

وكان أخر ملوك الأسرة الخامسة هو «أوناس» وهو صاحب الهرم الشهير الذى كُتب على جدرانه ما يسمى متون الأهرام أو نصوص الأهرام. ولم تكن أهرامات الأسرة الخامسة والسادسة بنفس فخامة وعظمة الأسرة الرابعة، ولكنهم اهتموا بالزخرفة الداخلية سواء فى أهراماتهم أو معابدهم، حتى إن عالم المصريات الألمانى بورشادت وهو العالم الذى وجد تمثال نفرتيتى وذهب به إلى ألمانيا عام 1912م،يقول إن مساحة الجدران المعدة للنقوش والزخارف فى مجموعة «ساحو رع» والتى تعنى المقرب من رع - وهو الملك الثانى من الأسرة الخامسة- قد بلغت عشرة آلاف متر مربع.

أما هرم أوناس فى سقارة فقد حفلت جدرانه بكتابات دينية وأساطير وأناشيد وبعض التعاويذ وتسمى متون الأهرام، وهى ليست نتاج كهنة الأسرة الخامسة ولكنها تجميع لصلوات وأفكار دينية تسبق هذه الأسرة بمئات السنين ولكنها تم تجميعها فى هذا الهرم. وفيها نرى الإيمان بالخلود وهى عبارة عن (800) نص دينى كتبت على جدران هذا الهرم وبعض التوابيت فيما بعد. وكتبت بشكل عمودى وباللون الأخضر بالهيروغليفية وهو ثانى أقدم نص دينى يذكر فيه «أوزوريس». وكان الهدف منها حماية جسد الملك بعد الموت ومساعدته للوصول إلى الخلود، وفيها معان عميقة جداً مثلاً يقولون فيها الجسد للأرض، والروح للسماء.

وفى أحد النصوص فى هرم الملك «تى تي» من الأسرة الخامسة يقولون «أوه، أصح يا تى تى خذ رأسك واجمع عظامك، انفض التراب عن جسدك، خذ الخبز الذى لا يفسد، وقف أمام الباب وسيأتى الحارس ليأخذك إلى السماء... قم يا تى تى أنك لن تموت، استيقظ بسلام كما استيقظت عين حورس».

ثم بدأت الأسرة السادسة (2420-2280ق.م) بحكم بيبى الأول وبنى هرما فى سقارة. وبعده مرن- رع وقد أرسل بعثة إلى الجنوب لشق قنوات فى الصخور بعد الشلال الأول، واستطاع أن يربط النوبة والسودان بمصر.ثم بيبى الثانى الذى حكم أكثر من تسعين عاما وهو أكبر حاكم فى التاريخ، فقد حكم وهو طفل فحكمت والدته وخاله حتى كبر. وقد بنى هرما فى منطقة أبو صير جنوب سقارة. وفى عصره بدأت الدولة المصرية تضعف نتيجة زيادة نفوذ حكام الأقاليم، وأخذوا ألقابا مثل السيد العظيم، وساد الظلم وقهر الفلاحين، وبدأت حروب أهلية ونشر الجنود المرتزقة الفساد فى البلاد. وأغار على الحدود الشرقية البدو محاولين احتلال سيناء وهددوا التجارة مع الشام وانتشر الفقر.

وتنتهى هذه الأسرة بقصة غريبة لشخصية اسمها نيت إقرتي، ظهر اسمها فى بردية تورين وهى أم زوجة أو أخت بيبى الثانى جلست على العرش بعده لمدة سنتين. ويذكر مانيتون المؤرخ القديم إنها أنبل وأجمل أهل زمانها. وروى هيرودوت عنها أنها تولت العرش بعد مقتل زوجها أو أخيها وقد بحثت عن الذين خانوه وقتلوه وقتلتهم، ولكن بعد أن عرفت أنهم فعلوا هذا حتى تجلس هى على العرش بدلا منه انتحرت ولم ترض أن تجلس على العرش بعد هذا. ولكن سادت الفوضى فى البلاد وبدأ عصر هدمت فيه أركان الدولة المصرية، ولكن كالعادة مصر تمرض ولا تموت كما نرى لأنها «مصر أم الدنيا».


لمزيد من مقالات القمص. انجيلوس جرجس

رابط دائم: