رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

الطبقة الوسطى .. ملاذات التمايز

عندما نشر عالم الاجتماع الفرنسي الأشهر بيير بروديو (1930-2002) كتابه بعنوان التمايز في العام 1979، كان بداية للتعرف على خصيصة مهمة من خصائص التكوين الطبقي، وهي تتعلق بالبحث الدائم عن الرموز والممارسات التي توجد للشريحة الطبقية تمايزا عن الشرائح الأخرى وفقاً لما تملكه من أرصدة مادية وثقافية واجتماعية. ولقد ساعدت هذه الأطروحة على فتح آفاق رحبة لفهم الكثير من الممارسات الثقافية داخل الشرائح الطبقية المختلفة، ولتأسيس فهم ثقافي أعمق للتشكيلات الطبقية. تبدو كل شريحة طبقية هنا وكأنها في حلبة سباق ثقافي، فتسعى كل منها إلى مراكمة ممارسات ورموز ثقافية خاصة بها تميزها عن غيرها، وتوجد لها أرصدة ثقافية واجتماعية خاصة تضاف إلى أرصدتها المادية فيتعمق داخلها الشعور بالتمايز عن الآخرين ومن ثم العمل بشكل مستمر على إعادة إنتاجه.

ونفترض في هذا المقال أن الطبقة الوسطى المصرية هي طبقة تجيد صناعة التمايز، بل إنها تبالغ في صناعته، بحيث يبدو الأمر وكأن السعي إلى التمايز داخل كل شريحة يتحول إلى هدف في حد نفسه، حيث تتفنن كل شريحة في صناعة ملاذات ثقافية خاصة تأوي اليها دون غيرها. ولاشك أن فهم عمليات التمايز وآلياته الرمزية سوف يفضي إلى فهم جوهر العلاقة بين الشرائح داخل الطبقة الواحدة، ومن ثم فهم عمليات التبادل الرمزي ودلالاته فيما يتصل ببناء النسيج الاجتماعي العام. ولعل نقطة البداية في الحديث عن التمايز داخل الطبقة الوسطى أن نعيد تأكيد عدم تجانسها من الداخل، حيث تتعدد المواقع الطبقية وتتقاطع لتوجد مواقع بينية؛ وأن نعيد تأكيد العلاقة بين ما يملكه الفرد في موقعه الطبقي من أرصدة مادية وما يتاح أمامه من إمكانات لزيادة أرصدته الثقافية ومن ثم الإجادة في إبداع أساليب للتميز والاختلاف. وعلى هذه الخلفية يمكن النظر إلى طبيعة الملاذات التي يأوى إليها الأفراد أنفسهم وذواتهم عبر مسارات الحياة المختلفة.

فعند قمة الطبقة يكون رأس المال المادي هو سيد الموقف، فهو الأكثر توفرا هنا. وإذا فتح الباب المادي على مصراعيه فإنه يفتح أمام الأفراد إمكانات غير محدودة لاستخدام جميع الأدوات الثقافية لتعضيد الموقف الطبقي عند القمة والمحافظة عليه. إن هذا الموقف الطبقي المتميز بطبعه يوجد ميولاً نحو التميز والاختلاف والتباعد باستخدام رموز المكانة المادية. يتجلى ذلك بشكل واضح في أماكن السكن الذي غالبا ما يكون سكنا فاخرا مستقلا محاطاً بأسوار، وأماكن الترفيه والتنزه التي غالبا ما تكون مغلقة على أصحابها، مع المبالغة في وضع قيود على ارتيادها من قبل الفئات الأخرى، وإيجاد فضاءات موازية للاحتفال بالأفراح في الحدائق والمزارع المغلقة أو في المنتجعات البعيدة أو خارج البلاد، وأشبه بها الفضاءات الموازية في الاستمتاع الفني، والتي قد تصل إلى إعادة إنتاج مواز للمهرجانات وإبداع أنماط جديدة لأداء الطقوس الدينية خاصة أداء الحج والعمرة.

وعند منطقة الوسط يقل تدفق الأرصدة المادية، وإن كانت لاتزال وفيرة. تصبح المهنة أو النجاح في ريادة الأعمال الوسيطة هنا في الصدارة. وعلى هذا الأساس تتشكل ملاذات التمايز التي يقف على رأسها التنافس لدخول سوق المهن المتميزة والأعمال المتميزة بأكبر عدد من القادمين الجدد. ومن هنا تتعدد الأساليب التي تهدف إلى تحقيق قدر من الاحتكار المهني، فيظهر لدى البعض الاهتمام بالتعليم الأجنبي في الداخل والخارج بما فيه تعلم اللغات والمبالغة في استخدام مفرداتها في الخطاب اليومي والإصرار على مخاطبة الصغار بها بطريقة تختلط فيها العربية باللغات الأخرى على نحو مبتور في اللغتين. ويظهر لدى البعض الآخر ممن لا يتمكنون من تعليم أولادهم على الطرز الأجنبية ميل نحو استملاك الوظائف المهمة التي تشع منها بعض اشعاعات السلطة من ناحية وتحمل قدراً من الاستقرار المادي من ناحية أخرى؛ مثل وظائف القضاء والبوليس والوظائف الرقابية. ولدى الجميع يظهر الميل نحو العمل على تأمين مستقبل الأولاد والبنات عبر مراكمة قدر من الثروة توضع أحياناً في شراء بعض العقارات بحيث يتم تأمين سكن للأسرة والأولاد، ومكان لقضاء إجازة الصيف (ولا بأس من تأمين مقبرة أيضا ً). وقد تصرف تلك الهرولة أهل الوسط عن التدين الذي غالباً ما يأخذ شكلاً طقوسياً، ومن ثم يأتي التدين الأشد عمقا في المراحل المتقدمة من دورة الحياة؛ حيث نخصص وقت أطول للتعبد الذي قد يأخذ شكلا صوفيا شعبيا في بعض الأحيان (كما يحدث في تبرك البعض بعتبات الأولياء خاصة السيدة نفيسة)، هذا فضلاً عن الميول الإحسانية التي غالباً ما تأخذ أشكالاً معلنة ومتلفزة. أما عند قاعدة الطبقة العريضة فتندر الموارد المادية، كما تبهت المهارة المهنية، فتتحول الثقافة برموزها وأرصدتها الشعبية والدينية إلى رصيد بديل فتصبح ملاذاً للبحث عن التميز. يتجلى ذلك بشكل واضح في صور من التدين تتراوح بين التطرف السلفي، والمزج بين السياسة والدين، والمبالغة في أداء الطقوس الدينية، والركون إلى أشكال من التدين الشعبي والمزج بين المعتقد الشعبي والمعتقد الديني. ويصاحب هذه الصور من التدين البحث عن ملاذات ثقافية وهمية أو متخيلة بالبحث عن جذور متخيلة للعائلة أو الأصل الديني الشريف أو الأصل التركي والمملوكي. يبدو الملاذ الديني والثقافي والشعبي عند القاعدة وكأنه يعمل كآلية تعويض عن نقص الرصيد المادي، أو كأنه يمنح الناس الشعور بحمل الفضيلة في مقابل العوالم الأخرى الأكثر مادية.

لعل هذا الحديث يدلنا على أن عدم التجانس داخل المواقع الطبقية الوسيطة لا ينكشف على نحو موضوعي فقط، بل ينكشف على نحو ذاتي عبر اللعب مع الثقافة وعبر استراتيجيات التمايز لدى الشرائح المختلفة. تبدو العوالم الطبقية هنا وكأنها في سوق للبحث عن التمايز، وبطرق لا تخلو من المبالغة، بحيث يكون هذا البحث هدفا في حد نفسه. وعند هذا الحد تفقد الشرائح الطبقية البوصلة ، وترتاح إلى كل ما يجعلها تحيد وتخرج خارج مسارها الطبيعي من المسئولية الاجتماعية. على ما في ذلك من خطر على طبيعة التماسك الاجتماعي.


لمزيد من مقالات د. أحمد زايد

رابط دائم: