رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

جسور الحوار الثقافى الدولى

يظل الخيال وحده هو مبعث الأمل والدليل نحو بلوغ الحل الإبداعى وتغيير جغرافيا الفكر السياسى لا سيما حين تتشابك الأزمات وتحتدم الصراعات بين الكيانات الدولية على اختلاف وضعيتها ولا تسود غير اللغة الجائرة.. لغة المصالح تلك المتعارضة مع حريات الشعوب وكرامتها وتاريخها ومستقبلها. ويظل الكوكب الأرضى يعايش خللا بنيويا متشعب الأبعاد له انعكاسات مدمرة حاضرا ومستقبلا.

من ثم فإلى أى مدى يمكن أن يظل الحوار الثقافى الدولى هو الآلية الغائبة عن مشهد الحضارة المعاصرة بينما هو الآلية المثلى التى توجد أفق وعى جديد قابل لاستحداث مفهومات وأفكار ونظريات ومعان فاعلة فى تغيير الواقع وتحويله فى إطار من القبول والتجاوب والتسامح وليس من دائرة التآمر والاستعلاء والاستهانة، إذ كيف يكون الإيمان بالتعددية هو الركيزة المحورية فى الفكر الحداثى وفى الآن نفسه تكون هناك أحادية متسلطة تفجر الصراعات المتباينة -على الصعيد السياسى والاقتصادى والثقافى والاجتماعى-التى تنتج دائما ممارسات لا إنسانية تؤكد غياب البعد الأخلاقى والقيمى بشكل يطلق الشكوك فى أهلية المستقبل لأنه سيكون محكوما بذهنية حمقاء تأبى التغيير وتنكر الحقائق. لكن هل يتسق مستوى الحوار الثقافى الدولى المعاصر مع طبيعة ووضعية أشواط التقدم الحضارى؟ وهل قدم هذا الحوار إستراتيجية فكرية تتضمن معالجات جذرية للكم الهائل من المشكلات الدولية؟ ألا تتطلب اللحظة المعاصرة إقامة حوار ثقافى على أسس نهضوية تبعث الأمل على الصعيد الإنسانى؟ وهل يمثل التقوقع على الذات وتمجيدها أداة تعويق نحو بلوغ حوار بناء؟ وهل أصبح العالم فى حاجة ملحة لحركة تنويرية فاعلة فى تغيير النمط الفكرى السائد؟ وكذلك هل يمكن للحوار الثقافى أن يحجم الصراعات المحتدمة بين الكيانات الدولية؟ ولماذا أصبحت هذه الكيانات متقوقعة على هويتها السياسية أكثر من أى وقت مضى؟ ولماذا لم تشفع التجربة التاريخية فى إقامة حوار ثقافى راق يسمح بتلاشى ظاهرة العنصرية الحضارية ويعمل على تقليص طاقات العنف السياسى والاجتماعى والدينى؟.

ولعل ذلك هو ما حدا ببعض دول الكتلة الأوروبية نحو الدعوة للاستقلالية الإستراتيجية فى حين عارض البعض الآخر باعتبارهم لم يتمكنوا من النهوض بالدور الأمريكى كضامن لسيادة الأمن، لكن اجتمع الطرفان على التمسك بالإدارة التعددية لشئون العالم وإن مثل ذلك اتجاها معاكسا لمسار القوة الكبرى فى وقت تواجه فيه الكتلة الأوروبية بأكملها تحديا وجوديا وتحديا آخر يرجع لدرجة تكيفها مع معطيات عالم اليوم، وهو ما سرد تفصيلاته المفكر الفرنسى «توماس جومارت» فى كتابه (جنون العالم ... التحديات الجيوسياسية العشرة) والذى بلور عبر صفحاته أهداف هذه الاستقلالية التى تحفظ للأوربى دوره إزاء التطورات العولمية ذلك استعادة لتألقه الاقتصادى الذى يتحرر به من التبعية والهيمنة الأمريكية والصينية على السواء.

إن مسئولية الأمم المتحدة, التى تحتفى بمرور خمسة وسبعين عاما على تأسيسها, إنما تتعاظم فى هذه اللحظة المعاصرة التى تطرح نمطا خاصا من التحدى الفكرى يستوجب إقامة حوار دولى تتلاشى خلاله تلك القيود الذهنية أملا فى ابتكار علاقة إيجابية تسهم فى ميلاد وعى جديد ينبثق عن تجارب وخبرات ومخاضات التاريخ مدعوما بالرؤية المستقبلية ذات العمق النقدى المتسق وطابع التحديات العالمية .. نعم وعى جديد ينبذ ثقافة الكراهية ويعمل على إبطال طوفان الشائعات التى تطوق المحيط الكونى ويطيح بلغة الاقصائية.

إن القراءة الثقافية للواقع المعاصر بتناقضاته الصارخة هى الملاذ الفعلى الذى يجب التحصن به لأن مفردات هذه القراءة إنما هى المنطق والتجربة والمبدأ والقيمة والمعنى الضمنى الحقيقى للأشياء والأحداث والحوار الخلاق الباعث بالضرورة على وجود تحالف حضارى له رسالة سلام تدحر آليات العنف بين الأديان والثقافات والأجناس والحضارات، ذلك هو التحدى الأكبر أو الجينيوم الكونى الذى يحصد اتفاقا عريضا على مستوى الأنظمة والشعوب ولكن إستمرارية العصف به تظل مهددة لبقاء كل الأطراف. وليس غريبا ما أكدته الفيلسوفة الإسبانية إديلا كورتينا قائلة: (فلنبحث عما يوحدنا وليس ما يفصل بيننا، وأن من يشعلون الصراع يسببون أضرارا جسيمة ليس لكوننا جميعا فى القارب نفسه ولكن لأن تعايشنا هش للغاية ويمكن تحويله إلى صراع الكل ضد الكل ... كفانا نزاعات، كفانا استقطابا سواء بحجة التفوق العنصرى أو بحجة الطائفة والأيديولوجية، فلنبحث عما يوحدنا وهو كثير جدا).


لمزيد من مقالات د. محمد حسين أبوالعلا

رابط دائم: