رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

القمة الأوروبىة.. ومعضلة العقوبات ضد تركىا

فاطمة محمود مهدى

فرض عقوبات على تركيا، الملف القديم الحديث، والجدال حوله لاينتهي، والتصرفات التركية لاتزال تضرب بالقرارات التى تتخذ ضدها عرض الحائط، فهى تسير فى تنفيذ خططها دون الإذعان لأحد، ولاتهتم أنقرة إلا بتحقيق  الآمال الأردوغانية، مما استوجب أن يكون ملف فرض العقوبات عليها من أبرز البنود التى ستتم مناقشتها فى قمة دول الاتحاد الأوروبى

المرتقبة، والمقرر انعقادها فى 10ديسمبر الحالي. فبينما تضغط دول، مثل اليونان وقبرص وفرنسا وإيرلندا والنمسا والتشيك، من أجل عقوبات أكثر صرامة، نجد دولا أخرى لاتريد فرض عقوبات مثل إسبانيا وفنلندا والسويد،

وموقف متأرجح لألمانيا لما بينهما من علاقات اقتصادية قوية، ولكن التوقع الأكثر

احتمالا، هو تأجيل اتخاذ القرارمن جانب دول الاتحاد، لحين وضوح موقف الرئيس الأمريكى الجديد

جو بايدن، وسياسته تجاه تركيا.

 

كان قادة الاتحاد قد ناقشوا الوضع من قبل والعلاقات مع تركيا، ومواقف الرئيس التركى رجب طيب أردوغان، المرفوضة تجاه قبرص وأذريبجان وشرق البحر المتوسط، وقرر البرلمان الأوروبى بأغلبية مطلقة فى جلسته الأخيرة، إدانة تركيا وطالب بفرض عقوبات قاسية عليها. ونص مشروع القرارعلى أنه «فى حالة تجدد الإجراءات الأحادية الجانب أو الاستفزازات التى تنتهك القانون الدولي، سوف يستخدم الاتحاد الأوروبى جميع الأدوات والخيارات المتاحة له، من أجل الدفاع عن مصالحه ومصالح أعضائه». وهو ما يفسر سحب تركيا سفينة الحفر أوروتش، من المياه الإقليمية اليونانية القبرصية، قبل أيام من انعقاد القمة، ولكن هذا الإجراء قد فعلته من قبل عند اجتماع الاتحاد فى أكتوبر الماضي، ثم أعادت إرسال السفينة مرة أخرى بعد مدة قصيرة.

ومعارك تركيا مع دول الاتحاد الأوروبى لا تنتهي، والمعركة الجديدة هى جماعة الذئاب الرمادية، بعدما تزايدت أخيرا دعوات حظر «الذئاب الرمادية» داخل الاتحاد الاوروبي. فبعد حظر فرنسا لهذه الجماعة رسميا، واتهامها بإثارة التمييز والكراهية وضلوعها فى أعمال عنف، دعا نواب ألمان الحكومة إلى دراسة حظرها، لكونها جماعة عنصرية ومعادية للسامية وللديمقراطية، وتهدد الأمن الداخلى فى البلاد. ولحقت بهما هولندا، وتمت الموافقة الأولية فى البرلمان الهولندي، على حظر الذئاب الرمادية، لتسببها فى توتر خطير فى المجتمع. ونشرها الأفكار القومية اليمينية المتطرفة. وجاء رد الحكومة التركية فوريا، وتوعدت بأنها «سترد على قرار الحظر برد حازم إلى أقصى الحدود، وبأقسى الطرق». ولكن الغريب أن الخارجية التركية فى ذات الوقت أعلنت أنه لا توجد منظمة مثل الذئاب الرمادية ووصفتها بالخيالية!. 

وجدير بالذكر أن جماعة «الذئاب الرمادية» غير مسجلة فى تركيا، ولكنها تأسست منذ أكثر من نصف قرن، وترتكز أهدافها على استعادة أمجاد تركيا التاريخية، وتساند بقوة تمدد تركيا فى محيطها الجغرافي، ومواقفها معادية للأرمن وكذلك القضية الكردية. وهى الذراع المسلحة التابعة لحزب الحركة القومية. وفى بدايات حكم حزب العدالة والتنمية، لم تكن علاقة الحزب الحاكم جيدة مع حزب الحركة القومية، بسبب رغبة اردوغان في  تسوية المسألة الكردية، وهو مسار يعارضه القوميون المتشددون. والنقطة الخلافية الأخرى السعى للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، وهو ما ترفضه الحركة القومية أيضاً. ولكن مع تعثر المفاوضات مع حزب العمال الكردستاني، وعدم ضم تركيا كعضو بالاتحاد الأوروبي، بدأت الظروف تتغير. وعندما وقعت محاولة انقلاب عام 2016، تحالف العدالة والتنمية مع حزب الحركة القومية، ضد حركة الخدمة بقيادة فتح الله جولن. وساعدوا أردوغان على حسم الانتخابات الرئاسية من الجولة الأولى عام 2018. وفى ذلك العام رفع أردوغان شعار منظمة «الذئاب الرمادية» خلال مسيرة لأنصاره فى مدينة مرسين !.

وعُرفت المنظمة التركية بهذا الاسم، لأن عناصرها ومؤيديها يرفعون أصبع السبابة والخنصر، بينما تنضم باقى الأصابع إلى بعضها البعض، لإظهار ما يشبه رأس ذئب، حيث استلهم مؤسسو المنظمة اسمها من أسطورة قديمة، تحكى أن قبائل الأتراك حينما كانوا يعيشون فى وسط آسيا تعرضوا لإبادة جماعية، إلا طفلا هرب إلى الغابة، وتمكن من العيش فيها بفضل ذئبة، وبحسب الأسطورة، أنجبت هذه الذئبة من هذا الولد 12 طفلاً، أنصاف بشر وأنصاف ذئاب، فأسهمت فى الحفاظ على العرق التركي. وكونهم قوميين متشددين، فهم ذئاب مثل ذئبة الأسطورة، ومن هنا اختاروا تسمية منظمتهم بـ«الذئاب الرمادية». وتسمى هذه المنظمة بـ«حركة الشباب المثالي»، ولاحقًا «فرق الموت». وتنشط فى قطاعات مختلفة من الاقتصاد، والتعليم، والمراكز الثقافية والرياضية، وتمثل الجامعات بيئة مهمة لنشاط عناصر المنظمة، ولكن سلطتهم الحقيقية وتأثيرهم المباشر يبدأ من الشوارع، وبين الفقراء الساخطين، وتتألف من الشباب التركى فقط، وبدأ نشاطها منذ عام 1968. ولأن الذئاب الرمادية منظمة خفية، فعادة ما تعمل كمنظمات ثقافية ورياضية، ونفوا مراراً وضعهم كمنظمة سياسية. ووفقاً للسلطات التركية - التى تنفى حاليا وجود جماعة تسمى الذئاب الرمادية- فإن هذه المنظمة كانت وراء مذبحة ميدان «تقسيم» التى استهدفت مشاركين فى مظاهرة عمالية للأحزاب الاشتراكية والشيوعية عام 1977، وكذلك مذبحة «مرعش» عام 1978، التى راح ضحيتها مئات العلويين، ونفذت 694 جريمة، وتسببت فى مقتل نحو ستة آلاف شخص بين عامى 1974 و1980، منهم نقابيون وصحفيون وعمال وسياسيون من اليساريين والليبراليين، وكذلك الآلاف من الأقلية الكردية. وشاركت المنظمة فى الصراع بين القبارصة الأتراك واليونانيين فى قبرص، وفى الحرب بين أرمينيا وأذربيجان (1988-1994) إلى جانب أبناء الإقليم الأذريين. كما قام أحد اعضائها بمحاولة اغتيال البابا جان بول الثانى عام1881، وتم حظرها فى كازاخستان عام 2005، وقاتلت فى حربى الشيشان الأولى والثانية ضد الروس، وتعاملت مع تتار شبه جزيرة القرم.

ومن الواضح ظهور المنظمة فى مناطق تدخل القوات التركية فى المنطقة العربية، حيث أكد صحفيون أتراك، انضمام الذئاب الرمادية للقتال فى شمال سوريا، بحجة حماية الأقلية التركمانية من الأكراد السوريين والروس. وفى فبراير الماضي، رفع جندى تركى علامة «الذئاب الرمادية» فى غرب مدينة حلب. وجاء قرارالحكومة الفرنسية، بحل حركة الذئاب الرمادية التركية القومية، بعد نزول نحو 250 شخصا، يعتقد أن أغلبهم ينتمى لحركة الذئاب الرمادية فى مدينة قرب ليون، للشوارع ومهاجمة مواطنين من أصول أرمينية، وتشويه نصب تذكارى لتكريم ضحايا الإبادة الجماعية للأرمن، ووقعوا باسم «الذئاب الرمادية» وأردوغان، وهو ما سلط الضوء على هذه المنظمة، وتغلغلها فى دول أوروبا، والأنشطة التى تقوم بها لخدمة الأهداف الأردوغانية . فالمنظمة ليست منظمة فى فرنسا فحسب، بل فى العديد من الدول الأوروبية الأخرى، التى بها أعداد كبيرة من الأتراك، مثل بلجيكا وهولندا، وألمانيا التى يوجد بها أكبر تجمع للمنظمة اليمينية، حيث تضم نحو18 ألف عضو. ويشار إلى أن المنظمة تعتمد فى تمويلها،على أنشطة غير مشروعة، مثل تجارة المخدرات والسلاح والاتجار بالبشر.

 وأخيرا من جانبها، اتهمت صحيفة «أحوال» التركية المعارضة أردوغان بأنه «يستغل الجاليات التركية والمسلمة فى أوروبا، وبخاصة فى النمسا وألمانيا وفرنسا، من أجل الضغط على الدول التى يقيمون فيها، ليقدم نفسه زعيما ممسكا بخيوط اللعبة، وأن بإمكانه إثارة الفوضى فى تلك البلدان حين يريد، وأن ثمن ذلك سيكون صمت أوروبا على سياساته، أو عليها مواجهة الغضب الذى يمكن أن يثيره فى مجتمعاتها». ومع توتر العلاقات بين تركيا ودول الاتحاد الأوروبي، تبقى كل الخيارات مفتوحة أمام القمة القادمة، وقرارات الاتحاد ستوضح حقيقة عزمه على تطبيق عقوبات ضد أنقرة من عدمه.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق