رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

فارس الشعر والترجمة يترجل

أحمد سراج

يقول لى المخرج أحمد إسماعيل يوم الأربعاء 2 ديسمبر: «رفعت فى العناية المركزة، والحالة غير مطمئنة، لن أكلمك إلا لو حدث شيء»..لأربع ليالٍ لا أذوق النوم إلا إن باغتنى، وحين أنتبه أنظر للهاتف بين رعبٍ ورجاء.. لا يعرف إسماعيل أن رفعت قال لى قبلها: «سأموت».

قالها حين طلب منى أن أدخل غرفة مكتبه، ووصفها لى.قالها حين طلب منى أخذ مجموعة من كتبه لأحبائه الذين لا يعرفهم..قالها حين أصر على أن أخرج كتبه التى اتفق على إعادة طبعها فى دار نشر أردنية، فسألته: «لقد أعطيتهم ريتسوس وديوانك.. فهل التعامل المالى مشجع؟» قال الصمت: «إنها دورة النسر الأخيرة» فكما تفعل النسور حين تشعر بالموت.. ترتفع وترتفع وترتفع.

اليوم هو عيد ميلاده.. وحين هنأته.. هز رأسه بأسى، وقلت له منتزعًا ابتسامة: «العام القادم نكون قد أعدنا طباعة كتبك.. ونحتفل». شعرت بتعبه؛ جسده يتحرك للأمام والخلف، لكنه مصرٌّ على بقائى، استأذنته فى الانصراف، قبل أن أخرج بخطوة، جاءنى صوته: «شكرًا يا أحمد» جمدت فى مكانى فكررها: «شكرًا يا أحمد».رغم الامتنان الطاغى الذى ظهر فى كلمته؛ فقد وصلت الرسالة: «سأموت وأنا راضٍ عنك» لكن ما أبكانى حقًّا أننى تيقنت مما خفته: «هذا لقاؤنا الأخير».الأحد السادس من ديسمبر 2020 فى الثانية عشرة ظهرًا يسترد الله وديعته، وفى الثانية والنصف يدخل الجسد بيته الأخير.. مات رفعت سلام.

غنى يا ربة الشعر للرجل الذى رأى فكتب فأسس حدائق مترامية الأطراف، عرف رفعت منذ اللحظة الأولى ما هو مقبل عليه فقال: «لِى أن أختَرِعَ التَّـارِيخ| وَلَه أن يُذعِنَ لِى». غنى يا ربة الشعر للغضب النبيل وللفن النبيل.. كان هنا الشاعر الذى قدم سبعة دواوين لافتة، من «وردة الفوضى الجميلة» إلى «أرعى الشياه على المياه»، كان هنا المترجم الذى أعطانا أعمال كبار شعراء الحداثة ومنها خماسية الكبار، ومنها دواوين منفردة..غنى يا ربة الشعر للشاعر، ولنبك نحن.. رجلا يستحق البكاء والبقاء.. رجلا عاش بقلمه لقرائه. رحلة رفعت كانت بحثًا عن الأصل، عن الشعر، عن التراث، سيقول النقاد إن لرفعت محاولة جادة فى ترجمة الشعر العالمى، لكننى أقول: «إنه ترجم خمسة من أهم شعراء الحداثة». سيقولون إن كتب رفعت ستحكى عنه.. وأن أى مدرسة نقدية ستجد لديه ما لم تجده عند كثيرين. يطرح الأسئلة فى وجه الريح حصونًا وفى وجه المدن المغلقة فتتفتحها، خمسة أدوار مميزة (شاعر ومؤسسٌ ومترجم وباحث وصحفى) يجمعها الإصرار والتحرك دون صوت أو اكتراث.. مؤسسًا لجماعات خارجة عن حظائر القطيع، صحفيًّا بارزًا فى وكالة أنباء (كانت) عالمية، ناقدًا ومتابعًا للحياة الثقافية والفكرية، مترجمًا مختلفًا ذا مدرسة تحترم المؤلف ونصه. «لا يمكن المرور بديوان رفعت سلام دون أن نقف بالنصوص الجوهرية، فوعى رفعت سلام بأن الشعر وردة، وأن هذه الوردة تنتج فى مناخ من الفوضى، وتُنتج الجمال المغاير، سواء كان ذلك عبر «جمالية القبح» أو «دهشة العادى» أو «سيادة الهامش» أو «كلية الفردى». أما هو فيقول لنا: «غَرَسنَاكَ فِى تُربَةِ الغَرَابَة/ سَلَّمنَاكَ أبوَابَ الفُصُولِ الأربَعَة/ وَوَهَبنَاكَ سِرَّ الكِلمَةِ الرُّمحِ، وَمفتَاحَ الكِتَابَة/ كَى تَكتُبَنَا فِى فَاتِحَةِ الرُّؤيَا جِيَادًا نَافِرَة/ كَى تَكتُبَنَا فِى مَملَكَةِ الجُوعِ ثِمَارًا وَرَغِيف/ وَنَذَرنَاكَ لِشَمسِ الفَاجِعَة/ كَى تُعِيدَ الرُّعبَ لِلوَطَنِ الألِيف» ويقول: «أمشِى عَلَى حَدِّ انتِصَافِ اللَّيل/ صَاخِبًا/جَرِيئَا/ وَلِى قَدَمَانِ تَخْتَرِعَانِ مَا أشَاءُ مِن دُرُوب/ تَحْفُرَانِ لِى فِى كُلِّ خُطْوَةٍ/ مَفَـازَةً/ أو هَاوِيَـة./ وَتُغْمِضَانِ العَيْن/ كَيْ أهْـوِى/ عَلَى حَدِّ انتِصَافِ الوَيْل/ ضَاحِكًا/ مُضِيئَا».

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق