رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

الحوض المرصود

أشرف الصباغ;

للقاهرة فى الصباح رائحة الندى وملمس القطيفة وطعم الحليب. لها رائحة طازجة مميزة لا تخطئها حاستا الشم واللمس، والتذوق أيضا، مهما كان الشخص غريبا أو أجنبيا، أو سافر لفترة طويلة. ومهما كانت لسعة البرد الصباحى الشتوى أو الصيفى، فإن ندى صباحات القاهرة يتسلل إلى مسام الجلد، يعيد بعثها من جديد وكأنه يعيد صياغة الرؤية وخلق الجسد والأحاسيس والروائح، ويمنح الإنسان قدرة سرية دفينة على غرس ذاكرته فى داخل ذاكرة المكان والتسلل إلى أعمق أعماقه.

تبدو القاهرة مدينة هادئة شيدت على الماء، يعلوها بخاره أو تسبح فيه، ذلك يعتمد على زاوية الرؤية ونفادها وعمق الذاكرة وإحساس الجسد، وربما المرض السرى الذى يجب أن يشفى منه. تتبختر جزرها من الماء إلى الماء وبين الماء والماء، حتى يتصور الإنسان أنه هبط للتو من الجنة إلى أصل الأرض وجوهرها ومركز الكون وبداية الحياة. المسافة بين حارة اليهود وأول شارع قدرى من ناحية ميدان السيدة زينب لا يمكن قياسها حتى لو شرعت وكالة ناسا بكل معداتها وخبرائها وأقمارها الصناعية فى محاولة لقياس تلك المسافة التى تطول وتقصر حسب الزمن والذاكرة، وحسب الرؤية الهندسية لمن تفننوا فى تشييد حوارى وأزقة ودروب هذه المدينة التى لا تكف عن إثارة الدهشة ولا تتراجع أبدا عن شغل المرتبة الأولى بين المدن المتعالية القاسية سيئة السمعة، تلك المدن المليئة بالتناقضات فاقدة الرشد عديمة المسئولية، الكارهة لأولادها الذين يلعنون «سنسفيل» أبيها ليل نهار، ولا يمكنهم مغادرتها أو الاستغناء عنها لأسباب هم أدرى بها. بينما هى تعرفها جيدا وتتيه صلفا وجبروتا ودلالا بها وبهم، لكنها لا تقول لهم، ولا تفصح أبدا...

احتمالات الوصول من بيتنا الكبير، فى حارة اليهود، إلى مستشفى الحوض المرصود تتعدد بقدر الحوارى والشوارع والأزقة والإحساس بالألم والرغبة فى الشفاء، وبقدر تحيات الصباح التى سنلقيها، أنا وروزا، على صبيان المخابز والمقاهى وأصحاب الدكاكين والنسوة اللاتى يعرفنها منذ كانت صغيرة تتسكع مع أمى صفية فرج فى حوارى الغورية ودروب المغربلين وأزقة الحسين والأزهر، بقدر أنفاس روزا المتلاحقة وكأنها صبية صغيرة خرجت لأول مرة من البيت لتكتشف العالم. كانت أنفاسها، وما زالت، تتردد وتتلاحق حتى عندما تقرأ أسماء الورش والمقاهى، وتتذمر من إهمال أصحابها أو العاملين فيها، أو تعلن عن ضيقها بسبب اختفاء أحد الشقوق فى هذا الباب أو ذاك أو فى هذه النافذة أو تلك، ما يعنى أن مجال الرؤية لديها سيتقلص، وستقل احتمالات معرفتها بما وراء ما تراه العين.

روزا، اسمها الحقيقى «مادلين»، وأنا أحب مناداتها بـ «روزا». بينما يناديها زملاؤها فى قسم التاريخ بالجامعة بـ «ميمى». لا أدرى بالضبط، ما هى الأسباب الحقيقية وراء تعدد أسمائنا، ولكننى رَجَّحْتُ بعد أن كبرت وفهمت، أن الأسباب قد تكون هى نفس أسباب تأكيداتنا بأننا نسكن فى باب الشعرية أو الخرنفش وليس هكذا فى حارة اليهود خبط لزق. أما أنا فمشكلتى صعبة للغاية، لأن أمى صفية فرج كانت مصممة على مناداتى بـ «الواد ميمون» رغم تجاوزى الأربعين من عمرى، ربما لأننى آخر العنقود. وعندما تكون غاضبة منى كانت تنادينى بـ «زفت الطين» أو فى أحسن الأحوال «الجدع ده، جوز مادلين». لكن مادلين التى لا أحب مناداتها بهذا الاسم، فهى تنادينى بـ «ميمون» عندما تكون غاضبة منى، وتدللنى فى أكثر الأحيان بـ «مينا».

يمكننا أن نستقل تاكسى. وبمقدورنا ركوب أى باص من شارع بورسعيد. لكن كل ذلك لا يمكنه أن يرضى هذه الملعونة المشغولة دوما بالسير فى حوارينا وإحصاء الشقوق فى الأرض والجدران، وترديد أسماء الحوارى والأزقة والدروب والدكاكين والورش والمطابع، وأسماء أصحابها الحاليين، وأسماء آبائهم الراحلين، وَعَدِّ الأبواب والشبابيك، والتحديق فى أحبال الغسيل على البلكونات وكأنها تبحث عن شيء ما. لا يمكن إثناؤها عن عزمها على السير وكأنها مسحورة، بينما تعلو أنفاسها وتتوالى مثلما كان يحدث فى الصغر عندما تريد أن تستنشق رائحة ما لتعلن منتصرة عن صدق نبوءتها.

وصلنا فى السادسة والنصف صباحا. كان هناك عدة أشخاص يقفون بشكل عشوائى بالقرب من بعضهم البعض وكأن كلا منهم يحتمى بالآخر من لسعة البرد التى تميز الصباحات القاهرية فى شهر يناير. لفت نظرها شاب فى حوالى العشرين من عمره يرتدى قميصا خفيفا وجسده يرتعد بشدة. وعندما دققتُ النظر فى وجهه، رأيت فكه يرتعش بشكل لافت. كان يحاول ضم ذراعيه إلى صدره، ويسير جيئة وذهابا فى عصبية. سألت روزا عن مواعيد فتح الأبواب، وهل يوجد طابور أم لا. تعالت الأصوات وتداخلت بمعلومات متضاربة. البعض يقول فى الثامنة، والبعض الآخر يؤكد أنها فى التاسعة، بينما البعض الثالث يردد ضاحكا أن المسألة لا علاقة لها بالمواعيد المكتوبة. قالت امرأة تقف مع سيدة أكبر منها سنا وبجوارهما رجل يبدو أنه زوج الأولى، موجهة حديثها إلى روزا: «لا طابور ولا يحزنون. حتى لو كان هناك طابور فلن يسمحوا لنا بالوقوف فيه». ردت السيدة الأكبر سنا، والتى يبدو أنها أمها أو حماتها، بأن الباب الذى يطل على شارع قدرى مخصص لدخول الرجال، أما الباب الكائن فى شارع الحوض المرصود فهو للنساء.

بدأ الناس يتوافدون، وتتزايد أعدادهم. ظهر شاب يمسك بورقة وقلم، وراح ينادى على البعض. أدركنا أنهم كانوا يسجلون الأسماء، أو أنهم قرروا أن ينظموا الطابور.. لا أحد يدرى. حاولنا أن نقول لهم إننا هنا منذ وقت طويل، ولكن لم يلتفت لنا أحد وسجلوا أسماءنا بعد جميع الواقفين. فوجئنا برجل كبير العمر يلبس جلبابا خفيفا وصندلا يبدو عليه القدم يحاول الوقوف فى أول الطابور. أبدى الواقفون تذمرهم ورفضهم، وعلا صوت الزعيق والاحتجاجات عندما وقف بالفعل فى أول الطابور. راح الرجل يؤكد أنه يقف هنا «من النجمة»، لكنه لم يكن يعرف أنهم يكتبون الأسماء. وبدأت احتكاكات تنذر باشتباك وشيك. وفجأة، نظر لهم الرجل غاضبا وانسحب خارج الطابور. وقف فى منتصف شارع قدرى وقال بصوت جهورى غاضب: «اشبعوا بالطابور وبالمستشفى يا جربانين، لن أدخل، ولن أتعالج، يعنى لو وقفت فى أول الطابور سأعطلكم وأعطل أعمالكم التى تنتظركم؟! هل ستتأخرون على الوزارة إذا وقفت أنا فى أول الطابور، يا حمير يا أبناء الحمير؟!» وسار غاضبا فى اتجاه شارع بورسعيد وهو يشيح بذراعيه ويطلق شتائم خفيفة وسبابا متلاحقا فى اتجاه الفراغ... سقط الواقفون فى نوبة ضحك طويلة، وركض الشاب الذى يرتجف جسده ليلحق به، ثم تبعه بعض الشباب حتى لحقوا بالرجل وبدأوا يرجونه بالعودة والوقوف كيفما وأينما يشاء. بدأت مشادة أخري: هم يرجونه ويتوسلون إليه بالعودة إلى الطابور، وهو يرفض ويشيح لهم بغضب إلى أن أقنعوه. فعاد بزهو وكبرياء ليقف فى أول الطابور، وراح ينظر باستعلاء وشمم إلى الواقفين وفى عينيه نظرة ود وثقة وامتنان.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق