رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

الحب والسيف..

محمد قطب;

رأيت النجوم تنزل وتغمسُ نفسها فى عينيها.. هالنى اتساع العين والفضة اللامعة تسيل منهما.. تسرب الجمال إلى الزهور فتفتحت وفاحت بسرها، وازدهى الشجر ومال تيها...

.. كان الرجل الذى كشف عن جمالها يتوسد النجوم ويحلم.. يزهو بأنه يمتلك كل هذا البهاء، راح يطوف معها البلاد التى تهواها، والأماكن التى تحبها.. كانت تتأبى وتتسامى، وكان هو المجنون بحبها.. كان يزيح رماد الشيخوخة من حوله، ويرفع رأسه إلى السماء ويتناجى.. هل لمثله أن يحلم بامتلاك القمر؟!

.. ظهر فجأة فانهل السحاب، وتناثر الماء، ولون الورد أعناقها.. كانت تروح وتجىء.. لم أوصد لها بابا.. وحين تأتى بعد غياب، يرتجف حناياى وتغمرنى السعادة.

هل الفتى الوسيم على ساحتى كعاصفة اجتاحتنى.. أين كان العقل حين دعوته ليستمع إليها، ويتملى جمالها، ويتحاكى به طربا؟ صوته جميل وهو يترنم بالمواويل.. ويُطرب الأذن بعذوبة النغم.

حين رآها لم تفارقها عيناه.. وكنت أراها تتفادى أسنة العين.. وتصمت أكان بينهما وعد خفي؟ هل أدركت نظرته؟ وهل فك شفرة الصمت؟ لعلهما توافقا!! وظللت منتظرا تلطمنى الريح.. ويعتصرنى الألم!

.. حين تغيب، وتطول غيبتها تكون معه! وأظل ــ أنا ــ مهجورا، أعانى الألم والأسى.. هل لاحظ الأهل حالتى فراحوا يواسونني؟ هل «شمتت» النسوة، كلما رأيننى يتضاحكن خلسة ويغمزن بالعين الرانية.

كاد جسدى يتداعى.. وهى يتمادى جمالها وتتغافل عنى.. أتوجع وأنا أتعسس أخبارها التى باتت حديث المنتديات.

.. ظل الفتى يغمسها فى قلبه ويسقيها حتى ارتوت! إن نأت بحث واقترب. لم يقو على البُعد حين تتدلل، يطوف مع القمر يلم شعاعه اللامع ويضعه فى طيات الوردة ويلاحقها قبل أن تغيب.

قال وضوء القمر يطل من عينيها..

ــ تزوجيني

حجبت النور وأغمضت، ثم تمتمت

ــ وهو؟

ــ اتركيه

ــ لا أحب القسوة.

راح يترنم.. ترمقه بطرف العين، وتحجب البسمة قبل أن تهل..

ــ تزوجينى.. تحيى قلبا يعشقك

تأود الجسد كغصن البان..

ــ أريدك كما أنت

.. هى المدعوة من.. المحبين فى سمرهم، ومناسباتهم، تنثر العطر على الوجوه، وتضع الفل على الرقاب..

ــ إن كنت تخافين فأنا حماك

ــ لا تحلم بامتلاكي

.. تلفتت، أمالت رأسها نحو الفضاء.. هالها سربُ الطيور يكاد يتساقط حولها ويقترب، قرأت الغيرة فى رفة الأجنحة.. هبت واقفة وطوحت بيدها وأقبلت تسترضيه..

.. تروح وتجىء، تظهر وتختفى..

قابلتها فى منتصف الطريق ما بينى وبينه.. الليل غويط، حالك السواد، تخب فى مشيتها.. اقتربت فلمحتنى.. ارتخت حركتها وأبطأت.

ــ من أين؟

ــ من عنده

ــ وإلى أين؟

ــ إليك.

ــ كل هذا الغياب؟

خطفت عينى وأنا أعاتبها، ومسدت جفنها وابتسمت..

ــ أنت سيدي

أغمطها على شهوة الحياة التى تمتلكها، تُحيل كل ما يدور حولها إلى ساحة الود. تكره أن يحقد عليها أحد أو يكرهها أو يخوض فى سيرتها.

ويظل القلق عليها قائما كلما نأت، ويتحول الترقب إلى سهم نافذ..

.. هو نصيبى الذى ارتضيته. يكفينى منها دفقة العشق التى ترشها عليّ حين تهل كنسمة الصيف.

.. تواجهنا. لمحت ألقا فى العين، وانفراجة فى الشفتين وددت لو طبعت قبلة على جبينها الوضاء.. حاولت فحجزتنى.

ــ لا تتعجل.

ــ لا أقوى!

ابتسمت لى.. فاض وجهها بوله كأنه امتنان.. ولجت الغرفة.. وجدت سريرها يتهيأ لها، كأنها لم تغب عنه لحظة.. تهللت الوسائد والمتكآت، و«الكليم» المشجر.. وصورتها على الحائط فى إطارها الذهبى والسيف حولها يحرسها!..«روب» الحرير، الحزام الأرجوانى، وخفها المخملى، وثلاجتها الصغيرة.

.. وطار قلبى يرفرف.. هاهو الحلم الذى يلازمنى.. أن تكون لى.. أن تتذكرنى.. وتعود بعد غياب..

.. أنا اللؤلؤ فى رقابهم، والنهر الذى يطهرهم، والضوء الذى يقودهم.. والسحاب الذى يندى العيون ويخطف القلوب، والموج الذى يطهر الأجساد وفيه يسبحون.. فلم حين يجدوننى أمامهم يريد الواحد منهم أن أكون له؟! لست معجبة بذاتى.. فأنا أعلم لماذا خلقت؟ من أجلهم وجدت.. فلم يستأثر بى أحد منهم؟! أمر مدهش أن يريد كل واحد منهم أن أكون له!!

.. لم أكن يوما أنانية، لم أحب نفسى لدرجة النرجسية، أنا منهم ولهم، وبهم أتسامى.. ربما كان ذلك وراء إحجامى عن الزواج!

ما الذى أكون عليه وأنا معه إن لم يكن زواجا؟! أغيب وأعود ويظل ــ كما هو ــ كالشجرة التى تميل بأغصانها تظللنى كلما عدت لا يسألنى.. لأنه يعرف!

.. داهمنى الفتى الوسيم كالقدر.. سحبت الشجرة أغصانها وضنت بالورق.. الشوق إليه جامح ــ اكتشفت أن نهرى ينهل من نهر السماء وضع يده واتكأ.. أجهدنى، واكتشفنى.

.. لكنه سيدى الذى لا أقوى على البعد عنه.. فالحب الحقيقى لا يشترى.. تركنى أحترق.. هل يذرو رمادى على الهامات؟ وهل ينطفئ الشهاب؟ وهل يصبح يوما مثل السادة الذين يملكون ولا ينجحون وينوب عنهم خدمهم!!

.. حين تهيأت ترنحت.. استندت على ذراعى.. انهل الشعر ولامس الصدر.. ارتخت عضلاتى تحت ثقل الجسد.. نترت نفسها فجأة راحت تحجل فى الحجرة الواسعة.. تنسدل أكمامها الواسعة فتبدو الذراع البيضاء قطعة من لجين.. يتوالى إيقاع الجسد، تتشابك النغمات.. تستعيد نغمتها الساخنة، فأصفق وأحزمها بعينى وأراقصها بقلبى.. رمحت ورقصت.. غار الليل فانكشف، وانحسرت النجوم وتخلت، ولاح الفجر بازغا.. تستدعى النوافذ الضياء، بفرشه على وجهها، وجسدها، ورفرف الضوء على مقلة العين فراشات وزنابق..

.. رأيته يرامقنى.. جفلت عيونه وأضاءت.. يكاد يخرج من غمده.. رحت أحدق فى ضوء السيف المعلق بجوار صورتها، وهو يومض ويرتجف كأنه يدعونى إليه!!

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق