رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

سعيد الكفراوى العابر فى مدينة الموتى

على أحمد;

أنا ابن ثورة يوليو وإلى جيل الستينيات أنتمى

تمردنا على مظلة نجيب محفوظ وخلعنا عباءة يوسف إدريس

يحيى حقى هو الذى علمنا الإيجاز وعلمنا كيف نكتب لغة عربية سليمة؟

المترجم دينيس جونسون ديفزهو القنطرة التى عبر عليها الأدب العربى للعالمية




فى «مدينة الموت الجميل» عاش سعيد الكفراوى فى «بيت للعابرين» يكتب «حكايات عن ناس طيبين» يجاورون «مجرى العيون»، لم يرد من الدنيا سوى «ستر العورة» وستر الله، يتخيل نفسه مثل «رجل عجوز وصبى» فى «كشك الموسيقى» يوزع الحب والحكايات على السائرين فى «الجمعة اليتيمة»، وينشر حكاياته فى «دوائر من حنين» ويحمل فؤاده على كفه وينادى «يا قلب من يشتريك» ويقابل «البغدادية» فى ألف ليلة وليلة، ويأخذها على «المهرة» للدنيا وللسجن والسجان حتى يبلغ «سدرة المنتهى». الكثيرون من أصحابه كانوا يعرفون العلاقة الخاصة التى كانت تربطه بزوجته أحلام التى رحلت عن الدنيا من عامين تقريبا، وفى لقاء على الهامش قال لى الكاتب إبراهيم عبدالمجيد وهو حزين، لا أعرف كيف سيعيش سعيد بدونها؟

زرت عمى سعيد الكفراوى فى بيته بالمقطم وهو الكاتب الوحيد فى العالم الذى نذر عمره للقصة القصيرة، ولم يرض بغيرها شريكا،ورأيت آيات الحزن الثقيل على وجهه وجسده، وكيف يبدو كالطفل العجوز، يتكلم فيتهدج صوته حتى البكاء، ويتألم فيصمت، صمت الأخرس الذى قال كل الكلام..

ولم يمر وقت طويل إلا واشتدت عليه وطأة المرض، ثم يرحل عنا خلسة ليلحق بحبيبته ورفيقة عمره السيدة «أحلام» أم حوريس وعمرو، تاركا محبيه فى ذهول الأطفال، وحيرة السائرين فى الظلام..

وفى هذا الحوار فتح لنا سعيد الكفراوى خزينة أسراره، وحكى عن الناس الطيبين فى قريته الذين كتب عنهم إحدى عشرة مجموعة قصصية، وعن صداقته لـ دينيس جونسون ديفز مترجم أعمال نجيب محفوظ الذى حمل ترجمات الأدب العربى إلى العالمية، وكيف أن التقدم فى السن قيد يديه عن الكتابة؟

......................................

فى البداية سألته: هل تذكر أول قصة كتبتها، وفتحت لك طريق الشهرة والانتشار، ومن الذى نشرها، وأين؟

يعتدل سعيد الكفراوى ويأخذ نفسا عميقا ويتنهد، ثم يقول: يااااه، وكأنه كان بالأمس ياجدع، عندما خطوت أول خطواتى فى الكتابة وقابلت عمى يحيى حقى، وجئته فى عام 1964، لابسا جلابية، ودخلت عليه مثل عيل صغير يتعثر فى خطواته..

يتكلم سعيد الكفراوى بصوت متهدج، وكأنه يصور اللحظة التى رأى فيها يحيى حقى من أكثر من نصف قرن..

وقلت له: مساء الخير يا أستاذ يحيى

نظر لى: مساء الخير يا بنى، انت مين يابنى؟

أنا اسمى سعيد الكفراوى وجى من بعيد..

خير يا كفراوى، وعايز إيه يا كفراوى

أنا معايا قصة وعايز أنشرها فى مجلة المجلة

ليه يا كفراوى وهى نشرة سرية

لا يا أستاذ

انت بتعرف من اللى بيكتب فيها؟..

وعددت له كل كتابها: الشيخ شاكر، ولويس عوض، وإدوارد الخراط، وعبدالقادر القط....

تعالى يا كفراوى، وسحبنى من دراعى إلى بلكونة مجلة إبداع الحالية، حيث كانت تصدر مجلة المجلة، أمام دار المعارف، وقام بغلق البلكونة، وقال: اقرأ يا كفراوى..

وقرأتها له، قال لى اقرأ تانى ياكفراوى، وأنهيت قراءتها..

قال: سكرتير تحرير المجلة جالس خارج المكتب أعطه القصة، وكان اسمها «الموت فى البدارى» وآخر الشهر كانت منشورة، وكانت حدثا بين الجميع...

وتمر السنين، خمسة عشر عاما لم أر فيها الأستاذ يحيى حقى، وفى ليلة من الليالى أقابله فى المركز الثقافى الفرنسى هو وزوجته الفرنساوية..

وقلت له: إزيك يا أستاذ يحيى

وراح راجع للوراء ونظر لى قليلا وقال: كفراوى..

فاكر لما كنت تزورنى فى مجلة المجلة وانت بالجلابية؟

انحنيت على ايده أبوسها وأكتافه ورأسه، ومشى ثلاث خطوات للأمام ثم نظر للخلف وقال لى كانت أيام حلوة ياكفراوى..!!

وبانفعال يقول: هذا يحيى حقى الذى مشى فى جنازته عشرون شخصا فقط، ولم يحضر عزاءه سواى أنا ونجيب محفوظ وسليمان فياض وعشرة أشخاص آخرين.... ثقافة يوليو بقى، والزمن المتأخر....

ويضيف سعيد الكفراوى: مثل هؤلاء كانوا روادا نحتوا مسارات الكتابة ولم يكونوا نقادا فقط، كانوا يحرثون الأرض تمهيدا لإيجاد أرض جديدة للكتابة، مثلما فعل طه حسين فى الكاتب المصرى، ومنها عرفنا سارتر وكامو وكافكا.

كيف كان تأثير يوسف إدريس ونجيب محفوظ عليك، وهل حقيقة أن ظل يوسف إدريس حجب الشمس عن جيلكم كما يقول البعض، وكما يقول آخرون إنكم جيل بلا آباء؟

أنتمى لجيل الستينيات، وأرى أن هذا الجيل يمثل وثبة مضادة فى الثقافة المصرية،قطع بينه وبين الأجيال السابقة عليه، جيل انشغل بالواقع واهتم بأن يكتب نصا مصريا، واستطاع أن يحول هذا الواقع إلى فن، فهو لا يمت بصلة إلى الحقبة الليبرالية، ولكنه ابن الثورة التى ساندها وعاندها فى الوقت نفسه،أحب عبدالناصر وتمرد عليه، عرف الحرية وقاوم الاستبداد والتجاوز ولحقه القمع والاضطهاد، وتنبأ فى نصوصه بهزيمة 67 قبل وقوعها، وعندما تقرأ الكثير من النصوص التى لا أعددها لك تعرف أن ثمة خراباً سيقع، تعرف أن الأسوأ لم يأت بعد، وترى أن سحابا وركاما يتلبد فى الأفق أدى فى النهاية إلى الكارثة.

جيل الستينيات هو الذى كتب أدبا مصريا فى الشعر والقصة، محمد عفيفى مطر نسخة شديدة المصرية خرج من قلب القرى وطين القرى، ولعل ديوان «أوائل زيارات الدهشة» فيه من نثره وسيرته الذاتية لسن معين، ومنه نظرته للأمور وعلاقته بالتراث اليونانى والتراث العربى، وكيف تساهم الثقافة العريضة وتحتشد بشعر الشعب، وإذا كان أمل دنقل شاعراً قوالاً، سياراً على ألسنة الناس، فعفيفى مطر شاعر التأمل والمعرفة والبحث عن الجذور الحقيقية. هذا هو جيل الستينيات وإضافتهم الباقية، وأحسب منهم أيضا إدوار الخراط الذى كتب فى الأربعينيات ولكنى أعتبره واحدا من جيل الستينيات بالمشاركة والجهد والتبنى، فهو من راقبهم نقديا، وراقبهم فى السبعينيات بالكتابة عبر النوعية من خلال مجلة جاليرى والملفات التى كانت تخرجها، وإدوار لاتستطيع الثقافة المصرية بتاريخها أن تنسى له دوره المهم نقدياً وإبداعياً والإضافة شديدة الأهمية لجيلنا.

تنكرون أى تأثير ليوسف إدريس ونجيب محفوظ على جيلكم، فكيف يلتقى الإعجاب بالرواد مع إنكار التأثر بهم؟

أقول إن أدب ما بعد 67 كان هو أدب الثورة، والمدهش أنه كان أدبا معارضا للثورة، ومع ذلك لا أنسى قصة «بيت من لحم» ليوسف إدريس، قصة المكفوف الذى تزوج الست ولها ثلاث بنات عوانس أجسادهن تصرخ بالشهوة، ويناموا كلهم فى حجرة واحدة، المكفوف يتحسس الأيادى ويعرف زوجته من الدبلة، والست من إحساسها ببناتها، كانت كل ليلة تضع الدبلة فى اصبع بنت من البنات،وينام المكفوف معها، والكل عارف باللعبة، الأم والبنات يعرفن، والمكفوف يعرف أنهن البنات.. وصرخ يوسف إدريس بعد الهزيمة، كلنا كنا عارفين، وكلنا كنا متواطئين، كلنا كنا عارفين وسكتنا، وكشعب كنا نعلم أن هزيمة يونيو حزيران 67 سوف تقع،وهذا الاعتراف المر كالعلقم جاء من قلب كبد الهزيمة..

وكان هذا يوسف إدريس العظيم صاحب الموهبة الحوشية، وصاحب الاحساس العظيم الذى نبهنا لغنى الواقع المصرى، وثراء الشخصية المصرية، فتجد الأساطير وتجد الدهشة فى الواقع المصرى.

من الشخصيات التى جمعتك بها صداقة طويلة، المترجم البريطانى دينيس جونسون ديفز، الذى ترجم الكثير من العربية للأجنبية، وترجم معظم أعمال نجيب محفوظ، هل ترى أن هذا الرجل هو القنطرة التى عبر من فوقها الأدب العربى للعالمية؟

سنوات طويلة لم يكن هناك من يترجم لنا، كنا عرفنا طريقنا للأدب المترجم للعربية عن طريق بيروت فى البداية، لكن لم نقرأ أدبا مترجما من العربية للغات الأخرى، إلا من قصص مفردة تمت ترجمتها من القصص العربى وعلى استحياء شديد، وكانت حركةالترجمة بطيئة ولايهتم بها أحد، حتى جاء دينيس جونسون ديفز أواخر الثلاثينيات، ودينيس لم يحصل على تعليم كامل وعلم نفسه بنفسه، وجاء إلى مصر، وأحبها وقام بالتدريس فى جامعة فؤاد الأول.

وفى مصر تعرف على محمود تيمور فى أوائل الأربعينيات وترجم له مجموعة قصصية قبل أن يتعرف على نجيب بفترة طويلة، وترجم ليحيى حقى عددا من القصص، وكذلك ترجم لتوفيق الحكيم نص مسرحى وعددا من القصص..

ثم انتبه لنجيب محفوظ، وعرف أن الثقل هنا، ومن هنا فقط تستطيع أن تتعرف على مراحل تطور الواقع المصرى، من المرحلة الفرعونية للمرحلة الاجتماعية لمرحلة الثورة وبداياتها، حتى آخر مراحلة وهى المرحلة الصوفية فى أحلام فترة النقاهة «وأصداء السيرة الذاتية»، إلى أن تبنت الجامعة الأمريكية ترجمة كل أعمال نجيب محفوظ، وترجم دينيس العديد من الروايات، فكان الإسهام الأكبر لمعرفة الآخر لنجيب محفوظ، وكان التمهيد الحقيقى لاختيار نوبل لمحفوظ هو ما ترجمه دينيس جونسون ديفز من أعمال.

وعرف دينيس بسعيه ودأبه وعلاقته بجيل الستينيات، كنا أكثر من 36 كاتبا يكتبون القصة القصيرة إلا ثلاثة، صنع الله، وعبدالحكيم قاسم، ويوسف القعيد عندما كتب الحداد، وهؤلاء هم فقط من رأيناهم فى الستينيات يكتبون الرواية، فالرواية بنت السبعينيات، فهى شكل قادر على استيعاب المتغيرات التى حدثت منذ الانفتاح الاقتصادى حتى الآن، وبالتالى أطلق عليها أخونا جابر عصفور «زمن الرواية».

انشغل ديفز طول عمره بترجمة القصة القصيرة المصرية، أضاف إليها قصصا من الإمارات والكويت لطالب الرفاعى وغيره، وقصصا من المغرب لمحمد زفزاف ومحمد براده وأخرين، وكان يترجم ولايجد ناشرا، سنوات طويلة ولا أحد يهتم بانتاجه وترجماته، فقط كانت هناك دار نشر اسمها «دابل داى» تنشر له بلا مقابل، وتقول له الكتب لا تباع وتذهب للمخازن، فلا أحد يقرأ الأدب العربى، إلى أن تبنت الجامعة الأمريكية ترجمة كل أعمال نجيب محفوظ، وترجم دينيس العديد من الروايات كانت المساهمة الأكبر لمعرفة الآخر لنجيب محفوظ، وكانت التمهيد الحقيقى لاختيار نوبل لمحفوظ هو ما ترجمه دينيس جونسون ديفز من أعمال.

ويعرض لنا سعيد الكفراوى كتابا وثائقيا صدر عن دينيس به شهادات عن دور وقيمة هذا الرجل فى نقله الأدب العربى للغات الأخرى، ويحمل وثائق وشهادات المثقفين عن الثقافة العربية والمصرية، وكتب نجيب محفوظ مقدمة لهذه الشهادات اعترافا بفضل دينيس على الأدب العربى.

ويقول سعيد الكفراوي: وكتاب دينيس ديفز وثيقة لتعريف الآخر بالأدب المصرى، من خلال صور دينيس مع توفيق الحكيم وعم نجيب، والسورى عبدالسلام العجيلى، ومحمد براده، وإبراهيم صمويل، والطيب صالح، وسعيد الكفراوى والبساطى وعبده جبير، وسلوى بكر، ومحمد المخزنجى، ومحمد المر، وحنان الشيخ، وإدوارد الخراط، وفريد أبوسعدة، وسيد محمود، ومحمود درويش، والمصرى الإماراتى عزالدين إبراهيم الذى شارك دينيس فى ترجمة القرآن، وكرمته الإمارات بشخصية العام بجائزة أدبية قيمتها مليون درهم.

هل أنت راض عما كتبه سعيد الكفراوى خلال رحلته فى الحياة التى تقترب من ستين عاما؟

للإجابة عن هذا السؤال أستطيع أن أقول: نعم أنا راض، ولكن لا يوجد فنان مهما كتب كان راضيا عما كتب أو أنتج من فن، فالفنان فى حالة سعى دائم للكتابة الجديدة، والكتابة فى الأول والآخر مثل جرح، ولكنه جرح لاينسى، فى رواية «الجرح» لأورنو التى ترجمها الدكتور سيد البحراوى وراوية راشد، أنت طول الوقت تسعى لإضافة شىء جديد للنص القصصى الموجود فى الذاكرة الإنسانية، فالرضا من عدمه مرهون بتوافق إبداعك وبما تقدمه من نص يعبر عن تجربتك.

فى قصصك تتكرر بعض الشخصيات، وتسير معك من قصة لقصة، هل تلك اللعبة مقصودة فنيا بمعنى أن كل القصص متصلة، أم أنها تعبر عن جزء من سيرتك الذاتية فى تلك القصص؟

فى حكاياتى كثير من القصص تتغير وتتكرر، وتتكرر معها شخصيات مثل الولد، وهو غلام واحد استولى على أعمالى فى 40 قصة، وقهرنى، ويدعى عبدالمولى، وكأنه أنا الشاهد على الأفراح والموت والختان والثأر، وضربة البلطة تشق الرأس.

واستطعت من خلال هذا الغلام أن أوجد عالما يخص الكاتب واشتهرت به، وتستطيع دون أن تقرأ عنوان قصة ما، فتفهم أن هذا شغل الكفراوى، وهذا أعلى ما يصل إليه حلم الفنان، مثلما تزيح اسم مستجاب من القصة، فتجد اسم مستجاب متربعا فى الصعيد.

كتابتك بها الكثير من التكثيف والغموض أحيانا، ولكن ما أراه أن لغتك تشبه نثر عفيفى مطر ولغته الشعرية؟

هذا بالفعل صحيح، عفيفى مطر تعرفت به فى الستينيات قبل أن آتى إلى القاهرة، حيث كان يعمل مدرسا فى كفرالشيخ وأسس مجلة سنابل التى كان لها أثر كبير فى الوسط الثقافى، واقتربنا من بعض بسبب حبنا للقرية وللبشر فى القرية لجهلهم وفقرهم ومعاناتهم، ومحاولة الكتابة بطريقة تخصنا، والحفاوة بما يكتبه من شعر، والحفاوة بما أكتبه من قصص، وكنا ندافع عن بعض ونحمى ضهر بعض، وكنا أحيانا لا نفترق لأيام طويلة حيث كنا نقيم معاً فى شقة واحدة، كل هذا شكل تجربتنا.

وفى ذات مرة تخلف عنا عفيفى مطر وغاب عنا أياما، وذلك كان بعد حرب عاصفة الخليج فى الثانى من مارس 1991، وخرجت أنا وصديقته الدكتورة فريال غزول نبحث عنه، أحد الأصدقاء قال لى عفيفى فى سجن طرة.

وذهبت له فى طرة، وعلى باب السجن أخرجت الكارنيه وأخذوه للمأمور الذى ظن أننى موفد من اتحاد الكتاب فأمر بإدخالى فورا.. وأنا على الباب قال لى أنت عايز الواد البعثى؟

فقلت له ولد بعثى مين؟

فقال المأمور: الولد مطر بتاعكم ده!!

وقال مأمور السجن للعسكرى السجان، هات له الولد بتاع البعث. وجاء عفيفى بجلباب بلدى و«تلفيحة»، وجبهته مشقوقة بالعرض، والجرح مازال أخضر وينز دماً.. وقال المأمور بصيغة تشبه التحدى: عفيفى أهه، شوفته، وخرج ليتركنا معا.. ولم أتكلم أنا، ولم يتكلم عفيفى..

وبعد ما خرج قال عفيفى، أنا فكرت انهم اعتقلوك..

وبعد أيام خرج عفيفى نتيجة الحملة التى قادها المثقفون لما عرفوا باعتقاله، وتعددت الكتابات والأسئلة عنه، والأستاذ هيكل قابل أسامة الباز، وقال له، اعتقلتم عفيفى ليه يا أسامة؟ وصدر عدد من «الناقد» خاص به، وحررت الحياة ملفا كاملا عن عفيفى مطر، والدنيا انقلبت عن اعتقاله، واكتشف المسئولون حجم عفيفى وأفرجوا عنه.

وفى السجن وبعد الإفراج كتب عفيفى ديوانه أو قصيدته الطويلة «احتفاليات المومياء المتوحشة» القصيدة الحزينة التى بقيت بداخله حتى مات بها،لإحساسه بالإهانة، حتى أنه كان كثيرا ما كان يصحو بالليل وهو يصرخ حتى مات..!!

لكن لم تذكر شيئا عن علاقتك بعفيفى مطر عندما نشر لك قصة «المهرة» فى مجلة سنابل،هل كان هذا أول لقاءاتكم، ثم ذهبت أنت للمعتقل، وفى آخر حياته اعتقل هو أيضا؟ ثم ماهى العلاقة بينك وبين رواية الكرنك لنجيب محفوظ؟

أتذكر أنه بعد الافراج عنى فى الستينيات فوجئت بالأستاذ نجيب محفوظ فى أول لقاء لى به يوم الجمعة يقول لى: قوم ياكفراوى، وجلسنا فى ركن بعيد عن الناس، ونظر فى عينى، وقال لى: عملوا فيك إيه؟، احكى لى الحكاية من أولها.

وحكيت له من أول ما تم القبض على، حتى خروجى من المعتقل، حكيت له ما جرى للشباب، وللكتاب أصحاب الرأى، وكيف نكلوا بالإخوان وعذبوا الشيوعيين؟

ومرت عدة شهور وصدرت رواية الكرنك، وفى لقاء الجمعة المعتاد، جاءنى الأستاذ نجيب محفوظ ووضع يده على كتفى وقال لى يا كفراوى: أنت فى الرواية إسماعيل الشيخ..!!

والحكاية باختصار: أننى كنت مازلت فى المحلة وأذهب لعفيفى مطر فى كفرالشيخ، وأذهب لأصدقائى فى القاهرة، وكان لى خال متهم فى تنظيم إخوانى عام 65 مع سيد قطب جماعة الغربية والدقهلية، وحضرت المحاكمة، وكتبت قصة «المهرة» أخ كبير يمتلك مهرة وكل يوم يمرح بها فى البلد، عامله له قيمة بلا حد، وله أخ نفسه وأمنيته ركوب المهرة، وأخوه يرفض، ويطلب منه أن يفعل فيه ما يشاء ويتركه يركبها ولو ليوم واحد، ويسافر الأخ الكبير، ويركب الولد الصغير المهرة ويحقق حلمه، ويمرح فى البلد، ويرجع الأخ من سفره، ويفاجأ بأخيه يمتطى المهرة، فجلده بالكرباج، أمن الدولة فسر القصة بالرموز على أن المهرة هى مصر، والأخ الكبير جمال عبدالناصر، والأخ الصغير هو الشعب المجلود بالكرباج من عبدالناصر، وهاتوا سعيد الكفراوى، وأخذونى من المحلة على القلعة أعتى معتقل فى تاريخ مصر، زنازين انفرادى، تخرج منها على السجن العمومى. وكانت القلعة فى هذا الوقت من منتصف ستينيات القرن الماضى تقف وحدها فى الصحراء بعيدا عن وسط القاهرة وشبه معزولة عن العالم، وتسمع شخصاً يصرخ، وتكتشف بعد حين أنك أنت الذى تصرخ، وتصغى السمع مع بزوغ الفجر ناحية مسجد السلطان حسن، وتسمع صوت أنسى يأتى من بعيد: يا واد يا إبراهيم: النهار جه، فتحس مع هذا الصوت بونس لا حد له، وفى نفس الزنزانة الضيقة، على شمالك إخوان وعلى يمينك شيوعيون، وتسمع أصواتا تشق الليل بصراخها، وجماعة عمر عبدالرحمن.. وفى الصباح يأتينى اثنان يحققان معى ويستجوبانى كونى من الإخوان المسلمين لأن خالى السيد المرسى، أحد قادة الإخوان بالغربية، وأقول لهما وأنا مالى بالإخوان، هؤلاء ناس متخلفون وضد الدين وضد كل حاجة، وفى الليل يأتينى اثنان واحد يحمل ملفا والثانى خرزانة ويحققان معى على أنى شيوعى.. وأنا أقول لهم يا ناس أنا لا أثق فى الإخوان، ولا صلة لى بالشيوعيين، أنا فلاح أكتب ولى عملى فى بنك التسليف، ولا أعرف إخوان ولا شيوعيين

وفى الآخر قالوا لى، انت جنس أهلك إيه.؟ وأطلقوا سراحى!!.

 

 

 

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق