رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

الإسلام فى أوروبا

فى مقال الأسبوع الماضى وقفنا أمام السؤال الذى طرحه المستشرق الفرنسى جاك بيرك فى آخر مقالة نشرت له وهى : أى إسلام ؟ وفى هذه المقالة نواصل الوقوف أمام هذا السؤال الملح الذى يجب أن نفهمه لنجيب عليه . ونحن نعلم علم اليقين أن الإسلام واحد من حيث هو أصول وأركان ومثل عليا يؤمن بها المسلم ويلتزمها فى فكره وعمله . لكننا نعلم أيضا علم اليقين أن هذه الأصول وهذه الأركان والمثل جاءت بها نصوص وجسدتها أعمال علينا أن نفهمها ونتمثلها لكى نطبقها ونعمل بها ، وهنا يختلف فهم عن فهم وفقه عن فقه ومنطق عن منطق ، لأن العقول تتفاوت والبيئات تختلف والحياة تتطور ويجد فيها ما يفرض علينا أن نعرف موقفنا منه ومكانه فى حياتنا كمسلمين . ومن هنا تتعدد المذاهب ويتطور الخطاب الدينى ويتجدد ، وإلا فكيف يمكن للدين أن يؤدى دوره فى إيقاظ الضمير وإنارة الفكر وتصويب العمل إذا انفصل عن الواقع وأصبح مجرد كلمات تلفظ دون فهم وحركات تؤدى دون تمثل ودون انفعال؟ ولا أتصور أحدا ينكر أن عالم اليوم يختلف فى كل شيء عن العالم الذى عاش فيه أئمة المسلمين وفقهاؤهم قبل ألف عام . فإذا كان فقهاء العراق قد خالفوا فقهاء الحجاز مع أنهم عاشوا جميعا فى عصر واحد وتتلمذ بعضهم على بعض ألا يكون من حقنا فى هذا العصر الذى نعيش فيه مع الأوروبيين والأمريكيين والآسيويين والأفارقة أن نطالب بخطاب دينى جديد يجيب على الأسئلة التى لم تطرح من قبل ، لأنها أسئلة واقع لم يكن له وجود قبل ألف ومائتى عام ؟ وألا يكون من حق جاك بيرك أن يطرح السؤال وينتظر الجواب ؟ قبل ألف ومائتى عام لم يكن البشر قد عرفوا ما عرفوه فى هذه القرون الخمسة التى مضت لا فى العلم، ولا فى السياسة، ولا فى الاقتصاد، ولا فى الاجتماع .

لم تكن الأرض تدور حول الشمس كما أثبت لنا جاليليو وكوبرنيك ، وإنما كانت الشمس هى التى تدور حول الأرض كما كنا نراها. ولم نكن نعرف أن فى الأرض قارة اسمها أمريكا ولم يكن فى السياسة نظام اسمه الديمقراطية. ولم يكن من حق المرأة أن تتعلم وتشارك الرجل فى العمل وتتولى الوزارة والإمارة . ولم تكن الحرية قد أصبحت حقا لكل البشر. ولم تكن السلطة السياسية منفصلة عن السلطة الدينية . ولم يكن الإسلام قد أصبح الديانة الثانية للفرنسيين. أما وقد تطورت الحياة الإنسانية على هذا النحو الذى نراه الآن فمن حقنا بالطبع أن نطالب بتجديد الخطاب الدينى ، ومن حق جاك بيرك أن يسألنا : أى إسلام ؟ وأنا أنسب السؤال لبيرك لأن بيرك فرنسي، والسؤل مطروح بشدة فى فرنسا هذه الأيام. يطرحه الفرنسيون من أبناء البلد الأصليين، ويطرحه الفرنسيون من ذوى الأصول المغربية والإفريقية . وفى آخر شهر أكتوبر الماضى نشرت صحيفة لوموند الفرنسية بيانا وقعه عشرة من هؤلاء الفرنسيين المسلمين حول الجرائم المروعة التى ارتكبها بعض المسلمين ردا على الرسم البذيء الذى نشرته صحيفة شارل إبدو وأساءت فيه لنبينا الكريم صلى الله عليه وسلم وما تلى ذلك من ردود فعل فى فرنسا وفى العالم الإسلامى منها هذا البيان الذى تحدث فيه الموقعون عليه بوصفهم فرنسيين مسلمين ينتمون لفرنسا ويدافعون عنها كما ينتمون للإسلام ويدافعون عنه. إنهم يرون مع غيرهم من المسلمين أن الرسم الذى نشرته الصحيفة الفرنسية سوقى وصادم. لكن القانون الفرنسى الذى يحمى حرية الصحافة ولايمنع أحدا من التعبير عن رأيه مهما يكن سلبيا ولو فى الدين يحمى حرية الجميع ، صاحب الرأى السلبى ، وصاحب الرأى الإيجابى مادام ذلك فى الحدود التى يرسمها القانون فإن تجاوز الحد فباستطاعة المتضرر أن يلجأ إلى القضاء . وهكذا تختلف الآراء وتتعدد الديانات. والمسلم الفرنسى يستطيع أن يكون مخلصا للاسلام ولفرنسا. وليس فى هذا أى تناقض كما يرى أصحاب البيان أو كما يفهم من كلامهم لأن الإسلام دين يخاطب العقل، ويساوى بين البشر، ويسلم بحق كل انسان فى التعبير عن رأيه واختيار دينه. ولأن فرنسا كما نص على ذلك دستورها جمهورية ديمقراطية علمانية تفصل بين الدين والدولة. فالدين علاقة بين الانسان وربه، أما الدولة فتضم الجميع ولا تميز بين جنس وجنس أو بين دين ودين. وعلى هذا الأساس يشعر المسلم الفرنسى بأنه فى وطنه وليس مجرد طارئ غريب . والمشكلة تنشأ حين يتصرف بعض المسلمين وكأنهم جماعة أجنبية مغلقة على نفسها تعيش خارج نطاق الجماعة الوطنية الفرنسية وتستخدم المجال الوطنى العام استخداما طائفيا خاصا وتتحدى بذلك قوانين الدولة وتستفز بهذا السلوك غيرها مما يؤدى للصدام ويستثير النزعات العدوانية.

ومن المؤكد أن فى فرنسا جماعات عنصرية متطرفة، لكن التعميم خطأ. والذين يتهمون الفرنسيين كلهم بالعنصرية لا يختلفون عن الذين يتهمون المسلمين كلهم بالإرهاب. والمسلمون الذين يدعون لمقاطعة فرنسا يظلمونها ويشجعون المتطرفين الفرنسيين ويزودونهم يما يبررون به كراهيتهم للمسلمين الذين يحتاجون الآن لفكر دينى جديد يتأسس على الإيمان بأخوة البشر ووحدة الحضارة الإنسانية. يريد أصحاب البيان وهم فلاسفة وكتاب وفنانون وأئمة مساجد ورؤساء جمعيات - يريدون أن يقولوا إنهم يعيشون فى فرنسا ويتمتعون بكل الحقوق التى يتمتع بها غيرهم من الفرنسيين رغم أنهم من ناحية الدين أقلية ومن ناحية الأصل مغاربة وأفارقة. ولو أن الدولة الفرنسية تخلط بين الدين والدولة كما كانت حالها فيما سبق لشعرت الأقليات الدينية فيها بوجود فاصل أو على الأقل مسافة بينها وبين الأغلبية. ومعنى هذا أن العلمانية الأوروبية شرط يتيح للمسلمين الأوروبيين أن يتوطنوا ويتيح للإسلام أن يخاطب غير المسلمين ويتوطن فى أوروبا ويصبح عنصرا من عناصر وجودها ومصدرا من مصادر ثقافتها فى هذا العصر الذى تشابكت فيه العلاقات وتواصلت الثقافات وأصبح العالم قرية كونية يحتاج فيها الجميع للجميع . والبيان بعبارة مختصرة يتحدث عن إسلام يستطيع أن يزدهر فى أوروبا وينتشر فيها كما تستطيع أوروبا أن تغتنى به وتزدهر وتجد لنفسها مكانا أرحب فى بلاد المسلمين ومستقبلا أفضل يحل فيه السلام والأخوة والعقل محل العنف والعداوة والجنون . هذا المستقبل يمكن أن يكون جوابا على السؤال الذى طرحه جاك بيرك : أى إسلام ؟


لمزيد من مقالات ◀ بقلم ـ أحمد عبدالمعطى حجازى

رابط دائم: