رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

مراجعات بشأن أمريكا

كثير من المسلمات والمقولات السائدة بين النخبة المصرية بشأن الولايات المتحدة الأمريكية وعملية صنع القرار فيها تفتقر للدقة وتحتاج إلى مراجعة، خاصة ونحن نستعد للتعامل مع إدارة جديدة في البيت الأبيض في 20 يناير المقبل.

إحدى هذه المقولات السائدة هي أن الولايات المتحدة دولة مؤسسات، وبالتالى فإن انتخاب رئيس جديد سواء ديمقراطيا أو جمهوريا لن يغير في الأمر شيئاً، لأن المؤسسات هي التي تدير البلاد، وتضفى عنصراً من الاستمرارية في التوجهات بغض النظر عمن يسكن في البيت الأبيض.

هذه المقولة تفتقد الدقة لأنها لا تميز بين المؤسسات خاصة في مجال صنع السياسية الخارجية، فالتعريف التقليدي للمؤسسات هو أنها تتضمن السلطات الثلاث، التنفيذية والتشريعية والقضائية، وإذا استبعدنا دور المؤسسات القضائية لأنها خارج سياق صنع القرار، وأدركنا أن دور المؤسسة التشريعية في عملية صنع السياسة الخارجية يتمثل في وضع قيود على سلطات الرئيس أكثر منه صنع القرار أو إدارة السياسة الخارجية، تتبقى إذن السلطة التنفيذية على المستوى الفيدرالي والمتمثلة في الوزارات المختلفة، وهى وفقا للدستور تحت سيطرة الرئيس بحكم أنه الشخص المنتخب مباشرة من الشعب الأمريكي لقيادة المؤسسات التنفيذية، وهو الحاصل على تفويض شعبى لإدارتها وفقاً لأجندته أو برنامجه الانتخابى.

فعلى سبيل المثال، يتيح القانون للرئيس الأمريكي تعيين ما يقرب من أربعة آلاف شخص في المؤسسات التنفيذية المختلفة لإدارة وتوجيه هذه المؤسسات، ويطلق عليهم اسم التعيينات السياسية، وهؤلاء يختلفون عن الموظفين البيروقراطيين الذين يحترفون العمل في هذه المؤسسات لسنوات طويلة، فالمعينون سياسياً تقتصر مدة خدمتهم على الفترة التي يمكث فيها الرئيس في البيت الأبيض. وهؤلاء المعينون سياسياً يشملون فئات مثل الوزراء، والذين يطلق عليهم سكرتارية، لأنهم من الناحية الواقعية مجرد سكرتارية تخدم الرئيس، وهو الذى يرشحهم لتولى مناصبهم ويستطيع أن يعزلهم في أي وقت بجرة قلم أو بتغريدة كما كان يفعل الرئيس الحالي ترامب، ويضاف لفئة الوزراء مئات الموظفين الكبار والصغار الذين يتحكمون في مفاصل الوزارات والمؤسسات التنفيذية، ويديرونها وفقاً لأفكار وتوجيهات الرئيس، في إطار قيادة السياسيين للبيروقراطيين.

وبالتأكيد، فإن الولايات المتحدة بها مؤسسات قوية، ولكن القوة هنا تعنى أنها تملك الإمكانات والكوادر التي تتيح لها تقديم نصائح جيدة للرئيس. ولكن للرئيس وحده سلطة اتخاذ القرار، وله أن يتبنى هذه النصائح ويحولها إلى قرارات تنفيذية، أو يتجاهلها، أو يهمش دور المؤسسات ويعتمد على رؤيته الخاصة، أو يقبل فقط نصيحة المجموعة المحدودة من المستشارين التي تحيط به في البيت الأبيض، كما يفعل الرئيس ترامب. باختصار الرئيس الأمريكي هو الذى يقود ويوجه المؤسسات وليس العكس.

المقولة السائدة الثانية، التي تحتاج مراجعة هي أن الولايات المتحدة تدير سياستها وفقاً لمصالح دائمة وثابتة لا تتغير بتغيير الرئيس المنتخب، وفى هذا الإطار عادة ما يستخدم البعض عبارة أن في العلاقات الدولية هناك مصالح دائمة ولكن أصدقاء متغيرون. والواقع أن هذه الفكرة تحتاج مراجعة لأن المصالح تتغير بتغير الزمن، على سبيل المثال هناك مناطق تقل أهميتها نتيجة لأن المصالح بها أصبحت أقل أهمية، وينطبق ذلك بشكل أساسى على الشرق الأوسط، حيث شهدنا في السنوات الأخيرة، وربما منذ إدارة الرئيس السابق أوباما، التحول في الاهتمام من منطقة الشرق الأوسط إلى آسيا، وهو ما يعرف بالتحول إلى آسيا، إما لأن أهمية بترول الشرق الأوسط انخفضت بالنسبة للولايات المتحدة بعد أن اقتربت من تحقيق الاكتفاء الذاتى في الطاقة، أو توسعت في استخدم البدائل الجديدة للطاقة، وهى أولوية بالنسبة لإدارة بايدن، أو لأن الفرص والمخاطر في آسيا أصبحت أكبر نتيجة لاتساع الاسواق الآسيوية التي تمثل فرصا كبيرة لتصدير المنتجات الأمريكية لها، أو للصعود الصينى الذى يمثل خطراً على المصالح الأمريكية بالقارة الآسيوية.. إذن المصالح تتغير وتقل أو تزيد أهميتها بالنسبة لمنطقة ما أو دولة معينة بتغير الزمن.

يضاف لذلك أن الرئيس هو الذى يتولى ترتيب أولوية المصالح، بمعنى هل يركز على المصالح التجارية، أم الأمنية والعسكرية، أما تلك المتعلقة بالقيم السياسية في علاقات الولايات المتحدة بدول ومناطق العالم، وقد شهدنا في السنوات السابقة كيف تغير ترتيب هذه الأولويات بتغيير الرئيس.

والأمر الثالث هو ان المصالح الأمريكية كثيراً ما يتم التعبير عنها لفظياً بمفاهيم عامة ومجردة، وكثيرا ما يقوم الرئيس بتفسير هذه المفاهيم وفقاً لرؤيته، على سبيل المثال قد يتحدث البعض عن أن أحد مصالح الولايات المتحدة هو تحقيق الاستقرار في دول معينة، ولكن الرئيس هو الذى يحدد كيفية تحقيق هذا الاستقرار من الناحية العملية، فقد نجد رئيسا يرى تحقيق الاستقرار من خلال دعم حكومة قوية ومسيطرة على الأمور، في حين يرى رئيس آخر أن تحقيق الاستقرار يكون بإدخال مفهوم القيم السياسية في التعامل مع هذه الدولة، وهو توجه يختلف تماماً عن التوجه الأول. وقد شهدنا أمثلة لهذه التفسيرات المتضاربة في التعامل مع دول منطقة الشرق الأوسط من رؤساء أمريكيين مختلفين كل وفقا لتفسيره للمصالح الأمريكية.

باختصار.. الرئيس الأمريكي له مساحة كبيرة للحركة في مجال السياسة الخارجية ولا تمثل المؤسسات أو المفاهيم التقليدية للمصالح قيداً كبيراً على حركته، لو أراد التحرك، حيث انه هو الذى يقود المؤسسات ويحدد توجهاتها، كما أن له سلطة تفسير مضمون المصالح الأمريكية وإعادة ترتيب أولوياتها.


لمزيد من مقالات ◀ د. محمد كمال

رابط دائم: