رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

حديث الجمعة
الأمور ومقاصدها

قاعدة الأمور بمقاصدها واحدة من القواعد الفقهية التى يرجع إليها كثير من مسائل الفقه، إذ تتسع مجالاتها لتشمل العبادات، والمعاملات، والجنايات، والضمانات, والأمانات، والحوالة, والوكالة، والنكاح وما يتعلق به، وجل أبواب الفقه ومسائله.

وتنبنى هذه القاعدة على فهم فقه النص، ومغزاه، ومرماه، وعدم التحجر عند ظاهره دون فهم مقاصده وأبعاده وحكمه ومراميه .

فقد أكد العلماء والفقهاء والأصوليون أهمية فهم المقاصد العامة للتشريع، فهى الميزان الدقيق الذى تنضبط به الفتوى والحكم على مستجدات ومتغيرات الأزمنة والأمكنة والأحوال.

ومن النماذج الشديدة الوضوح لفهم الصحابة الكرام رضوان الله عليهم مقاصد النصوص وإدراكهم أهمية ذلك، وانطلاقهم منه، وتصرفهم فى إطاره، تعاملهم (رضوان الله عليهم) مع سهم المؤلفة قلوبهم، حيث جعل القرآن الكريم سهمًا للمؤلفة قلوبهم فى قوله تعالي: «إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِى الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِى سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ» (التوبة: 60), وأعطاهم رسول الله (صلى الله عليه وسلم) سهمهم فيها حين كانت المصلحة تقتضى إعطاءهم وتألفهم، فلما جاءت خلافة أبى بكر (رضى الله عنه) وتغير واقع المسلمين جاء بعض المؤلفة قلوبهم إلى سيدنا أبى بكر (رضى الله عنه) فأمر لهم بعطاء وكَتَبَ بذلك كِتَابًا ، فَلما أتوا سيدنا عُمَرَ (رضى الله عنه) ليشهد على الكِتَابِ رفض ذلك، وَقَالَ: هَذَا شَيْءٌ كَانَ يُعْطِيهم إياه رَسُولُ الله (صلى الله عليه وسلم) تَأْلِيفًا لَهُمْ، فَأَمَّا الْيَوْمَ فَقَدْ أَعَزَّ اللهُ الْإِسْلَامَ وَأُغْنِيَ عَنْهُمْ، فلا حاجة لنا فى إعطائهم، فَوَافَقَهُ على ذلك الخليفة أبو بكر (رضى الله عنه)، وَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ أَحَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ.

فقد فهم الصحابة (رضوان الله عليهم) مقصد النص ومرماه، وأن إعطاء المؤلفة قلوبهم مرتبط بمدى الحاجة إلى تألفهم، فإذا اقتضت المصلحة إعطاءهم أُعطوا، وإن زالت الحاجة إلى إعطائهم فقد زالت العلة فى هذا الإعطاء، والحكم يدور مع العلة وجودًا وعدمًا. فالنص المقدس ـ قرآنا كان أو سنة صحيحة ثابتة ـ لا طاقة لأحد بتعطيله أو المساس به، ولا يوجد مسلم عاقل على ظهر البسيطة يقول بتعطيل النص، إنما الأمر يتعلق بفهم النص مقصدًا ومناط تطبيق، فيطبق فيما ينطبق عليه، ولا يحمل قسرًا على غير مناط تطبيقه.

وقد فرع الفقهاء عن هذه القاعدة قواعد فرعية من أهمها: أن العبرة فى العقود بالمقاصد والمعاني، لا بالألفاظ والمباني، كالبيع والشراء فإنهما ينعقدان بأى لفظ يدل على المبادلة بين الطرفين، كما لو قال له فى البيع أعطنى هذا بخمسين درهمًا أو دينارًا أو جنيهًا أو نحوه، فإنه ينعقد بيعًا لا عطية.وكذلك الأمر فى الحوالة والكفالة، كمن قال لشخص: قد أحلتك بالدين المطلوب منى على فلان على أن تبقى ذمتى مشغولة بالدين حتى يدفع المحال عليه لك دينك، فقبل صاحب الدين والمحال عليه، فإنه ينعقد عقد كفالة لا عقد حوالة، لأنه وإن كانت الألفاظ حوالة فإن المقاصد والمعانى هى التى جعلت منه عقد كفالة لا حوالة.وهو ما يؤكد أهمية دراسة المقاصد القرآنية ومقاصد السنة النبوية، وعدم الجمود عند ظواهر النصوص.


لمزيد من مقالات د. محمد مختار جمعة وزير الأوقاف

رابط دائم: