رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

معجزة إلهية
مفهوم تنظيم النسل ومشروعيته

ذكرنا فى المقال السابق أن الإنجاب مطلب ضرورى لاستمرار وجود بنى الإنسان على وجه المعمورة، لكن لا بد من مراعاة المعيار الشرعى للإنجاب الذى يتجلى فى وجود أجيال قوية صالحة؛ امتثالًا لقول رَسُول اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وَفِى كُلٍّ خَيْرٌ»(صحيح مسلم).

فهذا الحديث الشريف يرشد النبى صلى الله عليه وسلم من خلاله إلى ضرورة الحرص على وجود أجيال قوية، ويؤكد مشروعية اتخاذ التدابير والاحتياطات التى تضمن خروج النسل سليمًا معافيً صحيح النفس والبدن، ولا يخفى أن من هذه التدابير ما عرف قديمًا بـ «العزل»، وأطلق عليه فى العصر الحاضر «تنظيم الأسرة» أو «تنظيم النسل».

وهى ألفاظ مترادفة تدور معانيها حول وضع إطار معين من أجل ضبط عملية الإنجاب والتناسل بين كل زوجين، ويتحقق ذلك في: تنظيم الإنسان مسألة الإنجاب من خلال تباعد فترات الحمل أو إيقافه لمدة محددة يتفق الزوجان عليها فيما بينهما؛ بغرض توفير مناخ صحى سواء من الناحية الاقتصادية أو التربوية أو الاجتماعية من طرفى الأسرة لرعاية أبنائهما رعاية متكاملة دون مشقة أو حرج أو احتياج غير كريم.

إن محاولات تنظيم النسل أو تقليل أعداد المواليد أمر معروف متوارث منذ قرون، فقد عرفه المسلمون الأوائل، الذين انحصرت وسائلهم فى تحقيق ذلك غالبًا فى طريقة واحدة، وهى تتحقق بإبعاد نطفة الزوج عن رحم زوجته فى العلاقة الزوجية الخاصة بقصد عدم حصول أسباب الحمل بصورة مبكرة من خلال منع التقاء ماء الزوج ببويضة الزوجة.

وقد ورد عن الصحابة رضى الله عنهم استخدام هذه الطريقة فى عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، ولم ينه عنه؛ فعن جابر بن عبد الله رضى الله عنهما قال: «كُنَّا نَعْزِلُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَبَلَغَ ذَلِكَ نَبِيَّ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمْ يَنْهَنَا» (متفقٌ عليه).

كما ورد إرشاد النبى صلى الله عليه وسلم بعض الصحابة إلى استعمال هذه الوسيلة من باب الأخذ بالأسباب باعتبارها من وسائل منع الحمل؛ فقد ورد عن جابر رضى الله عنه: أَنَّ رَجُلًا أَتَى رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: إِنَّ لِى جَارِيَةً، هِيَ خَادِمُنَا وَسَانِيَتُنَا، وَأَنَا أَطُوفُ عَلَيْهَا، وَأَنَا أَكْرَهُ أَنْ تَحْمِلَ، فَقَالَ: »اعْزِلْ عَنْهَا إِنْ شِئْتَ، فَإِنَّهُ سَيَأْتِيهَا مَا قُدِّرَ لَهَا«(صحيح مسلم).

فهذه النصوص الشرعيَّة واضحة فى الدلالة على مشروعية تنظيم الأسرة، وقد كانوا يفعلون ذلك من باب رفع الحرج بسبب كثرة الأولاد وطلب الراحة لأنفسهم من الاحتياج إلى الكسب والعمل الزائد لتوفير النفقات التى قد تفوق استطاعتهم.

كما أنها تحمل معانى سامية تقرر أن تنظيم النسل ما هو إلا طريقة من مباشرة الأسباب التى أمرنا الله تعالى بمباشرتها لتنظيم أمور معاشنا وشئون حياتنا، مع عقيدة المسلم المطلقة بأن ما قدره الله وقضاه لا بد أن يكون، وفى نفس الوقت لا بد أن ننتبه إلى أن ما قدره الله وقضاه من الغيب لا نعلمه ولا نعرفه؛ حيث يقول الله تعالي: (اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ)[الرعد: 8].

وبذلك لا يخفى أن تنظيم النسل بوسائله المختلفة أمر لا تأباه نصوص الإسلام وقواعده، فهى تقتضى تنشئة سليمة يراعى فيها الكيف أكثر من الكم، خاصة فى ظل الظروف والتحديات الراهنة التى تؤدى وبصورة مباشرة إلى زيادة الأعباء على الأبوين، وعلى المجتمع، وعلى الدولة، فكلما زاد عدد التناسل قلت الرعاية والعناية التى ينبغى للطفل أن يتلقاهما عبر مراحل نموه وتعليمه وتربيته، فضلا عن تفاقم المشكلات والتحديات من الناحية الاقتصادية وقلة الخدمات وانتشار الجهل والأمية والهجرة غير الشرعيَّة التى تضر بالمجتمعات والدول ضررا بالغا.


لمزيد من مقالات د. شوقى علام مفتى الجمهورية

رابط دائم: