رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

تشابك المصالح يُعطِّل تشكيل الحكومة اللبنانية

لا يزال تشكيل الحكومة اللبنانية مُعلَّقاً بعد أكثر من ثلاثة أشهر من استقالة حكومة حسّان دياب. وإذ يجد سعد الحريرى -المُكلَّف بتشكيل الحكومة- نفسه محاصراً بمطالب متعددة من مختلف القوى السياسية لتكوين حكومة تقشفية من 18 وزيراً، يتمسك المجتمع الدولى بشرط تكوين حكومة تكنوقراط إصلاحية قبل أن يتلقى لبنان، الذى احتفل فى 22 نوفمبر الجارى بالذكرى الـ77 لاستقلاله، مساعدات دولية تزيد من قدرته على تجاوز أزمته الاقتصادية والمالية.

لكن الحقيقة أن جوهر الأزمة فى لبنان متعدد الوجوه، بسبب تناقص الاحتياطى الدولارى، ودخول البلاد جولة جديدة من الإغلاق فى مختلف القطاعات تحسباً لانتشار فيروس كورونا، فضلاً عن استمرار القوى السياسية فى التشدد فيما بينها رفضاً لتخفيض حصصها الوزارية تماشياً مع إجراءات التقشف. بينما لا تزال آثار انفجار المرفأ فى أغسطس الماضى ماثلة للعيان.

ورغم الاهتمام الدولى الكبير والتدافع لتقديم المساعدات الإغاثية العاجلة بُعيد الانفجار، بقيت المساعدات المالية طويلة الأجل والقادرة على انتشال لبنان من أزمته مُعلَّقة لحين تكوين حكومة بمواصفات إصلاحية تهتم بالإنقاذ الاقتصادى ولا تخضع للابتزاز من جانب القوى السياسية. تجلى هذا الاهتمام الدولى فى المبادرة الفرنسية التى مزجت بين التلويح بالمساعدات الدولية وبين التوعد بفرض عقوبات بحق السياسيين المُعطِّلين لتشكيل الحكومة وتمرير الإصلاحات الإدارية والمالية.

وفيما كان الرئيس الفرنسى ايمانويل ماكرون يروج لقدرته على حشد وعود المساعدات الفورية، بقى للرئيس الأمريكى دونالد ترامب دور التلويح بالعقوبات إذا ما أخّلت القوى السياسية بالتزامها بالتشكيل السريع للحكومة.

رهان مُؤجَّل

على الجانب اللبنانى، كان رهان الفريق الموالى لحزب الله يتلخص فى تسويف التشكيل الحكومى لحين إجراء الانتخابات الأمريكية وانتهاء ولاية ترامب ومن ثم عودة الديمقراطيين للتفاهم مع إيران. واليوم حتى بعد تأكد فوز بايدن لا يبدو أن جنى ثمار التفاهم المحتمل مع الأخيرة سيكون سلساً فى الملف اللبنانى كما توقع المراهنون على ذلك.

إدارة بايدن، التى سيكون أمامها أولويات عديدة داخلية وخارجية، ليست مهتمة بشكل مباشر بالملف اللبنانى. بل على العكس من ذلك يبدو أن السياسة الأمريكية التى أرساها ترامب فى لبنان-والمتمثلة بتوالى العقوبات على مقربين من حزب الله- ستظل قائمة ولن تُرفع بشكل تلقائى كما كان يتوقع المتفائلون بقدوم بايدن.

بل إن إدارة ترامب حرصت مؤخراً على فرض عقوبات جديدة على جبران باسيل رئيس التيار الوطنى الحر- حزب الرئيس ميشال عون- وصاحب التمثيل المسيحى الأكبر فى البرلمان والمتحالف بشكل وثيق مع حزب الله، ما يعنى أن العقوبات بدأت تطبق على بعض سياسيى الصف الأول دون أن يؤتى ذلك ثماره فى التعجيل بتشكيل الحكومة.

وبينما استقبلت هذه العقوبات الأخيرة بشكل إيجابى من جانب الحراك الشعبى الذى رفع منذ احتجاجات أكتوبر 2019 مطالب بتنحية النخبة الحاكمة، فإنها جاءت جزئية على نحو لن يـُقصى الجميع ولكن يسمح للبعض بمزيد من التعطيل. وإذا كانت بعض العقوبات المفروضة على شخصيات لبنانية تتعلق بملف الإرهاب، والبعض الآخر يتصل بالفساد، فإن المتوقع أيضاً أن تتوالى عقوبات أخرى ترتبط بقانون قيصر، ما يعنى أن سيف العقوبات الأمريكية سيظل قائماً بمعزل عن هوية الرئيس الأمريكى ولا يُتوقع أن يُرفع بشكل مباشر بناءً على نتائج الانتخابات الأمريكية.

وفيما حاول حزب الله أن يستوعب قبل بضعة أشهر موجة الغضب الأمريكى بالإعلان عن قبول التفاوض حول الحدود البحرية مع إسرائيل، يبدو أن الأمريكيين لن يخففوا ضغط العقوبات فى مقابل مجرد الإعلان عن التفاوض، بل المطلوب التوصل لاتفاق ملزم لضمان الهدوء البحرى فى شرق المتوسط من جهة لبنان وإسرائيل.

تراجع الاهتمام

على الجانب الفرنسى، أن الاهتمام الذى كرّسه ماكرون للملف اللبنانى عقب انفجار المرفأ آخذ فى التقلص. ففى الصيف الماضى، كان الرئيس الفرنسى بحاجة للانشغال ببعض ملفات الشرق الأوسط وتحقيق نجاح سريع بها كى يُعوِّض الإخفاقات فى سياسته الداخلية، ولذا أسرع إلى بيروت فى زيارتين متتاليتين يفصلهما أقل من شهر.

وكان التناول الفرنسى للملف اللبنانى برجماتياً وتقنياً للغاية، حيث اعتمد على استقالة حكومة وتشكيل أخرى وإعداد خطة إصلاحات وإطلاق مؤتمر للمساعدات ومن ثم حل كل المشكلات الاقتصادية دفعة واحدة. ولكن هذه الخطوات وقعت فى فخ التعطيل والتسويف الذى نصبه المتفائلون بتغيير الإدارة الأمريكية والمتضررون بشكل مباشر من العقوبات الاقتصادية.

ويختلف التناول الفرنسى، جزئياً، عن الأمريكى فى الموقف من حزب الله، فالفرنسيون متواصلون بالفعل مع الأخير ولا يزالون يفصلون بين جناحيه العسكرى والسياسى، إذ ما يعنيهم هو تشكيل حكومة محايدة جزئياً- خاصة فى الوزارات ذات الصفة الاقتصادية- كى تتمكن من تنفيذ الإنقاذ الاقتصادى بعيداً عن مماطلات السياسيين.

تداعيات كورونا

ويبدو اليوم أن الاهتمام الفرنسى بلبنان قد تم تخفيضه من درجة «الرئاسة» إلى درجة «مبعوث رئاسي» ليعيد الرسالة الفرنسية نفسها ألا وهى «لا مساعدات دون حكومة إصلاحية». ورغم وضوح الرسالة، فإن السياسيين اللبنانيين يتعمدون تجاهلها فى محاولة لاجترار خطوات التعطيل نفسها ثم انتظار نتيجة مختلفة.

هنا يطرح السؤال التالى نفسه: إلى متى سيستمر الفرنسيون فى إرسال مبعوثهم لإقناع السياسيين اللبنانيين بسرعة تشكيل الحكومة؟. فدخول فرنسا، وغيرها من الدول الأوروبية، الموجة الثانية من فيروس كورونا سيُقلل من الاهتمام بالملفات الخارجية على أجندة الرئاسة لصالح توفير بدائل سياسية لمواجهة الوباء سواء داخلياً أو أوروبياً. وفى غياب الاهتمام الفرنسى سيخفت بالتأكيد الاهتمام الأمريكى بالملف اللبنانى، بينما من المتوقع أن يستمر توالى العقوبات على حلفاء حزب الله.

وكما يخفت الاهتمام بالسياسة الخارجية تجاه بلد صغير كلبنان، تتحول أيضاً ميزانيات الدول الكبرى عن إنقاذه اقتصادياً وتتبخر الوعود المرصودة لهذا الغرض، خاصة فى ظل تباطؤ الاقتصاد العالمى واحتياج كل الاقتصاديات، بلا استثناء، لموارد بهدف تعويض خسائر الإغلاق أثناء موجات انتشار الوباء. ولذا لا يمكن التعويل على استمرار الاهتمام الدولى لإنقاذ لبنان فى ظل مماطلة سياسية وتدافع قضايا أخرى على الأجندة الدولية. ويبقى لبنان فى حيز إدارة أزماته بالحد الأدنى الذى يمنع سقوطه التام ولكن دون الوصول إلى حلول جذرية.


لمزيد من مقالات رابحة سيف علام

رابط دائم: