رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

بعد حرب داخلية ضروس ووصفه خطيبة جونسون بـ «مجنونة المجانين»
الإطاحة بأقوى رجل فى «داوننج ستريت»

منال لطفى
كامنجز ولحظة خروجه من داوننج ستريت

بريطانيا فى حالة ذهول وغضب, فخلال الأيام الماضية غرقت البلاد فى تفاصيل معارك ضارية فى «داوننج ستريت» أطاحت بالرجل القوى فى أروقة الحكم فى بريطانيا، دومنيك كامنجز، المستشار السياسى لرئيس الوزراء البريطانى بوريس جونسون.

لم تكن الخلافات الحادة التى أطاحت بكامنجز تتعلق بتباين فى وجهات النظر حول قضايا مصيرية مثل البريكست الذى من المفترض أن يتم حسمه خلال أسابيع وإلا خاطرت بريطانيا بالخروج دون صفقة. كما لم تكن الخلافات حول استراتيجية التصدى لفيروس كورونا بعدما أصبحت بريطانيا الدولة الأولى فى أوروبا من حيث عدد الضحايا, أو تباينات حول الإغلاق الوطنى العام الذى يدمر المزيد من القطاعات الاقتصادية البريطانية.

 

الخلافات الحادة لم تكن حول تلك القضايا أو غيرها، بل كانت صراعات شخصية بين معسكرين فى «داوننج ستريت» يتنازعان النفوذ، والتأثير على جونسون وقراراته.

المعسكر الأول بقيادة دومنيك كامنجز ومعه عدد من المسئولين من الذين أسهموا فى حملة البريكست 2016، من بينهم لى كين, مدير الإعلام فى «داوننج ستريت»، الذى تم فصله أيضا هذا الأسبوع.

والمعسكر الثانى بقيادة خطيبة بوريس جونسون, كارى سيمونز, ومعها أليجرا ستراتون, المتحدثة الجديدة باسم «داوننج ستريت», ومنيرة ميرزا, مسئولة وحدة السياسات فى مكتب رئيس الوزراء.

انتهت المعركة الضارية بانتصار السيدات الثلاث، والإطاحة ب «كامنجز» بعد حرب تسريبات فى الصحف تضمنت إهانات متبادلة من بينها وصف كامنجز لخطيبة جونسون بـ «مجنونة المجانين».

لكن قبل الإهانات العلنية، كانت هناك روايات عن اختلافات تتفاقم داخل «داوننج ستريت» بين جناح كامنجز وجناح سيمونز, فخطيبة رئيس الوزراء ومعسكرها كانوا منتقدين للطريقة «الفظة» و«الوحشية» التى يدير بها كامنجز وكين مقر رئاسة الوزراء, وعندما فكر جونسون فى تعيين كين فى منصب رئيس طاقم «داوننج ستريت», اعترضت سيمونز وأقنعت جونسون بالتراجع ما أدى لاستقالة كين احتجاجا. بعد ذلك خرجت كل الأمور عن السيطرة بحرب تسريبات فى الصحف تضمنت اتهامات واتهامات مضادة, وأعقبها اجتماع جونسون مع كامنجز ليل الجمعة لمدة 45 دقيقة عرض خلالها عليه بعض التسريبات التى تضر بجونسون شخصيا وتقوض مكانته، بعدها قرر رئيس الوزراء فصل كامنجز ومغادرته «داوننج ستريت» فورا.

لا عجب أن تتبارى الصحف البريطانية بنشر مقالات وكاريكاتيرات تُصور رئيس الوزراء ومستشاريه فى «داوننج ستريت» بأطفال يتشاجرون فى ملعب مدرسة، وسط توقعات باستمرار معارك التسريبات للصحف، خاصة أن كامنجز اختار الخروج من الباب الرئيسى لمقر الحكومة البريطانية حيث تنتظر عشرات الكاميرات ومحطات التليفزيون، وليس من أى باب خلفى فى رسالة مفادها «لن أذهب بهدوء».

حتى الآن أثبت كامنجز فعلا أنه لن يذهب بهدوء, ففى تصريحات لصحيفة «ديلى ميل» البريطانية, قال كامنجز حول تسريبات الخلاف الحاد بينه وبين كارى سيمونز: «ليس لدى أى شيء سيئ لأقوله عن كارى، أتمنى لها التوفيق».

لكن العاملين فى «داوننج ستريت» فسروا فورا «الشفرة السرية» لهذا التصريح، فهو يعنى ضمنا استمرار الحرب بين المعسكرين حتى بعد مغادرة كامنجز, فأن تتمنى الخير لشخص كان «الإهانة المشفرة» التى استخدمها كامنجز ومعسكره فى «داوننج ستريت» ضد أعدائهم.

إرث عاصف

لم يقض كامنجز غير 11 شهرا فى «داوننج ستريت»، لكن هذه الفترة كانت عاصفة على كل صعيد, فمن ناحية أولى كان تعيينه فى المقام الأول «خبرا سيئا» لنواب حزب المحافظين الحاكم, فمستشار جونسون لديه احترام قليل لنواب البرلمان وقبل تعيينه طلبه البرلمان فى استجواب حول حملة البريكست ورفض المثول أمام النواب ما جعله خيارا ساما منذ اليوم الأول لتعيينه كمستشار سياسى لجونسون.

أما بعد تعيينه، فقد وضع ما اعتبره الكثيرون «حاجزا» بين جونسون وبين الكتلة البرلمانية لحزبه, ومع الأخذ فى الاعتبار أن بريطانيا «ديمقراطية برلمانية», فإن تهميش نواب البرلمان أو عدم وجود تواصل بينهم وبين مكتب رئيس الوزراء هو أسوأ شيء يمكن أن يُقدم عليه سياسى طامح فى أن يكون «تشرشل 2».

وتدريجيا فقد جونسون الكثير من دعم نواب حزب المحافظين وباتت الانتقادات له من قلب حزبه لا تقل شراسة عن الانتقادات التى تأتى إليه من المعارضة.

وإجمالا ترك كامنجز ومعسكره إرثا متناقضا متضاربا, فإذا كنت من أنصار البريكست، ستجد أن ميراث كامنجز السياسى إيجابي, فقد كان أحد قادة معسكر استفتاء البريكست 2016 ونجح فى إقناع غالبية البريطانيين بالتصويت لصالح الخروج من الاتحاد الأوروبى. ثم لاحقا فى ديسمبر 2019 قاد حزب المحافظين بزعامة جونسون للفوز فى الانتخابات العامة وحقق أغلبية برلمانية كبيرة (80 مقعدا) لم يكن حزب المحافظين يحلم بها. البعض الآخر سيضيف لقائمة إنجازات كامنجز محاولته إصلاح قطاع الخدمة المدنية فى بريطانيا، وامتلاكه رؤية مختلفة لما يفترض أن تكونه بريطانيا بعد البريكست، أى دولة يقوم اقتصادها على الصناعات التكنولوجية الكبيرة والخدمات المالية، والضرائب القليلة لجذب رأس المال الدولى.

لكن على النقيض من هؤلاء، سيرى البعض الآخر إرث كامنجز فوضى عارمة فى «داوننج ستريت» وغيابا كاملا للبوصلة فى قلب الحكومة.

فمنذ دخل كامنجز مقر الحكم فى بريطانيا حول «داوننج ستريت» لما سُمى بـ«بيت الرعب» بسبب قبضته القاسية التى أدت لخروج عدد كبير من الوزراء والمستشارين.

وفى إطار سياسة القبضة الحديدية, منع كامنجز العاملين فى «داوننج ستريت» من الاختلاط مع مسئولين سابقين فى إدارة ديفيد كاميرون, رئيس الوزراء الأسبق, أو تيريزا ماي, رئيسة الوزراء السابقة, لمنع نقل أو تسريب معلومات. وفى واحدة من أشهر القصص, قام كامنجز بتفتيش التليفون المحمول لمستشارته فى مقر رئاسة الوزراء، سونيا خان، ثم طردها وقام بنفسه باصطحابها للباب عندما عرف أنها تناولت القهوة مع زميل قديم فى حكومة ديفيد كاميرون.

كل هذا سيئ بما فيه الكفاية لخلق مناخ سيئ، لكن درجة السوء بلغت مداها مع الأزمة التى فجرها كامنجز عندما خالف قواعد الإغلاق العام فى بريطانيا خلال الموجة الأولى لعدوى كورونا وسافر لمنزل عائلته فى مقاطعة «درهام» متعللا بأسباب رأى الكثيرون أنها غير مقنعة.

لم يستقل كامنجز ولم يستطع جونسون فصله وهو ما أعقبه تحلل نسبة كبيرة من البريطانيين من الالتزام بقواعد الإغلاق العام على أساس «إذا لم يلتزم مستشار رئيس الوزراء...فلماذا ألتزم أنا».

غبار المعركة لم يهدأ

وإلى جانب انقسام الطبقة السياسية حول إرث كامنجز، فإن الصحافة أيضا منقسمة إزاء تأثيرات إطاحته, فوسط صحف يسار الوسط (الجارديان والإندبندنت مثلا) هناك ارتياح للتخلص من الرجل الذى لم يظهر احتراما كبيرا للصحافة وضيق على الصحفيين وسار على خطى الرئيس الأمريكى دونالد ترامب فى البيت الأبيض فيما يتعلق بمحاولة التأثير على ما يخرج وما لا يخرج للإعلام.

لكن البعض الآخر فى صحافة اليمين ويمين الوسط (التايمز وديلى ميل مثلا) رأى أن خروج كامنجز يأتى فى وقت حساس جدا بالنسبة لبريطانيا ويكشف معضلة أكبر من كامنجز، وهذه المشكلة هى جونسون نفسه, ففكرة أن يكون رئيس الوزراء، فريسة للتأثير عليه من جناحين نافذين فى «داوننج ستريت» توضح مدى ضعف جونسون.

الغبار الذى تركته الحرب الضروس فى «داوننج ستريت» لم يهدأ بعد, بل إن آثار الصراعات الداخلية واضحة, فخلال الأسبوع الماضى لم تتقدم بريطانيا خطوة واحدة فى مفاوضات البريكست مع أن كل يوم له قيمة مضاعفة بسبب قلة الفترة المتبقية والآثار الجسيمة التى ستترتب على الصفقة ونوعها. أيضا بينما تتفاقم حرب الأجنحة فى مقر رئيس الوزراء، كان فيروس كورونا يشهد معدلات عدوى قياسية, فالبلد يعانى أعلى معدلات إصابة منذ مايو الماضى والاقتصاد يعانى أسوأ ركود فى أوروبا بعد الإغلاق.

وبإطاحة كامنجز يصبح السؤال: أين يتجه جونسون؟ وهذا سؤال صعب لا يدرى أحد إجابته, لأن كامنجز من المؤمنين بعمق بالبريكست، وكان لديه رؤية لبريطانيا, وسواء تتفق أو تختلف معه، فلديه تصورات وخطط لبريطانيا بعد البريكست.

أما جونسون فدعمه للبريكست كان برجماتيا، اعتقاده أنه سيوصله لـ»10 داوننج ستريت». بخلاف ذلك ليس لدى جونسون رؤية إيديولوجية معروفة ومحددة حول بريطانيا ما بعد البريكست, وهذا يجعل الأشهر والسنوات المقبلة حافلة بالتحديات والمخاطر.

فالبعض تنفس الصعداء لمغادرة كامنجز بسبب الإرث المسمم الذى تركه وراءه، لكن جونسون وطريقته فى القيادة والإدارة لا تعطى إحساسا بالطمأنينة على أن الأمور ستسير نحو الأفضل, فالفراغ الذى يتركه كامنجز يمكن أن تحل محله فوضى من نوع آخر.

وهذا أسوأ وقت لأى فوضى فى بريطانيا, فالبلد يجب أن يكون فى حالة تركيز قصوى مع تولى رئيس أمريكى جديد، هو جو بايدن, لمقاليد السلطة خلال نحو شهرين. فعلاقة جونسون مع إدارة بايدن ليست دافئة، وهى معرضة لصدمة كبرى فى حالة الخروج من الاتحاد الأوروبى بدون صفقة بسبب تأثيرات ذلك السلبية على اتفاق «الجمعة الطيبة» والسلام فى جزيرة أيرلندا.

قبل عام تقريبا، أقام جونسون حفلا صاخبا فى «داوننج ستريت» محتفلا بفوزه الكبير فى الانتخابات العامة، معلنا دخول دومنيك كامنجز للمسرح السياسى من بابه الواسع باعتباره «رجل الساعة» فى السياسة البريطانية والمستشار العبقرى الذى لا يشق له غبار، لكن الفرح العارم تحول سريعا لمرارة وصراع عنيف، والمعضلة أن بريطانيا كلها تدفع حاليا ثمن هذا.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق