رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

ماذا لو أردناها ديمقراطية؟

تقول النظرية السياسية إن دول العالم المختلفة تهدف إلى خماسية: الاستقلال والأمن والاستقرار والتنمية والديمقراطية.

وحين قال أجدادنا أيام ثورة 1919 فى شعاراتهم: الجلاء والدستور، فهم كانوا يقصدون ضمنا هذه الخماسية. مصر حققت استقلالها بعد 1954، ثم الكثير من أمنها بعد أن استعادت سيناء المحتلة، ثم بعد أن دحرت الإرهاب القادم إليها شرقا وغربا وجنوبا وشمالا، وحققت الكثير من الاستقرار بعد أن عدلت دستورها وانتخبت مؤسساتها، وهى ماضية فى طريق التنمية باستراتيجية تقوم على بناء اقتصادها واستغلال مواردها. ولكنها لم تبذل جهدا موازيا فى طريق بناء الديمقراطية والإصلاح السياسى بعد، إلا فى حدود أن كل ما سبق يمهد الطريق نحو حياة ديمقراطية سليمة على مدى زمنى طويل نسبيا، أقدره بنحو 10 سنوات.

وربما يكون من ملامح هذا الطريق الطويل بعض مما يلي:

أولا، على مستوى الثقافة السياسية: المصريون غير مستعدين للديمقراطية جملة صائبة قالها المرحوم عمر سليمان ولكنها غير كاملة. كان ينبغى بعدها أن يقول: ونحن السبب. من يحكم بلدا لمدة 30 عاما ويظل غير مستعد للديمقراطية هو كمن يدرس عنده طلاب لمدة 12 سنة ويخرج ويقول: طلابنا لا يجيدون القراءة والكتابة. رحمة الله عليه، عمر سليمان قدم دليل إدانة نظام مبارك لأنه إما تغاضى أو فشل فى أن يدرب المصريين على الديمقراطية. نعم المصريون لم يكونوا مستعدين للديمقراطية بنفس منطق أن المصريين لا يجيدون الحديث باللغة اليابانية.

لكن علينا ألا نرتكب نفس الجريمة فى حق شعبنا خلال السنوات العشر المقبلة. لا بد أن يدرس طلابنا فى المراحل التعليمية قبل الجامعية والجامعية مقررات تؤهلنا جميعا للممارسة الديمقراطية. حين قررت دول أمريكا اللاتينية أن تتحول إلى دول ديمقراطية صممت برامج مخصوصة لتعليم الأسر كيف تمارس الديمقراطية داخل المنزل. مثلا قرار انتقاء المصيف يكون بالتصويت، ولكل فرد من أفراد الأسرة عدد أصوات بقدر سنين عمره. ويدخلون فى مفاوضات بحيث تنجح الأم فى حشد عدد أكبر من أصوات أبنائها ضد أصوات الأب أو العكس. وعلى الخاسر أن يقبل بالنتيجة وأن يحترم قرار الأغلبية.

فى الهند، يتم تقسيم الأطفال الصغار فى المدرسة لدوائر متوازية، بحيث يكون فى دائرة ما طوال القامة، وفى دائرة أخرى متوسطو القامة، وفى دائرة ثالثة قصار القامة. ثم تتم دعوة الطلاب إلى إعادة تقسيم أنفسهم على حسب من يحبون لعبة معينة معا فى دائرة أخرى، ولعبة أخرى معا، ولعبة ثالثة معا. ثم يتم تقسيمهم وفقا لحبهم لأكلة معينة وهكذا. ومن هنا يتعلم الأطفال أنهم مختلفون فى أمور عدة ولكنهم متشابهون كذلك فى أمور أخرى، وأن التعدد هو الأصل فى الحياة وليس التطابق.

فى الولايات المتحدة الأمريكية ومعظم دول أوروبا لا بد أن يدرس الطالب مقررا كاملا عن الديمقراطية حتى يشب ويشيب على أن الدولة إما تكون ديمقراطية أو لا تكون، وينتهى به الحال أن يرفض مقولة: مستبد، لكن... فليس مع الاستبداد انتهاك حقوق الإنسان وعدم الانصياع للقانون عذر. ولولا أن ترامب حتى الآن يقول إنه سيلجأ للمحاكم (أى التقاضى بشأن القانون) لما وقف بجواره كثيرون من أنصار حزبه.

ثانيا، على مستوى الحياة الحزبية: ما كان وجود الإخوان فى الحياة السياسية المصرية إلا بسبب وجود فراغ فيها. مصر نجحت فى إقصائهم وجعلت لنفسها فرصة تاريخية بأن تتعلم من النموذج الألمانى الذى قرر بحكم الدستور فى عام 1949 بإقصاء أعداء الديمقراطية عن الحياة السياسية تحت شعار: لا ديمقراطية لأعداء الديمقراطية،فجرموا تكوين أحزاب تمثل تطرف أقصى اليمين (النازية) أو تطرف أقصى اليسار (الشيوعية) ثم أقاموا حياة ديمقراطية سليمة بمنافسة حزبية جادة بين قوى يسار الوسط وقوى يمين الوسط. وهنا تعلم الألمان أن أمامهم أحد بديلين كبيرين ولا مجال لبدائل أخرى على سبيل التعلم واكتساب الخبرة والأفكار منها، ولكن تداول السلطة يكون بين تحالفين كبيرين.

ما المانع أن يكون فى مصر تحالفان كبيران على مائدة الوطنية المصرية: تحالف يقوده حزب مستقبل وطن ممثلا لليمين وتحالف يقوده حزب الشعب الجمهورى ممثلا ليسار الوسط، وتنضم بقية القوى السياسية تحت هذين البديلين. ولتكن انتخابات تنطبق عليها شروط الانتخابات الديمقراطية السبعة: حرة، نزيهة، تعددية، تنافسية، فى اقتراع سري، مباشر، وفقا لقواعد قانونية عادلة. وليفز من يفز، ولتتشكل الحكومة وفقا لقرار الأغلبية تحت مظلة مؤسسات الدولة.

ثالثا، على مستوى الانتخابات الرئاسية: رئيس الدولة الحالى له وضع استثنائى بحكم دوره فى الاستجابة لمطالب الجماهير بالتخلص من المتاجرين بالدين فى ثورة 2013، وهو كذلك له وضع استثنائى بحكم ما حققه من نجاحات فى إدارة ملفات معقدة داخليا وخارجيا خلال الفترة الماضية. وستكون هناك انتخابات رئاسية فى 2024 وهى انتخابات قد ينزل فيها للمنافسة مع الرئيس السيسى عدد كبير من المنافسين. وهذا أمر مطلوب. ولا مانع أن يحصل من يحصل على أى عدد من الأصوات، وحتى لو فاز الرئيس السيسى بنسبة فى حدود الستين أو السبعين فى المائة من الأصوات أو أقل من ذلك أو أكثر، فهذا لا ينال من شرعية الحاكم ولا يقلل من استحقاقه للحكم كما كان سائدا فى عرف البعض من المزايدين. ونحن نرى أن الكثير من الدول تدار برؤساء وأحزاب وحكومات نالت بالكاد الأغلبية المطلقة (أى أكثر من 50 بالمائة من الأصوات).

أمامنا عشر سنوات مقبلة فى ظل القيادة الحالية (إن نالت ثقة الناخبين فى انتخابات 2024) وأرى أن عليها مسئولية تاريخية باستكمال الخماسية المذكورة.

لن تكون هناك مصر جديدة، إلا بإنسان مصرى جديد، ولن يكون هناك إنسان مصرى جديد، إلا برؤية سياسية جديدة.


لمزيد من مقالات د. معتزبالله عبدالفتاح

رابط دائم: