رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

لحظة الأزهر

زيارة وزير الخارجية الفرنسى جان إيف لودريان للأزهر فى الأسبوع الماضي، ولقاؤه الإمام الأكبر الشيخ أحمد الطيب، والتصريحات التى أدلى بها عقب هذا اللقاء تمثل علامة مهمة فى رؤية فرنسا و الغرب لدور و تأثير الأزهر فى الساحة الدولية وعلى مسلمى الغرب و العالم.

فرنسا تعيش أزمة عميقة داخليا وخارجيا عقب مجموعة من الاعتداءات الإرهابية التى ارتكبها بعض المتطرفين باسم الإسلام، والتى بدأت منذ عدة أسابيع بهجوم جديد على مقر جريدة شارلى إبدو (الهجوم الأول فى 2015 عقب نشر الجريدة رسوما كاريكاتورية مسيئة للرسول عليه الصلاة والسلام)، وأعقب ذلك قيام شاب من أصول شيشانية بقطع رأس أحد المدرسين، عقابا له على استخدم الرسوم الكاريكاتورية المسيئة فى إحدى المدارس، وأخيرا (فى 29 أكتوبر) كان حادث الهجوم على إحدى الكنائس بمدينة نيس، حيث حمل شاب من أصول تونسية سكينا وقتل به ثلاثة اشخاص، منهم امرأة قطع رأسها. بعد الاعتداء الأول قام الرئيس الفرنسى ماكرون بتوجيه خطاب لشعبه (فى 2 أكتوبر) دعا فيه الى صحوة للقيم المدنية التى تقوم عليها الجمهورية الفرنسية فى مواجهة ما سماه «بالانفصالية الإسلامية»، أى سعى البعض لاستخدام الإسلام للانفصال عن مبادئ وقيم الجمهورية.

ماكرون عرض إستراتيجية شاملة للتعامل مع هذه الظاهرة تقوم على عدة محاور منها إجراءات تستهدف حياد جهاز الخدمة العامة ومنع استخدامه لنشر الفكر المتطرف، والحد من استخدام الجمعيات الأهلية التى تقدم أنشطة رياضية أو ثقافية أو فنية أو غيرها كستار لنشر الفكر المتطرف، وزيادة الرقابة على المدارس لتحقيق التزامها بالمبادئ المدنية، وإنهاء نظام أئمة المساجد المعارين من الخارج والبدء فى تدريب الأئمة بفرنسا، وتشديد الرقابة المالية على المساجد.

ولكن ماكرون صدرت منه الكثير من العبارات التى اعتبرها البعض مسيئة للدين الإسلامى وتمثل استفزازا لعموم المسلمين، ففى خطابه المشار اليه، وصف الإسلام بأنه يواجه أزمة فى جميع أنحاء العالم. وفى 22 أكتوبر، وخلال احتفالية التأبين الوطنى التى أقيمت للمدرس الذى تم ذبحه، قال ماكرون سندافع عن الحرية وسنروج للعلمانية ولن نتخلى عن الكاريكاتور والرسومات، حتى وإن تراجع البعض، و قد أثارت هذه العبارات موجة ضخمة من الانتقادات بين العديد من المسلمين فى جميع الأنحاء، وتبنى بعضهم دعوات لمقاطعة السلع الفرنسية.

وهنا بدأت فرنسا حملة لاحتواء الضرر الناتج عن هذه التصريحات، وتخفيض التوتر مع العالم الإسلامي، فقام وزير خارجيتها لودريان فى 29 أكتوبر بتوجيه ما أطلق عليه رسالة سلام للمسلمين، أكد فيها أن فرنسا بلد التسامح وليست موطن الازدراء والرفض. وقال فى رسالته إن الدين والثقافة الإسلامية جزءان من تاريخنا الفرنسى والأوروبي، ونحن نحترمهما، وأن المسلمين ينتمون بصفة مطلقة لمجتمعنا الوطني.

وأطلق ماكرون تصريحات جاء فيها أن كلامه تم تحريفه، و أنه ليس مؤيدا للرسوم المسيئة، و لم تنشرها الحكومة الفرنسية بل نشرتها صحف مستقلة، وأضاف أن ما يمارس باسم الإسلام هو آفة للمسلمين بالعالم و أن أكثر من ثمانين بالمائة من ضحايا الإرهاب هم من المسلمين.

وتم تتويج هذه الخطوات الفرنسية بزيارة وزير خارجيتها لودريان للأزهر، والذى ذكر خلال لقائه شيخ الأزهر أن بلاده تؤمن بأهمية صوت الأزهر والإمام الأكبر فى الدعوة إلى التسامح والاعتدال، مضيفا أنه يجب أن نقاتل مع مؤسسة الأزهر العظيمة ضد الكراهية وضلالات المتطرفين.

هذه العبارات القوية و الزيارة فى حد ذاتها توضح المكانة التى ما زال يحتلها الأزهر فى العالم، ودوره كمؤسسة تعبر عن الاعتدال، والرغبة فى ان تمتد رسالته الى العالم أجمع وحيث يعيش المسلمون فى أى مكان.

أهمية الدور الذى يمكن أن يقوم به الأزهر ازدادت أيضا فى السنوات الأخيرة بعد أن أدرك الغرب أن المعركة ضد الإرهاب هى معركة فكرية بالأساس، وضعفت النظريات التى ربطت بين الظروف الاقتصادية والسياسية وظهور الإرهاب، بعد أن أصبحت دول الغرب الغنية والديمقراطية مفرخة للارهاب، وظهر من بين مواطنيها من يفجر نفسه ويقتل الآخرين باسم الدين، ومن هنا أصبح التركيز على أن الدافع الرئيسى للإرهاب هو تبنى فكر متطرف، وبغض النظر عن طبيعة البيئة التى يعيش فيها الشخص الذى يتبنى هذا الفكر. ونظرا لأن للتعامل مع الفكر هو مواجهته بفكر آخر، بدأ الغرب يبحث فى سوق الأفكار عمن يمثل الفكر المعتدل كى يساعده فى مواجهة الفكر المتطرف، وكانت الإجابة هى الأزهر.

هذه إذن هى لحظة الازهر بامتياز، واذا كنا نتحدث كثيرا عن الازهر كأحد أدوات القوة الناعمة المصرية، فهذه أيضا لحظة مناسبة لتفعيل ذلك. وساحة الحركة المتاحة هنا لا تقتصر فقط على أوروبا التى يؤرقها وجود ملايين من مواطنيها المسلمين، لكن الأزهر يمكن أن يصبح أيضا أحد أدوات رؤية مبتكرة للتعامل مع الإدارة الجديدة بالولايات المتحدة، وتقوم على أن قيمة مصر الاستراتيجية لا تستند فقط لموقعها الجغرافى وأدوارها الإقليمية، و لكن ترتبط أيضا بقدرة أبنائها ومؤسساتها على إنتاج أفكار مستنيرة يمتد تأثيرها عبر الحدود، وهذه لحظة الأزهر للمساهمة فى ذلك.


لمزيد من مقالات د. محمد كمال

رابط دائم: