رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

دور الإسلام فى هذه العصور

هذه المرة علينا ألا نتجاهل ماحدث كما كنا نفعل فى المرات السابقة، وأن نعالج هذه القضية المثارة بما تستحق من يقظة وجدية ورغبة صادقة فى تقويم المعوج وإصلاح الفاسد. والقضية التى أتحدث عنها هى هذا الصدام المستمر بيننا نحن المسلمين وبين الأوربيين والغربيين عامة. ونحن نعرف ما حدث فى الأسابيع الأخيرة بيننا وبينهم منذ نشرت الصحيفة الفرنسية الرسم البذيء الذى سخرت فيه من نبينا الكريم، وما أثاره هذا الفعل من غضب عارم أفقد بعض المسلمين عقولهم ودفعهم للرد بوحشية بالغة وبلا أدنى شعور بالمسئولية. ونحن نعرف أن هذه ليست أول مرة يقع فيها هذا الصدام العنيف. ولا أظن أنها ستكون الأخيرة. نعم هى قضية خطيرة شائكة معقدة، لأنها تتصل بمقدساتنا ومقدسات الآخرين، وبماضينا وماضيهم، وبمصالحنا ومصالحهم. والكثيرون قد لايذكرون أن أول صدام حدث بيننا وبين الفرنسيين يعود إلى القرن الثامن الميلادى حيث دارت معركة عنيفة بين جيوش المسلمين الذين دخلوا إسبانيا واستولوا عليها وعبروها إلى فرنسا ليواجهوا الفرنجة الذين تمكنوا من صدهم، لكنهم لم ينسوا ماحدث، بل ظلوا يتأهبون للرد حتى واتتهم الفرصة بعد أكثر من ثلاثة قرون حين اشتعلت الحروب الصليبية وشارك فيها الفرنسيون وقاد لويس التاسع ملك فرنسا جيشه ودخل به مصر ليهزم هزيمة نكراء فقد فيها جيشه كله ووقع هو ومن كان معه من النبلاء الفرنسيين فى الأسر. ثم مرت خمسة قرون ونصف قرن تراجع خلالها المسلمون بعد أن ملكوا العالم وبنوا حضارة انبهر بها الأوروبيون ونقلوا منها مانقلوه لينهضوا ويكتشفوا العالم من جديد ويبنوا دولهم القومية وإمبراطورياتهم الاستعمارية التى سيطروا فيها على بلادنا عقودا طويلة امتدت من أواخر القرن الثامن عشر إلى أواسط القرن العشرين. هذا التاريخ الممتد من القرن الثامن الميلادى إلى اليوم كان حوارا متصلا بيننا وبين الأوروبيين. حاربناهم فيه وحاربونا، وصالحناهم وصالحونا. والنتيجة هذه الحضارة الإنسانية التى بنيناها معهم ومع غيرهم، وهذا العالم الذى صار قرية واحدة لاتستطيع فيها أمة أن تعيش وحدها أو تكتفى بماضيها وتستغنى به عن الحاضر والمستقبل. وهانحن نرى أن الإنجليز الذين كانوا يحتلون بلاد المشرق العربى والفرنسيين الذين كانوا يحتلون بلاد المغرب العربى رحلوا فى الوقت الذى ظل فيه المسلمون الذين هاجروا فى أيام الاستعمار إلى أوروبا فى أوروبا، وانضم لهم غيرهم حتى أصبحوا يعدون بعشرات الملايين ويثيرون السؤال المطروح عليهم وعلينا: من هم هؤلاء المسلمون الذين يعيشون فى فرنسا، وألمانيا، وبريطانيا، وإسبانيا، وإيطاليا؟ مواطنون ينتمون لهذه البلاد ويخضعون لقوانينها؟ أم أغراب قادمون من عصور خلت يعيشون فى ماضيهم ويحولونه إلى مستعمرات أثرية يقيمونها فى حاضر غيرهم؟!. إذا كانوا مستعمرين فقد انتهى زمن الاستعمار وعليهم أن يرحلوا ويعودوا إلى الماضي، جاءوا منه، أما إذا كانوا مواطنين فعليهم أن يخرجوا من عزلتهم ويندمجوا فى المجتمعات التى يعيشون فيها ويعملون فيها ويتكلمون لغتها ويطلبون فيها الأمن والحرية والاستقرار.

لا أحد يستطيع بالطبع أن يطلب من المسلم الجزائرى أو الهندى أن يخرج من عقيدته ليصبح فرنسيا أو إنجليزيا، لكن المسلم لايحق له فى فرنسا أو إنجلترا أن يحول أرض الشارع إلى مصلى كما يفعل بعضهم، أو يتزوج اثنتين، أو يذبح مدرسا عبر عن رأى فى الإسلام تجاوز فيه الحد. باختصار المسلم فى أوروبا لايحق له أن يخلط الدين بالسياسة أو ينشئ لنفسه دولة داخل الدولة. لأن أوروبا جاهدت طويلا ودفعت ثمنا غاليا لتفصل الدين عن الدولة، لا كراهية فى الدين، بل إيمانا بحرية العقيدة وهى حق من حقوق الإنسان. حقوق الإنسان والمواطن الصادرة عن الثورة الفرنسية مقدسات عند الفرنسيين. وهى التى تتيح للأجانب أن يتمتعوا فى فرنسا بما يتمتع به الفرنسيون. وعلمانية الدولة الفرنسية هى التى مكنتها من أن تسوى بين كل مواطنيها على اختلاف دياناتهم شريطة التزامهم جميعا بقوانين الدولة المؤسسة على الديمقراطية وحقوق الإنسان. وهذا هو ماتطلبه الدولة من المسلم كما تطلبه من المسيحى ومن اليهودى ومن البوذى وممن لادين له. فهل يستجيب المسلمون الأوروبيون لما تطلبه منهم دولهم؟. من المؤكد أن الغالبية تستجيب، لأن المطلوب هو احترام القانون الذى يضمن للمسلمين ولغيرهم حياة آمنة مستقرة، دون أن يمس عقائدهم الدينية أو يمنعهم من إقامة شعائرها. فالمساجد موجودة إلى جانب الكنائس والمعابد. وشهر رمضان يأتى فى موعده هناك كما يأتى فى موعده هنا. والقرآن الكريم يقرأ بلغته العربية ويقرأ مترجما بكل لغات العالم. والإسلام يحترم العقل، ويؤمن بأخوة البشر، ويدعوهم للتعاون والتضامن ويحث الإنسان على النظر فى الكون والاستمتاع بالحياة، ويسلم بحقه الكامل فى الحرية. والمشكلة فى أقلية من المتطرفين المسلمين والمتطرفين الأوروبيين. جماعات الإسلام السياسى من ناحية، والجماعات الأوروبية العنصرية، من ناحية أخري. هؤلاء وهؤلاء يعيشون فى زمن الحروب الصليبية. منهم من يظن نفسه شارل مارتل، ومنهم من يظن نفسه صلاح الدين. والحل؟ الحل هنا فى أيدينا . فى هذا المطلب الذى ننادى به ولاحياة لمن تنادي. تجديد الخطاب الديني. تجديد الخطاب الدينى ليس فقط لنزود المسلمين الأوروبيين بثقافة دينية تمكنهم من أن يحافظوا على عقيدتهم دون أن يصطدموا بالمجتمعات التى يعيشون فيها، وإنما لنتزود نحن أيضا بهذه الثقافة ولنكشف فى الإسلام عن طاقات جديدة تمكنه من مخاطبة العصور الحديثة وتلبية حاجاتها الروحية والحوار الخلاق معها والمشاركة الإيجابية فى بناء حضارتها كما فعل فى عصور ازدهاره التى هضم فيها ثقافات اليونان والفرس والمصريين والهنود وخلق منها ثقافة جديدة كانت عاملا من العوامل التى نهضت بها أوروبا، وانتقلت إلى العصور الحديثة التى اجتمعت فيها البشرية كما لم تجتمع من قبل. والسؤال: ماهو الدور الذى يستطيع الإسلام أن يؤديه فى هذه العصور؟.


لمزيد من مقالات بقلم ـ أحمد عبدالمعطى حجازى

رابط دائم: