رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

كامى ورسالة الإنسان

يميل مؤرخو الأدب إلى اعتبار رواية روبنسو كروزو للأديب الإنجليزى دانيال ديفو هى بداية عصر الرواية فى تاريخ الأدب العالمى، وهى تعبر عن موقف جديد للإنسان حيث استرد ثقته فى عقله وإرادته وأصبح بإمكانه أن يعيد صياغة الحياة وفقاً لأهدافه بعد أن كان يعتبرها فى العصور الوسطى تسير وفقاً لتدبير مسبق خارج عن إرادته. ويربط الباحثون فى علم اجتماع الأدب بين ظهور الرواية وصعود البرجوازية. وقد غلب عليها شخصية البطل الايجابى وهو الفرد الذى يضع لحياته هدفا ويستطيع تحقيقه، وتكون الرواية سردا لرحلته فى تحقيق الهدف. وفى عام 1933 صدرت رواية إنسان بلا خصائص للأديب الألمانى روبرت موزيل وهى تعبر عن وضع جديد للإنسان الذى تحول إلى ألعوبة فى يد ظروف وأقدار لا يفهمها وعاجز عن مواجهتها. ويقول موزيل فى روايته: كل تقدم هو فى نفس الوقت تراجع، لأنه لا يوجد البتة تقدم دون اتجاه محدد، ونظراً لأن حياتنا فى مجملها لا اتجاه ولا معنى لها،فبالتالى هى لا تشهد فى مجملها أى تقدم حقيقي. ويعتبر مؤرخوالأدب أن هذه الرواية تعبير عن الدخول إلى عصر ما بعد الحداثة ويرى آخرون أنها تعبير عن أفول المجتمع البرجوازى. 

وهكذا أصبحنا نحن الذين نعيش الآن فى مأزق وجودى: إما أن نتمسك بقيمنا العليا ومشروعنا فى تغيير العالم إلى الأفضل وإما أن نعتقد أننا للأسف نعيش فى عالم عبثى لا سلطة لنا عليه. فى الحالة الأولى سوف نتهم بأننا ضحية التفاؤل الساذج، وفى الحالة الثانية سوف نتهم بالعدمية واللامبالاة والتخلى عن القيم العليا. 

جاء أدب البير كامى وفلسفته كمحاولة جادة لإخراج الإنسان من هذا المأزق، فهو يؤكد أننا نعيش بالفعل فى عالم عبثى ويأتى هذا العبث بسبب التناقض بين موقف الإنسان الذى لا يكف عن التساؤل عن معنى الحياة والغاية منها، وموقف العالم الذى يلتزم الصمت التام ولا يمنح تساؤلات الإنسان أى اهتمام. ومما يزيد من عبثية الحياة بالنسبة للفرد هى أنها سوف تنتهى بالموت حيث ينعدم كل قلق بشأن الوجود. ونحن فى العادة نخلق صلة بين القول بعبثية الحياة والاعتقاد بعدم جدوى مكابدة العيش والاستمرار فى هذه المهزلة. يقول كامى: العالم عبثى هذا حكم، والحياة لا تستحق أن تعاش هذا حكم آخر.ويستغرب كامى من الربط بينهما بل هو يقلب الآية فيقول: لأن العالم عبثى فالحياة تستحق أن تعاش. ويجعل الموقف الوحيد الذى يليق بالإنسان ليس هو الانسحاب أو الانتحار ولكن التمرد.وقد جاء أدب كامى الذى امتد على مدى ربع قرن فى عمره القصير ليعبر عن هذه الوحدة بين العبث والتمرد، فهو نفسه يقسم أدبه إلى مرحلة أولى تسمى حلقة العبث وتشمل: كتاب أسطورة سيزيف ورواية الغريب ومسرحية سوء تفاهم، ومرحلة ثانية وهى حلقة التمرد تشمل: كتاب الإنسان المتمرد ورواية الطاعون ومسرحية العادلون. ويتسم التمرد عند كامى بسمتين رئيسيتين، السمة الأولى هى أن له حدودا لا ينبغى تجاوزها، فرغم عبثية الحياة تصبح مهمة التمرد هى الوقوف ضد كل ظلم لا يليق بالحياة الإنسانية وتحقيق أكبر قدر من الحرية والعدالة، ولكن الحرية المطلقة تطيح بالعدالة، والعدالة المطلقة تنفى الحرية، وعلى الإنسان أن يكتشف المقدار الذى يوازن بين القيميتين، لنتفادى الخطأ الذى وقعت فيه الثورات الشمولية التى تضحى بالحياة الواقعية للبشر من أجل تحقيق قيمة عليا. السمة الثانية أن التمرد ليس موقفاً فردياً ولكنه مرتبط بوجود الآخرين، ولهذا نجده يغير عبارة ديكارت ويقول: أنا أتمرد إذن نحن موجودون. وقد عبرت رواية الطاعون عن هذه النزعة الانسانية الجديدة فى موقف الطبيب ريو الذى يسعى لانقاذ مدينة وهران من الوباء. تعبير الأدب عن هذا الموقف الفريد منح تعاطفا كبيرا مع كامى نفسه. وقد كان دائم التذكير بطفولته الفقيرة ومعاناة أمه الأرملة الشابة التى كانت تعمل خادمة بالبيوت. كما تحمس فى شبابه للدفاع عن حقوق الكادحين من الفلاحين والعمال الجزائريين وانخرط فى مقاومة النازى بفرنسا. وكان رغم شهرته وحصوله على جائزة نوبل لا يخجل من إظهار ضعفه. فحينما سئل عند تسلمه الجائزة عن موقفه من ثورة التحرير الجزائرية قال: أنا أدين القهر ولكن عليّ أن أدين الإرهاب الأعمى الذى يمارس فى شوارع الجزائر والذى قد يصيب أمى أو أحد أفراد أسرتى، أؤمن بالعدالة ولكن بين العدالة وأمى أختار أمى. جاء موت كامى مأساوياً فى حادث سيارة وعمره أربعة وأربعون ليلخص العلاقة بين كامى وأدبه كما عبر عنها الدكتور عبدالغفارمكاوى: لا يمكن للمرء أن يفصل هذا الانسان عن شخصيات مثل سيزيف وميرسو وريو، ممن ساروافى طريق الأمانة والعذاب إلى أقصى مداه.


لمزيد من مقالات د. أنور مغيث

رابط دائم: