رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

أَنْ نَعيشَ فِى الحَادِثَة!

تحملُ ذاكرتنا القريبة ضِمنَ ما تحمل من شخوص، شخصية بائع الجرائد الجوال السَرِّيحْ -، ذاك الذى كان حتى سنوات خَلَتْ، يسير حاملًا صحف اليوم ورُبما بعض المجلات، تطوى خطواته الشوارع والميادين ساعيةً خلف رزقه ومن فى رقبته، وعادةً كان البائع الجوال أرق حالًا ممن فتح الله عليه واستطاع أن يحصل على موقعٍ متميز لـ فَرشْ جرايد على إحدى النواصى الرئيسية، أو أمام أحد المبانى العامرة بالموظفين، وكلاهما السريح وصاحب الفرش- أقلُ حظًا وشأنًا من ذاك الذى علا شأنه وحمل إليه سَعْدُه كُشك، ليأتيه الزبون قاصدًا بغير حاجة لمُحايلة إلا وضع المطبوعة فى مكان يجذب عين المارة، وهذه الميزة تحديدًا يفتقر إليها بائع الصحف السريح، الأمر الذى دعاه مُحايَلةً لرزقه إلى البحث عن آلية دعاية خاصة به، واهتدى (السريحةْ) الأوائل إلى أن الصوت هو نافذتهم الدعائية الرئيسة، ليُصبح صَوتُ البائع وهو يصيح باسم الصحيفة البصمة المميزة لكل سريح، إذ يحمل نغمته التى تلفت نظر الزبون وتدريجيًا يرتبط به انتظارًا ثم ينتقل من خانة الزبون المحتمل إلى المضمون الذى تربطه علاقة تتوطد مع البائع، واستطاع الأخير استثمار بعض عناوين المحتوى فى المطبوعات، ليَدعم سياسته التسويقية والدعائية بهتاف (اقرأ الـ ـ......) وما بعد الألف واللام عادة ما كان مرهونًا بشواغل الناس وهمومهم.

وبدخولنا عصر السلام والانفتاح تسارعت أنفاس الحياة بنا، وبدأ الكُل فى الهرولة ومعهم بائع الصحف السريح، الذى راح صوته يخفت تدريجيًا بين ضجيج الشوارع الكائن بفعل زحام البشر ووسائل النقل وأصوات أجهزة الكاسيت التى بدأت تذيع على الوعى سيرة (كركشندي) الذى ذبح (كبشه)!، وبات على بائع الصحف السريح أن يُجارى عصره سرعة، وأن يُجَمِّل بضاعته لتنافس (مرق لحم كبش كركشندي)، فأخضع سياسته الدعائية والتسويقية للمعايير الجديدة التى تسود، متخليا عن خريطة حركته المعتادة، بحيث لا يألفه الزبون، وتخلى صوته عن أى نغم مُحسِّن، وأصبح كلُ غريبٍ منشور وكل شاذٍ مسطور هو هدف الانتقاء لعناوين الإعلانات التسويقية لبضاعة بائع الصحف السريح، ويطغى شعار (اقرا الحادثة)، لتصبح الحادثة التى جرت مرة الرجل الذى عض كلبًا، وثانية النمل الذى يخرج من أذن صبية، وثالثة المشهور الذى قتلته جرعة مخدرات زائدة، وهكذا دارت خطوات السريحة تُغذى أوقات فراغٍ الموظفين وغيرهم بوعيِ الفراغ المؤهِّل لتنمية وعيٍ جمعى منقطع عن واقعه يسير بخطواتٍ حثيثة نحو عصر العولمة حيث ستستبد بالوعى الإنسانى مؤسساتٌ توجيهٍ تعيد رسم سُلم القيم والسلوك والتفاعل ومعايير الانتماء.

وهكذا اقترنت رحلتنا للوصول إلى أيامنا برحلة تطور أدوات الدعاية والتسويق لدى بائع الصحف السريح، ليرتبط أمر (اقرأ) برابط عضوى مع (الحادثة)، حتى لو لم تكن هناك حادثة أصلًا، فالمتصفح للجريدة لن ينتهى من تصفحه بحثًا عن الحادثة المدهشة قبل أن تكون خطوات السريح قد ذوبته فى الزحام، ولذا يحتفظ الوعى الشعبى بتجسيدٍ لهذا الحال عبر حكاية لبائع صحف كان يسير فى الشارع هاتفًا (اقرا الحادثة 35 حمار ضحية أكبر عملية نصب)، وبعدما باع أول صحيفة تغير هتافه إلى (اقرا الحادثة 36 حمار ضحية أكبر عملية نصب)، هذه النكتة على طرافتها لكنها تمثل تجسيدًا بسيطًا لتعقيد التردى الذى نال الشخصية حيث يمارس ويُقر المواطن السريح - بالنصب علانية، ويتماهى مع فعله المواطن المنصوب عليه طواعية ولا تنزعج الإدارة من معدل التردى الحادث باعتباره ضمانة لحُسنِ القِياد.

ودارت بنا الأيام حتى بتنا على أعتاب ميلاد العالم المستهدف (العالم الجديد)، حيث استحال البائع السريح إلى مُسَوِّق متخصص فى وسائل (التواصل الاجتماعي)، وتحولت الصحف التى كانت مطبوعة إلى برامج حوارية وبوابات إلكترونية، وتنبه تجار صناعة الوعى محتوىً وتسويقًا إلى ضرورة تطوير النداء القديم (اقرا الحادثة)، ليُناسب الزيادة السكانية والتطور فى وسائل التواصل، وهو ما يعنى اختصارًا أن يصبح الشعار (عيش الحادثة)، وهكذا بات للحوادث سوقها الذى يفرض أدق تفاصيلها، مسلسلًا ضامنًا للتسويق الإلكتروني، ولنا أن نتخيل تعدادًا إنسانيًا يتجاوز الملايين المئة عددًا، ويشمل تنوعًا العديد من الجنسيات إقامة ولجوءًا وضيافة وسياحة، وحال احتساب الشذوذ الإنسانى بنسبة (0.01) فى مجمل العدد (100 مليون)، نُصبح أمام عدد حوادث متوقع يبلغ (1000) حادثة، ويُصبح على صُناع وعى الآن مهمة انتقاء أبشعها وأكثرها شذوذًا ووضاعة لوضعها على مائدة العقل المصرى مسلسلًا متعدد الأطباق والأشكال حيث نُتابع فى كل حلقة عدد من خانتهم زوجة وأعمارهم ووظائفهم وصولًا لأن ننتظر انفرادات من عينة (أول صورة للزوجة الخائنة)؟!، وفى خلفية المسلسل البائس بائع صحف سريحُ عجوز يبكى على عُمره الذى أفناه يظن أنه شريكً فى صناعة وطنية استراتيجية هدفها الوعى لا التجهيل وشعارها (اقرأ) لا (تَخَدَر).


لمزيد من مقالات عبد الجليل الشرنوب

رابط دائم: