رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

تركيا.. الحرب فى كل الجبهات

ينفق الرئيس التركى المليارات على مغامراته الخارجية التى تزداد يوما بعد يوم. وتذهب بعيدا. متجاهلا أنه مسئول عن بلد يعانى مشكلات اقتصادية لم تحدث. فالبلد الذى يحارب فى كل الجبهات لديه فى الداخل عشرات الأطفال الذين يموتون بسبب الجوع وغياب مقومات الحياة اليومية. يجرى هذا فى بلد كان قبل أكثر من عقدين من الزمان يُعد من البلاد المكتفية. بابا جان، زعيم حزب الديمقراطية والتقدم المعارض. قال موجها حديثه للرئيس التركى: إن كنت لا تهتم بسعر الدولار وتتجاهل عدد مرضى وباء كورونا من الأتراك. وتضحك عندما تتم مقاطعة كل ما هو تركى فى العالم. إذن يمكن القول إنه لم يعد شىء يهمك فى هذا البلد. الأغنياء يزدادون غنى، والفقراء يزدادون فقرا. والمسافات تتسع بينهما. لدرجة أنه يمكن القول إن الطبقة الوسطى التركية تلاشت. وهو وضع اقتصادى واجتماعى بالغ الخطورة. وهذا جعل المناداة بانتخابات مبكرة الحل الوحيد لإنقاذ البلد من المستقبل المجهول الذى ينتظره. الرئيس التركى يتجاهل المشكلات الداخلية. ويتصور بتجاهله للداخل. أنه قد يتمكن من بناء إمبراطورية كبيرة. تعيد للأذهان المجد العثمانى القديم. الذى عمل على أسس القتل والاستيلاء على البلدان ونهب ثرواتها. وما فعله سليم شاه ابن عثمان فى مصر بعد احتلاله لها 1517م ليس ببعيد عنا. وإن كان هذا الوضع قد مر فى قرون سبقت. فهو من المستحيل تكراره فى عالم اليوم. الذى أصبحت الدنيا قرية صغيرة. ومن الصعب أن يمضى إلى ما لا نهاية. بل لا بد من وقفة. وهذا أمرٌ حتمى. يذهب إلى الشقيقة ليبيا ليقوم بعمليات ترويع للشعب الليبى الرافض لوجوده. وينهب ثروات الليبيين. خاصة البترول. ومحاولات للسيطرة على مقدرات البلاد بطريقة العصور الوسطى. ويتناسى من يقومون بها أننا نعيش فى العقد الثانى من القرن الـ 21. الذى ترفض البشرية فيه فكرة الاحتلال.

عندما يفكر حاكم من الحكام فى الغزوات الخارجية. هذا إن كان يسبقها أى فكر من الأفكار. فإن فكرة الغزو لا بد أن تستند لواقع داخلى فى بلاده يرضى عما يقوم به ويؤيده. بل ربما يدعمه فيما يذهب إليه مهما يكن. السؤال: هل المواطن التركى العادى سعيد بما يقوم به حاكمه من مغامرات خارجية، وحروب طاحنة، واستجلاب للمرتزقة من كل مكان، وإرسالهم إلى جهات متعددة فى مغامرات عسكرية لا نهاية لها؟. المرتزقة كانوا يستخدمون بالخارج بالبلاد التى تقوم تركيا بمغامرات فيها. ولكن مع تململ الوضع الداخلى واشتداد الأزمة المجتمعية. أصبح المرتزقة يستخدمون فى الداخل بصورة تقترب من استخداماتهم الخارجية. أى أنهم يستخدمون ضد الشعب التركى المطحون. والذى يعانى أزمات كل يوم. يأتون بهم من أماكن مثل شمال سوريا. والاحتماء بالمرتزقة ليس اختراعا جديدا. بل ميراث من الدولة العثمانية القديمة.

تعالوا نتسلل إلى الداخل التركى لنرى ماذا يحدث؟ تقول الأرقام الرسمية التركية إنه خلال عامى 2018، 2019 انتحر فى تركيا 566 مواطنا. وقد ينظر البعض منا إلى الانتحار على أنه قرار فردى. يأخذه إنسان وصل إلى حافة اليأس من كل ما حوله. ولم يعد لديه أمل فى أى شىء. فأصبح يلهث باحثا عن نهاية لحياته. لأول مرة سواء فى التاريخ القديم أو الحديث تحدث حالات للانتحار الجماعى. ولا تسألنى كيف؟ ولماذا؟ وما هى الملابسات؟ لأن هذا يجرى ربما لأول مرة فى التاريخ الإنسانى، وهو معناه البسيط أن هناك حالة من غياب كامل للأمل بأى معنى من معانيه. وأن مجموعة من البشر أكثر من فرد واحد قرروا ترك الحياة بقرار منهم.

فى مدينة إسطنبول العاصمة التركية، وفى حى الفاتح فوجئ الأهالى بلافتة على باب شقة سكنية مكتوب عليها: انتباه، الشقة ملوثة بالسيانيد. أخبروا الشرطة، أرجوكم أرجوكم أرجوكم لا تدخلوا الشقة حفاظا على حياتكم. وعندما جاءت الشرطة وفُتِحَ باب البيت تم العثور على أربع جثث لأربعة آدميين. وهكذا وصلت الدراما التركية لآخر ما يمكن الوصول إليه. إن الذين يطلبون من الجيران الحفاظ على حياتهم قد ودعوا الحياة بقرار منهم وبطريقة جهنمية. احتجاجا على أنه لم يعد هناك أى شىء يمكن أن يبرر الاستمرار فى الحياة.

الغريب أن ما جرى فى هذه المدينة تكرر فى مدن أخرى وبنفس الطريقة. وبأعداد لا تقل عن الأربعة فى كل مرة، وسط لا مبالاة المجتمعات الموجودة فى هذه المدن. ولكن يبدو أنه الخوف والرعب من أجهزة الدولة الحاكمة التى أفقدت الناس القدرة على الكلام. هذا وقد تم منع المصورين من تصوير سيارات حمل النفايات من الأحياء الراقية بسبب تكاثر الفقراء حولها لأخذ النفايات منها ليصنعوا منها طعاما لأنهم لم يجدوا فى بيوتهم ما يمكن أن يأكلوه. لا تقل إن ما تفعل هذا دولة فقيرة. إن الأموال التركية موجهة لشراء صواريخ إس 400، وأسلحة أخرى. لكن لا توجد فى الخزائن أموال لشراء الطحين الذى يُصنع منه خبز الفقراء. كل هذا عرفته تركيا عن الكلام مع العثمانية الجديدة والعودة إلى تركيا الكبرى والهلال العثمانى الذى لا بد أن يتكامل مع الهلال الفارسى. ولا يصطدم به بل ينسق معه. والهدف تمزيق دول المنطقة وانتهاك سيادتها. الفساد ينتشر هناك. وقد وصل حتى إلى الدوائر العائلية. وكان الحادث المدوى استقالة وزير المالية التركى براك البيراق، وخطورة الاستقالة أن الوزير صهر أردوغان. مما جعل الاستقالة تهز أركان النظام التركى. بل خرج من يقول إنها ليست استقالة ولكن إقالة. وأيا ما كانت فقد هزت الصورة العامة للحكم فى الحزب الحاكم. وصهر أردوغان لم يحاول استثمار استقالته خوفا من الوضع القائم. بل تراجعت صورته. وإن لم يتراجع عن الاستقالة. مما جعل الاستقالة تبدو كأنها إفلاس للحكم. وكانت قد سبقتها استقالة وزير الداخلية.


لمزيد من مقالات يوسف القعيد

رابط دائم: