رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

التركية العثمانية وأنهار الدماء!(12)

ألممنا بجانب فقط مما قدمته مصر فيما لا ناقه فيه ولا جمل، إلى دولة الخلافة التركية العثمانية، وسوف نرى كيف لاقت مصر بعد ذلك جزاء سنمار، حين أغار الأسطولان الإنجليزى والفرنسى على الإسكندرية فى يوليو 1882، وحين بدأ الاحتلال الإنجليزى لمصر عام 1882م/ 1300 هـ ، دون أن تحرك دولة الخلافة العثمانية ساكنًا، بل أعانت الأعداء وخذلت مصر الداخلة آنذاك فى رعويتها، وأصدرت «فرمانًا» بإعلان عصيان زعيمها أحمد عرابى الذى يتصدى للهجوم البريطاني، وقد وقعت كل هذه المخازى فى عهد السلطان الخامس والثلاثين: عبد الحميد الثانى بن عبد المجيد، والذى امتد حكمه من سنة 1876م/ 1293 هـ، حتى سنة 1909 م / 1327 هـ !.

ما بين سنة 1861م /1277 هـ التى انتهت فيها ولاية السلطان عبد المجيد خان بوفاته، وبين إلغاء مصطفى كمال أتاتورك للخلافة فى 3 مارس 1924م / 26 رجب 1343هـ ـ نحو ثلاثة وستين عامًا، تعاقب فيها على دولة الخلافة ستة سلاطين أو خلفاء : السلطان الثالث والثلاثون: عبد العزيز خان بن محمود، ثم السلطان الرابع والثلاثون: مراد خان الخامس (ابن عبد المجيد خان)، ثم السلطان الخامس والثلاثون: عبد الحميد خان الثانى (ابن عبد المجيد خان) ثم السلطان السادس والثلاثون: محمد رشاد خان الخامس، ثم السلطان السابع والثلاثون: محمد خان السادس، وأخيرًا السلطان الثامن والثلاثون، آخر السلاطين أو الخلفاء: عبد المجيد خان الثاني.

وكان الاستبداد هو القاسم المشترك بين هؤلاء السلاطين أو الخلفاء الستة، وكان أكثرهم استبدادًا السلطان عبد الحميد الثانى المعروف لدينا فى مصر، فاستحق أن يكون المستبد الأكبر!.

تولى السلطان عبد العزيز خان بن محمود فى 18من ذى الحجة 1277هـ / 26 يونيو 1861 م ، ولم يتفق مساره فى الحكم، ولا عزله ، مع الموكب الحافل لتنصيبه الذى بدأ كالعادة من ضريح الصحابى أبى أيوب الأنصاري، ولا مع الاحتفال الضخم الذى استُقبلت به ولايته ، فقد زاد إدبار الدولة فى عهده، وزادت الأمور سوءًا، فما كاد يعلن أنه جاء ناقمًا عما وصلت إليه الأحوال من سوءٍ بالغ فى عهد أخيه عبد المجيد، وأنه آتٍ لإصلاح المفاسد التى شاعت فى المالية، والإدارة، والجيش ـ حتى تبددت وعوده، وجرفه البذخ والترف والتنعّم والإسراف فى التبديد ، وكان من بلاياه أن أوقد شعور البغضاء والحقد بين عناصر الأمة، وأوقع البلاد فى الاستدانة الضخمة من المصارف الأجنبية لتغطية كثرة إسرافه، ثم جاءت النهاية باتفاق كبار رجال الدولة على عزله، واستصدروا فتوى من شيخ الإسلام بوجوب عزله، لأنه مختل الشعور، يبدد الأموال الميرية (الأميرية) فى مصارفه النفسانية. وفى 6 جمادى الأولى 1293 هـ / 29 مايو 1876 ، تم عزله ، ومبايعة السلطان الثالث والثلاثين مراد خان الخامس ( ابن عبد المجيد). ولم يستكمل السلطان مراد خان الخامس فى الحكم شهورًا، وقبل أن تنقضى هذه الشهور، مات السلطان المعزول «عبد العزيز خان ميتةً كثرت فيها الروايات والأقاويل، ما بين قائل بأنه قَتَلَ نفسه لاختلال قواه العقلية بعد خلعه، وبين قائل بأن المتآمرين على عزله قتلوه خيفة أن يعود إلى الحكم، إلاَّ أن الغموض ظل مكتنفًا كيفية موته، رغم اجتهاد الوزراء فى تكليف أطباء القناصل لكتابة تقرير طبى يرجح أنه قَتَلَ نفسه.

وقُتل أيضًا فى هذه الشهور التى تولاها السلطان مراد خان الخامس, قُتل كل من حسين عونى باشا ومحمد راشد باشا، فى قصة طويلة متهمٌ فيها حسن بن إسماعيل بك أحد أعيان الجراكسة الذين هاجروا من بلادهم بعد دخولها ضمن أملاك الدولة الروسية. إلاَّ أن السلطان مراد نفسه، لم يلبث أن عُزل من السلطنة لاختلال قواه العقلية، فقد ظهرت عليه فيما قيل بوادر الاضطراب العصبى عقب توليته بنحو أسبوع، ثم تفاقمت حالته سيما بعد خبر قتل حسين عونى باشا ومحمد راشد باشا، وبدأت تداخله خيالات حالت دون الاحتفال بتنصيبه وتسليمه السيف السلطانى فى جامع أبى أيوب الأنصارى كما تجرى المراسم، واستدعى الوزراء لفحصه الطبيب ليدزورف النمساوى الشهير بمعالجة الأمراض العقلية، فأفاد بأنه ميئوس من شفائه، وانتهى الأمر باجتماع الوزراء يوم الأربعاء 10 من شعبان 1293 هـ /30 أغسطس 1876 م، حيث قرروا بوجوب مبايعة عبد الحميد خان الثاني، وتمت مبايعته فعلاً فى اليوم التالى بعد عزل السلطان مراد خان الخامس الذى لم يلبث فى الحكم سوى ثلاثة شهور.أما السلطان الخامس والثلاثون: عبد الحميد خان الثاني، فقد تم الاحتفال بتنصيبه وفقًا للمراسم المعتادة ، فى 18 شعبان 1293 هـ / 10 سبتمبر 1876م.

وقد حاز هذا السلطان المعروف تمامًا للمصريين، لقب المستبد الأكبرـ وزاد البلاء فى عهده، حيث لعبت الهواجس برأسه لكثرة ما سمع من حوادث قتل وخلع أجداده, وآخرهم عبد العزيز خان الذى خُلِعَ وقيل إنه قتل, فأكثر السلطان عبد الحميد فيما يقول الأستاذ أحمد أمين ـ أكثر من العيون والجواسيس, وتعقب كل صاحب فكر أو رأي, وداخله أنه السلطان الأعظم, والخاقان الأفخم, وسلطان البرين والبحرين, وإمام الحرمين الشريفين, وأنه ظل الله فى أرضه, وجعل يصادر الكتب التى جاء فيها أن الأئمة من قريش, ويمنع طباعة العقائد النسفية، لأنها تتضمن فصلاً عن الإمامة وشروط الخلافة, وفرض شروطًا وتراخيص للسماح بدخول الكتب المطبوعة أو القادمة من الشام والعراق, وصادر كتبًا لمجرد عبارات أو عبارة وردت فيها. وبذلك اقتربنا من ميقات الوزر الأكبر والجرم فى حق مصر التى لم تسلم من استنزاف ثرواتها وخيراتها، وما قدمته وبذلته للدولة العلية التركية العثمانية بصفوة رجالها وقواتها وأسطولها، فلم تلاق من دولة الخلافة إلاَّ جزاء سنمار! أما فصول هذه المأساة، فعلى لقاء معها بالمقال القادم بمشيئة الله.


لمزيد من مقالات رجائى عطية

رابط دائم: