رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

سعيد الكفراوى

إلى وقت قريب كانت الحياة الأدبية والثقافية المصرية أسرة واحدة، تسعى إلى هدف نبيل، وتتفق على الثوابت التى أسست الأجيال السابقة لها، وأهمها الدفاع عن الدولة المدنية ومقاومة الإرهاب والاتجار بالدين والتصدى الحاسم للتطبيع، والدفاع عن الدولة الوطنية والمطالبة بالحريات والعدالة الاجتماعية، المساس بهذه الثوابت كان، ولا يزال، خطيئة لا تغتفر، تلقى بالمخطئ خارج الدائرة، يحدث هذا بدون اتفاق مسبق، وبدون شعارات سياسية، الأدباء والشعراء والرسامون والنقاد والمسرحيون والسينمائيون ومتذوقو الفنون يخوضون معركة الناس والدولة ضد القبح، معظم الرموز رحلوا في وقت قصير، وتركوا فراغا موحشا بغيابهم الجسدى، ولكنهم في الوقت نفسه تركوا رصيدا عظيما يليق بمصر المبدعة، وخلت الساحة تقريبا من الذين يمكن الاحتكام اليهم في المسائل الملتبسة، وظهر آخرون من ذوى الأرواح الضيقة التى تحركهم آليات السوق، من المسنودين على كفيل داخلى أو خارجى.

الى وقت قريب كان وسط المدينة مضاءا بالحكايات الشجية التى يسكبها الأساتذة على المريدين، يكفى أن تعرف نفسك بقصيدة أو قصة لتكون واحدا من الأسرة الكبيرة، وعليك أن تلزم حدودك وأنت تتحدث إلى موهوب أجمع الناس على موهبته، في كتابة حرفة الأدب في مصر «ترجمة بشير السباعى» اعتبر المستشرق الفرنسى الكبير والصديق ريشار جاكمون الأدب حرفة لها قواعد وتقاليد الحرف الأخرى، ولكن بدون اتفاق مكتوب، من الصعب حصر أسماء الكبار الذين رحلوا في السنوات الأخيرة، والذين تسبب غيابهم في حدوث خلل جسيم في تركيبة «الكبار»، بالطبع توجد أرواح عظيمة في الأجيال اللاحقة، ولكن الفراغ الذى تركه هؤلاء مع التغيرات العنيفة التى طرأت على الوجدان الجمعى تجعلك تشعر بالخطر، عندما تشاهد الكاتب الكبير سعيد الكفراوى وهو يتمم على العالم القديم في وسط المدينة تنتابك حالة من الشجن، لأنه سيجبرك على استعادة الراحلين من أصدقائك وأساتذتك الذين عشت معهم وبهم أكثر من خمسة وثلاثين عاما، بدءا من نجيب محفوظ ويوسف ادريس ويحيى حقى، وانتهاء بعفيفى مطر وجمال الغيطانى وعلاء الديب وأحمد فؤاد نجم وعبد الرحمن الأبنودى وسيد حجاب.

سعيد الكفراوى رغم أناقته المعهودة وسفرياته الكثيرة في بلاد الله، يشعرك أنه قادم من قريته كفر حجازى مركز المحلة الكبرى للتو، وأنه لم ينزع جلبابه البلدى بعد، يحكى أنه حين قدم إلى القاهرة فى الستينيات من القرن الماضى، ذهب بجلبابه هذا إلى الأستاذ يحيى حقى في مجلة المجلة ليقدم له قصة للنشر، أحب الرجل الكبير هيئته، وطالبه بقراءتها أمامه، ونشرها له، ليدخل الكار من أوسع أبوابه، ويخلص لفن القصة القصيرة وينجز فيه 12 مجموعة قصصية، تحتفى بالمنسى في ريف الدلتا، وقاهرة المنسيين، سعيد الذى بلغ من العمر واحدا وثمانين عاما مازال يتحصن بالطفل الذى بداخله لمواجهة العالم الجديد بالحيل البسيطة المدهشة، هو سليل الأساطير التى عرفها، سليل ألف ليلة وليلة وقراءة الأدب العالمى، مرة في باريس تحدث عن أساطيره الخاصة، المتمثلة في جدته التى كان لها بقرة لا يتم حلبها إلا على يديها، غابت الجدة ثلاثة أيام في المدينة، فاحتبس اللبن الذى كاد أن يؤدى إلى وفاة البقرة، ولكنها بمجرد سماع صوت الجدة خرج اللبن متدفقا فرحا، ويقول دائما، «الكتابة بالنسبة لى هى المسافة بين مصدر الصوت وانهمار اللبن»، يتحدث الكفراوى عن العالم القديم بشجن وأسى، وخفة ظل أيضا، ولا يمل من إعادة الحكايات نفسها، كأنها جزء منه، لم يلبس قناع المثقف المتجهم مرة في حياته، هو رجل بسيط طيب القلب يريد أن يحكى حكايته، لا يريد أن يكون هناك مغزى في الكلام، أذكر أنه عندما كان يزورنى بصحبة الشاعر الكبير عفيفى مطر في قريتى في التسعينيات، كان يستأنف الكلام مع أصدقائى وأقاربى كأنهم كانوا معه وكأنهم من بقية أهله، المودة والحميمية وصفاء النبرة جعلته قريبا من الجميع، هو من شلة المحلة كما كانت تسمى، مع الأنقياء الموهوبين جار النبى الحلو ومحمد فريد أبو سعده والراحل محمد صالح الذين عرفتهم عن قرب، وأيضا الدكتور جابر عصفور ومحمد المنسى قنديل وأحمد الحوتى، هو من جيل الستينيات الذى شهد صعود الحلم وانكساره، سجن ستة أشهر لأنه نشر قصة سنة 1970، وكان المحققون يتعاملون معه في الصباح على أنه شيوعى على علاقة بالكبيرين إبراهيم فتحى والأبنودى، وفى المساء على أنه إخوانى بسبب خاله، وهو لا هذا ولا ذاك، وتجربته هذه استلهمها نجيب محفوظ في رواية الكرنك من خلال شخصية إسماعيل الشيخ، سافر إلى الخليج ولم يعد إلى مصر إلا بعد رحيل السادات بسبب قصة ضد كامب ديفيد تحولت الى فيلم عراقى، تشعر وأنت معه أنك مع الريف الذى كان، أنك في الزمن الذى لم تعشه وكنت تتمنى أن تكون هناك، أنت مع رجل يحب الناس ويحب الخير لهم، رجل يشعر بالرضا، «والذين يشعرون بالرضا خطواتهم راسخة»، تربص به كثيرون، ولكنهم آمنوا بموهبته بعد ذلك، لأنه لم يزاحم أحدا على شيء، وعاش مخلصا للكتابة والخير، يبحث عن الخرافة ويعجنها مع الواقع والزمن، بلغة هى أقرب إلى الشفاهة منها الى اللغة المكتوبة، محملة بطاقة شعرية عظيمة، وبأحزان لا يعرفها إلا المصريون ... رحمة الله عليك يا عم سعيد.


لمزيد من مقالات إبراهيم داود

رابط دائم: