رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

عالم ما بعد ترامب

سيغادر ترامب البيت الأبيض فى الموعد المحدد 20 يناير المقبل، فقد بدأت إدارته تستوعب الهزيمة فى الانتخابات، ولم يعد هناك بصيص ضوء لاستمراره فى الحكم رغم إقدامه على إقالة وزير الدفاع وعدد من قادة البنتاجون، ونفوذه فى المحكمة العليا فهو بعيد عن الواقع، وإن كان يشير إلى أن ترامب العنيد سيواصل المعركة مع بايدن والحزب الديمقراطى بعد خروجه من البيت الأبيض، فلديه قاعدة شعبية قوية وقادرة على وضع العراقيل أمام بايدن، إلى جانب الأغلبية الضئيلة فى مجلس الشيوخ، والتى حافظ عليها الحزب الجمهورى بصعوبة، لكنها لن تفعل الكثير، لأنها لا تزيد على مقعدين، ولترامب عدد من الخصوم داخل حزبه، لا يمكنه التعويل كثيرا على تصديهم للقوانين التى ستقدمها إدارة بايدن وحزبه الديمقراطى المعزز بأغلبية واضحة فى مجلس النواب، لكن ما يقلق ترامب أنه سيكون عرضة لحملات إعلامية وقانونية قوية، ستفتح له ملفات عديدة تنال من سمعته، فمعظم الإعلام الأمريكى يعادى ترامب، ومملوك لمؤسسات وشخصيات ترى فى سياساته خطرا على مصالحها، ولهذا ستتواصل الحملات بين الطرفين المنقسمين، والآمال ضئيلة فى إمكانية رأب الصدع داخل المجتمع الأمريكي، فالمشكلة تكمن فى تعارض التوجهات والمصالح مع استفحال أزمة الرأسمالية الأمريكية بجناحيها الرئيسيين، جناح العولمة الليبرالى الذى يستشعر خطورة اليمين القومى الشعبوي، والرأسمالية القومية التى تتعلق بسياسات ترامب وترى فيه المنقذ لها من أزمتها، والتى تريد حماية الأسواق الأمريكية والحد من تدفق السلع الأجنبية المنافسة، حتى من دول الاتحاد الأوروبى وليس من الصين وأعضاء منظمة شنغهاى التى تشكل التهديد الأكبر للرأسمالية الأمريكية، بينما جناح العولمة فى الرأسمالية الأمريكية تجمعه الكثير من المصالح مع تلك البلدان، حيث استثماراتهم الكبيرة فيها، ويؤيدون حرية التجارة وفتح السوق الأمريكية أمام منتجات استثماراتهم فى الخارج، والتى كان يسعى ترامب إلى استعادتها، وتقديم تسهيلات أكبر لإغرائها على العودة عبر خفض الضرائب وتحسين البنية التحتية، لكن العولمة ماضية بسرعة ولا يمكن إيقافها، رغم انتعاش اليمين القومى الشعبوى فى أوروبا والولايات المتحدة فمستقبله محكوم بالفشل، ويمكن أن نطلق عليه اسم السلفية الرأسمالية الحالمة بالعصر الذهبى للرأسماليات القومية فى زمن الاستعمار القديم، الذى كان يفرض سيطرته بالقوة المسلحة عبر الاحتلال المباشر، بينما سلاح العولمة يعتمد على القوة الناعمة والجيل الجديد من الحروب، وإضعاف الحكومات القومية عبر النفوذ المالى والإعلامى وجماعات الضغط التى تعمل تحت شعارات الديمقراطية وحقوق الإنسان، ويحظى جناح العولمة بنفوذ أقوى داخل الحزب الديمقراطي، ولهذا سيحدث الصدام عاجلا أم آجلا بالجناح اليسارى داخل الحزب، وقد يصل إلى حد الإنفصال، ويتمتع اليسار بقيادة بيرنى ساندرز بنحو 37 نائبا فى مجلس النواب، وهو معضلة جديدة ستواجه بايدن الأقرب إلى الليبرالية الجديدة، والذى لا تجمعه باليسار إلا العداء لليمين القومى الشعبوى المتمثل فى الترامبية، والتى تحاول إلصاق أزمة الرأسمالية بالمهاجرين. إن الأزمة التى تمر بها الولايات المتحدة لا تخصها وحدها، بل لها أوجهها فى العديد من دول أوروبا التى ينتعش فيها اليمين الشعبوي، والتى ترى أجنحة العولمة فيها أن روسيا تشكل الخطر الأكبر، وأن الصين عدو يمكن التفاهم معه، بانفتاح الصين وسيرها على طريق العولمة، لكن المخاوف من تحول الصين عن الطريق بعد أن استقوت صناعيا وتكنولوجيا مازال يشكل هاجسا كبيرا لرأسمالية العولمة، ولهذا كان الرئيس الأمريكى ترامب يرى فى روسيا صديقا محتملا، بينما الصين الماضية بسرعة على طريق العولمة لا تشكل الخطر العاجل، لكن نظام الصين السياسى لا يتناسب مع توجهات العولمة، وقد يغير المسار فى الوقت المناسب لها، لتكون الخصم الأكبر للرأسمالية بجناحيها، ومن هنا يأتى الحذر من توجهات الصين الغامضة، والتى يمكن أن تصبح الأكثر تأثيرا ونفوذا ولا يمكن إيقافها، سواء على الصعيد الاقتصادى أو العسكري، خصوصا مع قفزاتها التكنولوجية الواسعة، وتسريع وتيرة إنفاقها العسكري. إن جذور الأزمة الأمريكية تكمن فى أن بها رأس الرأسمالية الأقوى وجسدا يضعف، وتعتمد فى قوتها على القطاع الخدمى والمالى والدولار، بينما تمتلك الصين الجسد الأقوى، والساعية إلى تشكيل رأس موازية، وسيحتدم الصراع بين العملاقين.


لمزيد من مقالات مصطفى السعيد

رابط دائم: