رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

الرحيل

حسين عبد الرحيم ;

بمستشفى الزهور وخلف المشرحة ظهرت ثلاجة الموتي، تمدد جسد الصديقة فوق طاولة باردة من الصاج، عندما نادانى اللحاد الذى جاء فجرًا، فرغت النسوة المغسلات من تكفين الجسد.

قال اللحاد:

عليكم بالدخول مرة واحدة لإلقاء النظرة الأخيرة وتوديع المتوفاة،

دخلن: شقيقاتى فاطمة والباتعة وحنان وهالة.

تسمرن أمام الطاولة لنصف الساعة، رأيتهن، من خلفهن، من ظهورهن، تتطوحن فى وَهَن وقت أن عصفت رياح الخريف تضرب جلابيبهن السود لتظهر تفاصيل الأجساد الهشة وقد رحن فى بكاء هستيرى وأنا أنصت للشقيقة الكبرى فاطمة:

«ماتسيبنيش لوحدى يا أمي، أنا وحيدة من بعدك، لا يزورنى أحد إلا الحسين، حتى الحسين لن يأتى بعد رحيلك يا غالية».

تماسكت وولجت أوارب باب الثلاجة. أرى محمد شقيقى وقد نظرها فى توتر وجزع وحيرة وحسرة، يتضاءل جسده، يقترب من الأرض المبتلة تحت أقدامنا.

خرج يبكى فى رهافة، بوجه فى الأرض، تبعه قدرى الذى انفرط ينهنه، صرت داخل الثلاجة أتلفت، أتتبع شقيقى الكبير على الذى أصفرَّ لونه وانكمشت ملامحه ذائبة فى أزرق خفيف، واهن الجسد تقزمت قامته وانحنى ينظر الصديقة فى دهشة، وقفت خلفه فى ذعر وقد فرَّ بوله فى بنطلونه الجينز.

خرج واقتربت أطرق باب الثلاجة، كنت وحدي، سيدتان تقفان على الباب فى جهامة تراقباني، نظرتا إلى ملامحى وقالت إحداهن:

ــ حضرتك الحسين؟

لم أرد.

ــ الصديقة سألت عنك كثيرًا.

نادت اسمك قبل الوفاة لأكثر من مرات سبع.

ماتت، ماتت الصديقة .

ــ وجدناها باكية تردد اسمك، تؤكد بلا وعي:

«لاتحزن وخلى بالك من أخواتك».

اقتربتُ أدفع الباب من الداخل، أدنو بفزع ورهبة من رأسها. كان الجسد قد تضاءل، مفرودة بساقيها الجميلتين وقدميها الصغيرتين، متوجسًا كنت، أدقق النظر فى جسدٍ صامت.

تسمرت قدماى فى مكانهما، أتحرك بوهن، أدعك عينيّ، أرمى بنصف قرص من الترامادول فى فمي، بلا ماء.

ينزلق نصف القرص فتشتد عروقى بتيارات هوائية كاسحة، ينتصب جسدى برياح عاصفة، تندفع الرياح فتزيد من عزمي، تصطدم بذيل بنطلونى الكاوبوي، يقتحمنى الهواء والعواصف، أحكم غلق السويتر الجوخ فوق جسدي.

رأيت ذراعاى وقد تمددتا فى خوف، أتامل ملامحها من جديد، وجهها، جبينها، مطوقة بعصابة من الكتان تحجب بؤبؤى عينيها، من الحدقة حتى شراشف الحاجبين، أنظر بلا وعي، لأجد تلك الخطوط الطولية والعرضية، أدنو متحسسًا جبهتها العظمية النحيلة، ألامس جلدها الرقيق وقد انفردت أصابعى المهتزّة تسعى للشوف، أواصل التحديق، أنزع العصابة، أرى الدمع وقد تجمد فى مقلتيها الغائرتين، الهوتان السوداوان السحيقتان للنن الفيروزى الذى رشق فى عينيّ فأحسستها مستيقظة، فردت ذراعيها وعينى ترقب خطوط الطول والعرض لأسرح فى زمن بعيد يمتد لعقود فارقة فى رحلتنا فى الحياة الدنيا، لم تخرجنى التلاوات الخاشعة الآتية من الخارج فى صوت سماوي:

«وهزى إليك بجزع النخلة تسّاقط عليك رطبا».

لم ألتفت للأصوات، الدموع فرّتْ مالحة، تقترب من فمي، أغوص فى تفاصيل الخطوط:علامات الزمن. تائهٌ أجترُّ المحطات والأحداث، ميلادها، حياتها، مسارها، كيف كانت وعاشت وعانت، صبرت ولم تكفر.

تنفلت أصابعى مني، الوسطى والسبابة والإبهام، وتتسلل لتفحص علامات السنين، أتأمل الدهر كله، حياتي، أعودُ لأزمنة ومحطات عتيدة فى رحلة الصديقة:

أرى أبى فى بلاد غريبة، بعد منتصف الليل، يضرب رأسها ببوز حذائه، أمى تتقلب فى فراشها قائلة:

ــ تعبانة يا حسانين،

تعبانة يالحسن.

يقول حسانين:

ــ وهل ستسافرين غدًا لدمياط لتحميل الجوافة؟

الدموع لا تتوقف، المطر ينهمر فى شتائنا القارس، ينخر عظامي، أطرافي، قدمى وظهرى النحيل جهة الباب الموارب يرمى بحزم ضوئية هاربة، أبى يعلق قدمه اليسرى فى رباط من الشاش يتدلى من السقف العالى وقد أشعل سيجارته فى الظلام مواصلًا الثرثرة داعيًا على الصديقة بالموت والدهس فى الأسفار، أمى تنزوى وحدها.

أجول فى العام السابع والثلاثين بعد تسعمائة وألف، عام ميلادها، وقد أتى بها جدها من دمياط، أتأمل رقدتها فوق طسوت الغسيل ورفضها للنعاس وهى تجلس القرفصاء فوق الكوبرى الحديدى بطلخا ساهرة لحراسة أقفاص الجريد وأسبتة البرتقال.

أسأل نفسى وأنا شبه تائه، شبه مخدر، شبه حي، نصف ميت، تغسلنى دموعى وقت أن تحركت شفتاها وفردت ذراعيها فبانت مساحات البياض والخضار يبرقان بعينين نافذتين تناجيانى فى لهفة

شقيقاى يتشاجران، تقف الصديقة كحاجز مانع بينهما، تندفع الأيادى والأرجل فى البطون فتسقط نازفة، يصطدم كتفها فى جدار صلب، وتروح فى نزيف، الدماء تتساقط من صدغها وفمها.

ناديتها، السلم مظلم، ناديت، فتحركت فى مرقدها، باتت طاولة الصاج فاترة وأنا أتحسس أصابع كفها اليمني، أتوه فيما مضي. أرانى وقد عدت من سفر طويل، بزى ميري، بعد منتصف الليل، أضرب باب بيتنا الذى لا أعرفه ولم ولن استدل على عنوانه ولا عنوان الكائن أيًّا كان.

تخرج أمي، تنادينى الصديقة.

تجاوبني، تأخذ بيدى فى الظلام، أضاءت نور السلم هناك، فى بلاد بعيدة.

تقوم من نومها، تترنح فى فزع، ينسحب جسدها فى رداء باتستا رخيص، تفتح الباب، تحتضنني، تحمل عنى حقائب السفر الطويل، تقعص شعرها المسترسل وتشعل وابور الجاز، تردد فى بهجة وحبور، سبعة وخمسين يوما وانت هناك يا ولدي، وجاى من دهشور لغاية الجيزة، الجيش والوطن.

تجف الدموع، وأنا الذائب أحدق فى عينيها الفيروزيتين تنظراننى فى عطف وحنو.

أسافر فى بلاد تخصنى وحدي، مع صوت وشيش الوابور وهى تعد لى الطعام بيمينها وكفها اليسرى ترتعش، يتراقص لهب اللمبة داخل مصباح الكيروسين، تمتزج دموعى بضحكاتى الساخرة، بنشوة ودفء، أرجوها أن تعود لفراشها.

دنوت فى وضع الركوع أقبل وجنتيها، جبينها، كفيها، أناملها، أربت على كتفيها فى خفة وثقل، أنظر عينيها فتنفتحان فى يقظة وثبات، يتحرك النن الأيسر.. يجول.

يطوف بجسدى وهيئتي، يستطلع ملامحي، ترفع ذراعيها، تطوف بأناملها الرقيقة على عيني، تتحسس بطني، تسألنى بلا صوت:

ــ متى عدت من السفر؟!

تنفرج شفتاها لتعلن عن ضحكة أخيرة وقد حوطتنى بذراعيها النحيلتين، أنكفيء فوق بطنها، أرمى برأسي، أدفسها فى صدرها، أحتضنها، أشتم رائحة شعرها، فمها، فيعود بى الزمان للوراء.

راق ماء الجب، ابتعد السواد الغامق فى جنبات البحيرة، يبتعد الخلاص وتسحب رأس الطفل بعيدًا عن البئر الأسود.

أحتضنها من جديد طائفًا بالجسد، أتحسس قدميها الصغيرتين، أغطى صدرها المتهدل، أسوى خصلات الشعر المسترسل فى سواد ليلى الطويل.

تدعك جفونى برفق، تضع البنسلين فى عيني، تهدهدني، تغطى جسدى البردان المرتجف فى ليالى السفر .

أتوه واجتر، أراها وقد زعقت على حسانين قائلة:

ــ لن يسجن ابنى علي، سأبيع مصاغى حتى نسدد ديننا لفتحى المر.

يهرب شقيقى من البيت مواصلًا نزواته فى فرار وتحليق وعبث غير مجدٍ، تفك كيسها وتعطى الجنيهات، خمسة، للصياد الواقف على كوبرى طلخا الحديدى يلملم الأسماك الطازجة فى طرحة واحدة، ويأتى بالحصاد اليومى على البيت فى طلخا.

الأصوات تقتحم ذاكرتي، واللحاد يناديني، مرات ومرات ومرات.

أنا شبه نائم، مخدرٌ تسيل دموعى وعينى راشقة فى جسدها المسجي، تنفرج ساقيها، أتكوم بطولي، أتقازم، ألملم جسدى وقت أن تهاوت ذراعاها، ألبد فى صدرها، أسحب أناملها بالأصابع، بالكفين أضعهما فوق ظهري، أرانى وقد تكورت، مابين بطنها البيضاء وعنقها الشامخ، أتطلع لعينيها البارقتين وقت أن رفعونى النسوة وأشقائى عنوة من بين ذراعيها وأنا أردد:

«خذينى معك يا الصديقة..خذينى معك».

تزيد دموعي، وتنهمر دموعها فى حبات لؤلؤية، تشبه ندى فجر العمر، أسمع شقيقى على يناديني، أذهب مترنحًا فى وهن، أُنقّل قدميّ بصعوبة وقت أن سألنى عن تصريح الدفن، أشعل سيجارتى فى الممر الوحيد الفاصل بين ثلاجة الموتى والمشرحة، أنفث الدخان، اتأمل اللهب والدخان، أرى الصديقة وقد فارقت الثلاجة، بجسد أبيض ملفوف بقماط أزرق، ذائب فى نثار بياض ثلجي.

تفرُّ طاولة الصاج لتصطدم بالأقدام، يتعالى الجسد ويطوف، يتنقل ما بين على ومحمد، وجسدي، وتلك الهالات الشديدة البياض.

رفرف جسد أمي، غابت الشمس فى سماء بورسعيد، كوّمت ذراعيّ فوق صدرى ثم فردتهما، نظرت فى وَلَه وقد تجلّى جسد الصديقة شفيفًا، يتعالي، يحلق، ينفذ للقبة العالية لمسجد مريم، يفارق المئذنة والقبة، يعبر رؤوس النسوة، يفارق السماوات، نورٌ قدماها وهى تسرى وتطوف راشقة فى سماوات الله. زعق اللحاد:

«من فضلكم عايزين نلحق الظهر فى مريم».

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق