رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

منمنمات ثقافية
«العيب».. فى القرن الحادى والعشرين !

ما بين تماثل وتقاطع ومتشابهات ومخزون تذكرى لنصوص سابقة تفاعلت مع رؤيته وتجربته الذاتية وقناعاته الشخصية يقدم الكاتب والناقد د.حسن البندارى روايته الجديدة القصيرة «ثورة هاميس».

الرواية التى جاءت فى أقل من ثمانين صفحة استدعت من زاوية منسية فى ذاكرتى ما سطره كاتبنا الكبير يوسف إدريس فى روايته «العيب» فى ستينيات القرن الماضى، فظل يخايلنى فيما تتنقل عيناى بين صفحات رواية جديدة بينها وبين العمل الأول ما يزيد على نصف قرن. وفى تقديرى المتواضع أن «ثورة هاميس» وإن تناصت مع أعمال أدبية سابقة وعرضت لأفكار ومعان وأسئلة شغلت الإنسان منذ استوطن الأرض حتى اللحظة، تحمل فى ثناياها جديدا يستحق أن نتوقف أمامه لنتأمله سواء من حيث الأسلوب والرؤية الفنية للكاتب أوالصراع الأزلى بين الخير والشر فى ظل المتغيرات التى لحقت بمجتمعات القرن الحادى والعشرين.فرغم أن الكاتب يتناول الفساد وأساليب مرتكبيه التى تطورت عما وصفه واعتبره يوسف إدريس «العيب» فى روايته التى ظهرت فى ستينيات القرن العشرين، فإن رواية البندارى، رغم اختلاف الزمن وطبيعة أداء المفسدين، جاءت مغلفة برؤية كاتب، طفولته وشبابه تلونا بأجواء المد الثورى وشعارات الاشتراكية وانتصارات وانكسارات الوطن منذ منتصف القرن الماضى، لتشى بكم من المتناقضات بين الواقع وانعكاساته على نفس مبدع يؤرقها غموض محير لحاضر غير مألوف أو مفهوم!.

فبينما يدقق «يوسف إدريس» فى «عيب الستينيات» تفاصيل الحدث ويوغل فى أعماق الشخصية محاولا استكشاف دوافع فساد الشخصيات المحيطة ببطلة عمله «سناء»، ومحاولاتهم دفعها للمشاركة فى عملياتهم المشبوهة، سواء بالترغيب، أو بحثها على غض البصر عما يحدث حولها، أو إيهامها بقصة حب مكذوبة لتصبح شريكة ولو بالصمت، حماية لحبيبها المرتشى الذى يستيقظ ضميره فى النهاية لينقذها من السقوط.. وبينما ينفذ إدريس لما وراء السطح لكشف التناقض فى شخصية «الباشكاتب» المرتشى الذى فى سعيه لستر ابنته بنقود التصاريح المضروبة، لا يستشعر العيب وهو يستدرج البطلة لتتخلى عن شرفها وضميرها وتشاركهم الفساد، على غير عادته لا يعنى «البنداري» فى هذه المرة بتفاصيل الحدث وتاريخ الشخصية ودوافعها، فيرسم فى لقطات سريعة لاهثة المشهد بشخصياته وأحداثه المتلاحقة وكأنه يواكب سرعة زمن تخلى ناسه عن التدقيق فى التفاصيل أو التوقف أمام الجزئيات. وعبر نثار عبارات متفرقة تتكشف أبعاد بعض الشخصيات كما فى حالة «أنيس الزعفراني» الذى يرفض الفساد ويقاومه بروح مقاتل فى الجيش يدرك معنى الانتماء للوطن وبالتبعية للشركة التى يعمل بها، وشخصية «غريان الستاني» الفاسد الحاقد على نقاء وتميز أنيس منذ طفولتهما فى بلطيم.. وفى «اسكتشات» سريعة لشخصيات لكل منها نصيب من اسمه، يلملم البندارى أطراف الحكاية وقدر أبطالها، فـ «هاميس» ــ الاسم الذى يطلق على عروس النيل والمرأة المكافحة الدءوب المثابرة المدافعة عن الحياة، تتماهى مع شخصية إيزيس يوم لملمت أشلاء «أوزير» وظلت تترقب الأمل والخلاص على يد ابنها «حورس» فى قرون خلت، ليصبح منصور أنيس بدوره حورس القرن الحادى والعشرين..و«أنيس» الونيس والسند، و«منيرة نسيم» التى أضاءت المشعل لكشف الفساد ومضت تاركة وراءها نفثة من روحها، واختطاف «أماني» وكل الأمانى و..و..

وفى بنية سردية يتناوب فيها «هاميس» و«أنيس» الحكى، يتكشف عيب وفساد مختلف، معدوم الإنسانية والضمير، بل والحرفية والمهارة، ليظل أقصى ما يمكن أن يستوعبه قلب وعقل كاتب، ــ تشكلت معطياتهما فى زمن خلا، وإن ساير متطلبات فنية فرضها إيقاع زمن لاهث وذائقة قارئ لا يعنى بالتفاصيل ــ، إن غياب الانتماء هو العيب وأصل الفساد..ولعل هذا ما دفع الكاتب للزج بعبارة «الشركة المحبوبة» على لسانى «هاميس» و«أنيس» بصورة متكررة، وإن أخلت بسلاسة عبارات البندارى، يمكن التجاوز عنها فى ظل مفارقة «العيب» بين زمنى إدريس والبندارى.


لمزيد من مقالات ســناء صليحــة

رابط دائم: