رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

محمود ياسين خديوى المسرح المصرى

محـمـد بـهـجـت
مشهد أرشيفي من بروفات أحد عروض الفنان الراحل

قبل صلاة الجنازة على والدى الكاتب الصحفى أحمد بهجت رحمه الله فى مسجد السيدة نفيسة كان هناك رجل يحتضننى ويقرأ القرآن وأنا أبكى فى صمت.. كان هذا الرجل هو الفنان العملاق محمود ياسين.. أحد أهم عمالقة المسرح والسينما فى الوطن العربى، ومثلما كان نموذجا للبطل الشهم الطيب الغيور فى كثير من أعماله الفنية.. كان فى الحقيقة أكثر نبلا وفروسية.

أذكر مرة وكنا نصور مسلسل فوازير الأدباء الذى شرفت بتأليفه له.. أصيبت الفنانة الراحلة نادية فهمى بأزمة صحية.. وفى لحظات كانت تستند على كتف الأستاذ محمود ياسين وهو بملابس الدور التاريخية وصحبها إلى أقرب مستشفى وهو يصرخ فى سائقه أن يعجل السير على غير عادته.. وأذكر مرة أخرى أنه رفض التصوير واستكمال العمل إلا بعد أن يحصل جميع العمال والفنيين والممثلين الشباب على حقوقهم المادية وأن يكون هو آخر من يأخذ أجره!

حكايات عديدة كنت شاهدا على بعضها ومستمعا لبعضها الآخر ترسم صورة حقيقية لفارس من فرسان الكلمة المؤداة والمكتوبة أيضا.. لا يعرف الكثيرون أن محمود ياسين كان موهوبا فى الكتابة بالقدر الذى جعله يشارك فى تأليف مسلسل «رياح الشرق« وهو أصلا فكرته عن فترة سقوط الخلافة الإسلامية فى الأندلس وهى فترة فى منتهى الثراء من الناحية الدرامية.. كما كان يضيف بعض الجمل الحوارية المؤثرة التى تعمق المعنى وتزيد من وضوح رسم الشخصية المتحدثة، وذلك بعد استئذان المخرج والمؤلف.. ويحكى هو نفسه فى أحد الحوارات التليفزيونية كيف أضاف إلى فيلم «قاهر الظلام» عن حياة عميد الأدب العربى طه حسين جملة يقولها لزوجته سوزان فى ليلة زفافهما هى «كنت دوما أرى الحياة بعينيك.. والآن ما أحوجنى إلى بصرى لأراك» كما كان محمود ياسين على دراية وإلمام كبيرين بفن الإخراج.. وساعدته ثقافته الموسوعية المتنوعة على النجاح والتألق لما يزيد عن أربعين سنة وحسن اختيار الشخصيات والنصوص الراقية لاسيما على خشبة المسرح القومى الذى أحبه وعمل به ممثلا ومديرا ناجحا.. يقول المؤرخ المسرحى الدكتور عمرو دوارة : إن محمود ياسين قدم عشرين مسرحية بدأت بمسرحية الحلم عام 1964 من تأليف محمد سالم وإخراج عبد الرحيم الزرقانى ومن أهم أعماله المسرحية «حلاوة زمان».. «سليمان الحلبي».. «وطنى عكا».. « ليلة مصرع جيفارا».. «عودة الغائب».. « الخديوي».. «ليلى والمجنون».. «الزير سالم» وغيرها.

ويظهر حرصه على اختيار نصوص ذات ثقل أدبى لكتاب كبار مثل د. رشاد رشدى والفريد فرج وعبد الرحمن الشرقاوى وميخائيل رومان وصلاح عبد الصبور وفاروق جويدة وغيرهم من أهم رموز الأدب المسرحى المصرى.. وبنفس الدقة وحسن الاختيار عمل نجمنا الراحل مع كوكبة من أهم المخرجين المصريين من بينهم عبد الر حيم الزرقانى وحمدى غيث وكمال ياسين وسعد أردش وكرم مطاوع وجلال الشرقاوى الذى قدمه فى شخصية الخديوى أمام سيدة المسرح العربى سميحة أيوب، والتى تعد من أشهر أعماله.. كما عمل مع سمير العصفورى وعبد الغفار عودة وشاكر عبد اللطيف وياسر صادق بالإضافة إلى المخرج الألمانى كورت فيت عندما كان المسرح المصرى يستعين بعناصر من مبدعى العالم وتبادل الخبرات معهم وتقدم بعض عروضنا على أهم مسارح لندن وباريس، ولقد استطاع محمود ياسين بذكائه الحاد أن يستفيد من عمله المتواصل فى السينما عندما يقف على خشبة المسرح.. لذا نجده يؤدى بما يتطلبه إحساس الموقف دون زيادة أو حركة كثيرة فى غير محلها.. كما أفاده فن المسرح فى أن أصبح أميز الأصوات وأكثرها قدرة على التلوين فى الأداء وتقطيع الجمل بإحساس خاص جدا لا يفوقه أحد.. وكان عشقه للشعر العربى سببا فى أن يصبح أفضل من يؤدى الشعر على خشبة المسرح حتى إنه عندما وقف إلى جانب المطربة وردة فى أغنية «يا مصر يا غالية» يؤدى بعضا من أبيات الشاعرين الكبيرين أحمد شوقى وحافظ إبراهيم كان يحصل على تصفيق أعلى من الذى حصلت عليه النجمة وردة فى قمة تألقها وإذا بها تشارك الجمهور فى التصفيق له.

والمعروف أن الموسيقار عبد الوهاب كان يحب صوت محمود ياسين ويحب الاستماع إليه وهو يلقى الشعر، بل وكان يرغب فى التلحين له.. ولكن محمود ياسين خشى من تجربة الغناء وتعامل مع مقولة عبد الوهاب باعتبارها مجاملة لطيفة ليس أكثر.. والغريب أنه بعد ذلك قد أدى عدة أغنيات بصوته منها «حلوة يا زوبة» التى يقولها لسيارته فى احد المسلسلات «وع القناطر» ثم شرف كاتب هذه السطور بأن جعل محمود يا سين يغنى تتر مسلسل «مذكرات زوج» الذى لعب بطولته من تأليف أحمد بهجت وإخراج حسن بشيروتقول كلماته:

مسجون جوه القفص الوردى باصرخ فى جنبات الكون

واكتب على أوراق البردى وباسجل فى التليفزيون

إلى كل العشاق فى الدنيا قبل ما تنزلوا فوج ورا فوج

لبحور الأفراح وفى ثانية يشتد التيار والموج

اقروا تاريخى اقروا مذكرات زوج

مسجون جوه القفص الوردى..

رحم الله أستاذ السينما والمسرح والتليفزيون وفارس الفن والإنسانية.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق