رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

الناقد الكبير د. محمد حسن عبد الله: رأيت نجيب محفوظ وهو يصحح آيات القرآن لتوفيق الحكيم

حوار ــ صلاح البيلى

  • كتابى الأول عن الروحية فى أدب صاحب نوبل شكرنى عليه وكان إذا اتهمه أحدهم بالمادية قال له: اقرأ هذا
  • ثروت أباظة كان يهاجم عبدالناصر وحين عاتبته قال لي: «خلينا نشوف أرزاقنا»
  • صنايعية النقد يستعملون أدوات الحرفة ويتجاهلون «الأسطوات» الكبار
  • قصيدة النثر ليست نابعة من بيئتنا وفتحت الباب للأدعياء ومعدومي الموهبة




يعتبر الناقد الأدبى د.محمد حسن عبد الله واحدا من نقادنا المخضرمين الموسوعيين مصريا وعربيا، فقد عاصر شيوخ النقد الكبار وتتلمذ على أيديهم ثم صحب الكبيرين توفيق الحكيم ونجيب محفوظ أكثر من عشر سنوات على شاطئ الاسكندرية كل صيف ووضع عنهما عدة كتب، وهو أول من أشار للروحية والإسلامية فى روايات محفوظ، ثم استقر بالكويت ربع قرن أسس فيها شتى مناحى الأدب والصحافة والإذاعة وكتب وأبدع ونقد، وكان لاحقا رائد معجم البابطين فى الشعر العربى المعاصر حيث كتب الوصف النقدى لخمسة آلاف شاعر عبر خمسة وعشرين مجلدا ضخما، وحين عاد من الكويت أسس صالونه الأدبى الشهرى فى بيته بالمعادى على مدى ثلاثة عقود، ولليوم ورغم بلوغه السادسة والثمانين يظل د.عبدالله متفاعلا وإيجابيا على مستوى مناقشة الرسائل الجامعية أو الإبداع الأدبى أو ممارسة النقد التطبيقى بنفس قوة الشباب وحماسهم، جلست إليه فى بيته بالمعادى لساعات طوال وكانت خلاصتها فى الحوار التالى ...................................

عرفناك ناقدا من خلال كتبك عن توفيق الحكيم ونجيب محفوظ فكيف التقيت بهما ومتى وكيف استقبلا ما كتبته عنهما من مؤلفات فى حياتهما؟

صحبت توفيق الحكيم ونجيب محفوظ عشر سنوات فى كل صيف بشاطئ الاسكندرية حيث كانا يجلسان أولا فى مقهى (بترو) وكان عبارة عن كازينو فوق هضبة بمنطقة سيدى بشر وكان العاملون به من بقايا اليونانيين ومن الأرمن وكان عنوانا للنظافة والجمال، ثم انتقلا لفندق (الشانزلزية) وهو فندق ثلاث نجوم وخصص صاحبه ركنا لتوفيق الحكيم وأطلق عليه اسمه، بقاعة واسعة فى الطابق الأرضي، وكانت الجلسة تضم كثيرين مثل ثروت أباظة وأدباء الإسكندرية مثل القاص محمد حافظ رجب وغيره، وأذكر حين كنت أستاذا بجامعة الكويت كنت ألقى محاضرة عن أدب نجيب محفوظ فتعرف على شاب اسمه (جمال النهري) وقال لى إنه ابن أخت نجيب محفوظ وإنه أحد أبطال الثلاثية حيث إنه شخصية الشاب الإسلامى التوجه فى مقابل شخصية الشاب الشيوعى وطلب منى أن أكتب سلسلة مقالات عن إسلاميات محفوظ فشرعت فى وضع كتابى (الإسلامية والروحية فى أدب نجيب محفوظ)، وبدأت كتابى من مرحلة محفوظ الفرعونية (عبث الأقدار ورادوبيس وكفاح طيبة) لأن بها ملامح روحية ودينية ثم مرحلته الواقعية حسب تطوره الزمنى لأننى من النقاد المؤمنين بضرورة الحفاظ على التطور الزمنى عند دراسة أى ظاهرة أو أديب كى نعرف هل استمر على قناعاته أم غيرها أم طورها، وهكذا تناولت كل روايات محفوظ. والحق أن محفوظ فيه صفة كانت فى أمير الشعراء أحمد شوقى وهى عدم الرد على خصومه مهما كانت خصومتهم أو نقدهم له، والمعروف أن العقاد حين تناول شوقى اختار ثلاث قصائد رثاء لشوقى وتناولها بالنقد فى كتابه (الديوان) والمعروف عندنا كنقاد أن غرض الرثاء من أضعف أغراض الشعر، وكذلك محفوظ لم يرد على ناقد أبدا، وكان إذا اتهمه أحد بالماركسية والمادية يقول له : «اقرأ كتاب محمد حسن عبد الله عن الاسلامية والروحية فى أدبي»، فإذا اتهمه أحد بمحاباة اليمين قال له : «اقرأ كتاب غالى شكرى (المنتمي)» !

انتهيت من كتابى وطبعته سنة 1976 وأرسلت نسخة لنجيب محفوظ فرد على برسالة بليغة نشرتها آنذاك وأخذ نصها منى الصحفى محمد شعير ونشرها عن نجيب محفوظ والصحافة ومما قاله نجيب لى : (لا أجد أى تناقض بين تفسيرك ونبض قلبى وأحاول أن أوفق فى أدبى بين الثورة الفرنسية كداعية للحرية والثورة البلشفية كداعية للعدل والاسلام كعقيدة روحية)، وقد طبق مفهومه هذا فى أكثر من رواية ولكنه واضح جدا فى روايته (قلب الليل) حيث قام بهذا المزج الفريد

نعود لكتابك عن محفوظ، ما هى خلاصته أو أبرز ما انتهيت إليه من أحكام ؟

خلاصة كتابى أن نجيب محفوظ لا يملك تصورا آليا أو مغلقا للشخصية الإنسانية بل يقيم بناء الشخصية ويعيد طاقة التفاعل فيها إلى حركة داخلية تحاول أن تتوازن بين حلم العدل وسطوة القوة وهنا حلم العدل حل إسلامى قبل أن يكون ماركسيا، وهنا تعادل المادية النزعة الروحية .

ومحفوظ عنده إيمان كامل بالإنسان وقدرته على التغيير من خلال الوعى الذاتى والحس المجتمعي، وقد رأيت بعينى محفوظ وهو يصحح آيات القرآن للحكيم رغم أن الحكيم صاحب مسرحية (أهل الكهف) وكتاب (محمد) ورغم أنه أعمل قلمه فى تفسير القرآن لابن حزم، ومن كثرة استشهادات محفوظ بآيات القرآن صراحة أو ضمنا أستطيع أن أقول إنه كان يحفظ كثيرا منه أو على الأقل يقرأه بانتظام .نجيب كان رجلا طيبا ومسالما وشديد الحفاوة والتهذيب بكل من عرفه، حتى فى الغزل كان يذهب مذهبا محترما ولطيفا، وأذكر أن مذيعة الراديو التى تقدم برنامج (طريق السلامة) زارتنا صباح الجمعة فى جلسة الاسكندرية للتسجيل مع الحكيم ومحفوظ فقال لها محفوظ : (أذكر أن جدك كان إذا مشى فى الشارع زمان توحمت عليه النسوان لجماله)، وفى ذلك إطراء لجمالها بطريقة غير مباشرة !.

..و عن توفيق الحكيم؟

الحكيم كان حكاء منقطع النظير وكان يسخر من كل شيء حتى من نفسه، وكان يفسر لنا بعض مسرحياته وكتبه برؤى جديدة وكأنه يعيد تأليفها من جديد مثل «بجماليون»، وكنت أستعين بمسجل صغير أسجل فيه الندوة كاملة وهو يتحدث فإذا عرج على شيء لا يريد أن يسجل بصوته قال لى : اسمع يا جدع انت يا بتاع الكويت اقفل البتاع ده، وكنت حين أعود للفندق أكتب كل ما قاله من الذاكرة، وأخرجت عنه كتابى « الحكيم وحوار المرايا » وهو لا شك أديب مؤسس وفذ فى تاريخنا الأدبى والفكرى المعاصر .

بقيت بالكويت ربع قرن فماذا أنجزت أدبا ونقدا ؟

عملت بجامعة الكويت منذ تأسيسها سنة 1966 حتى سنة 1987 وتوطدت علاقتى بكل أدباء ومفكرى الكويت ودول الخليج العربى وأصدرت أهم كتب مؤسسية عن أدباء الكويت وعن صحافتها وعن سليمان الشطى صديقى وغيره الكثير وكنت مسئولا عن توصيف وشرح ونقد خمسة آلاف شاعر فى معجم البابطين للشعر الذى صدر فى خمسة وعشرين مجلدا ضخما،ورأيى أن المعجم لم يصدر زينة للأرفف ولذلك أختار منه مرتين أسبوعيا قصيدتين وأقدمهما على صفحتى بالفيس بوك ولا يهم جودة القصيدة بل طرافتها أحيانا حيث لدينا مثلا خمس وعشرون قصيدة قيلت فى الغانيات من مدح وذم وعشرون قصيدة أخرى فى رثاء الشيخ محمد عبده ونحن لا نعرف إلا قصيدة حافظ إبراهيم وعشرون قصيدة فى مدح اللغة العربية لا نعلم منها إلا قصيدة حافظ إبراهيم أيضا وكذلك ثلاثون قصيدة عن القهوة والشاى وغيرها من القصائد الطريفة وكتبت لليوم مائة حلقة من هذا النوع . وحين وقع الغزو العراقى للكويت سنة 1991 اتصل بى وزير التربية الكويتى عبد الله الغنيم وطلب منى وضع كتاب ثقافى عن الكويت، لأن كل المكتبات والوثائق صارت ممزقة بفعل الغزو فكتبت «الكويت والتنمية الثقافية العربية» وقدم له د.فؤاد زكريا . أيضا كنت أستضيف المفكرين والأدباء المصريين بالكويت مثل د.زكى نجيب محمود الذى حضر سنة 1971 وكنت مشرفا على الموسم الثقافى فى وزارة التربية وقدمت ندوته بحضور خمسمائة مشارك كويتى وعربى ويومها أبدع د.زكى فوق الوصف وتكلم عن صناعة الكتاب والنشر وأنواع الكتب بكلام جديد أبهر الحضور .

أيضا حين حضر الشاعر عزيز أباظة للكويت ومكث عشرة أيام ما بين ندوات وحلقات إذاعية كنت معه ومرض ودخل مستشفى الهادى وحضر ابن أخيه وزوج ابنته ثروت أباظة من مصر واستضفته عندى وقدمته بإذاعة الكويت، حيث قدم 12 حديثا إذاعيا عن «القصة فى القرآن الكريم» وساعدته بالمراجع وكانت قيمة مكافأته 120 دينارا اشترى بنصفها «ولاعة ذهب ماركة ديبون» ولما اندهشت من ذلك وقلت له إن ولاعة ماركة رونسون بستة دنانير فقط قال لى : «هذه تشعرنى بالقدرة»، وحين تولى رئاسة تحرير مجلة «الإذاعة» فى أوائل عصر السادات كتب مقالا شهيرا ضد عبد الناصر عنوانه «فى أى شيء صدق ؟» فذهبت إليه أعاتبه لأنه بذلك يصدم محبى عبد الناصر وكنت منهم، فقال لى : «اسكت خلينا نشوف أرزاقنا» !.

المهم أننى حين تناولت فى رسالتى للماجستير (الريف فى الرواية العربية) كتبت فصلا عن روايته (هارب من الأيام) وقلت فى تحليلى لها إن د.طه حسين قدمها بمكر لأنها تدين عصر عبد الناصر حيث إن شخصية البطل فيها «كمال الطبال» الذى عشق لقيطة اسمها «حرية»، وكان المشرف على آنذاك د.عمر الدسوقى ومعه د.عبد القادر القط، وسألنى د.القط : ألا ترى أن ما كتبته عن إحدى الروايات

القريبة من عصرنا تدين صاحبها وتضره ؟

فقلت: لابد أن نقول كلمة الحق دون تجاهل وإلا تساوى الجميع، وكنت متحمسا لعبد الناصر، وأمرنى د.القط بحذف تحليلى للرواية ورفضت وكان الأديب محمد عبد الحليم عبد الله يجلس فى الصف الأول خلال المناقشة فقام من مقعده وقال لى : «شلها يا خى خلينا نخلص» وكنت أحبه فقلت له : حاضر، المهم أن ثروت أباظة حين التقانى بالكويت زمان قال لى : (كنت هتودينى فى داهية) أما بعد عصر عبد الناصر فقال لى : اكتب ما تشاء عن رواية «هارب من الأيام» !

برأيك كناقد كيف ترى مصير ومستقبل ما يسمى «قصيدة النثر» وكنت سألت د.القط قبل ربع قرن هذا السؤال فأجابنى إنها أخذت فرصتها فى النشر وقدمها فى مجلة «إبداع» تحت اسم «تجارب» ولم تقدم جديدا ؟

دواعيها ليست نابعة من ثقافتنا وأرضنا أولا، وثانيا أجيال الشعراء لم تستهلك بعد ما تسمى قصيدة التفعيلة وكل ما هو قديم حتى تنتقل بنا للجديد، ثالثا لم تنجح فى إرساء شعر جيد بخلاف الأوربيين مثل «بودلير ومالا رميه» أبدعا فيها، رابعا أننى كشفت أن أدونيس وغيره ممن كتب عن «قصيدة النثر» نقدا، كلهم سرقوا من كتاب «قصيدة النثر» للفرنسية «سوزان برنار» ترجمة راوية صادق وتقديم رفعت سلام وصادرة الترجمة فى مجلدين عن «شرقيات» من سنوات، فتلك القصيدة ليست لها جذور فى تربتنا، ولم نستهلك بعد قصيدة التفعيلة التى كتبها صلاح عبد الصبور وعبد الرحمن الشرقاوى ولا يصح القفز على الجديد دون استهلاك القديم وبلوغ درجة الرقى والاجتهاد فى قصيدة التفعيلة، أضف إلى ذلك أنها فتحت الباب للأدعياء ومعدومى الموهبة فقدموا كتابة خالية من الصورة الفنية والإيقاع، وكذلك من «الانفعال المسيطر» كشرط ثالث أضافه الناقد الانجليزى كولريدج للشعر.

برأيك كناقد ومتابع كيف ترى حال نقادنا اليوم ؟

عندنا صنايعية يجيدون أحيانا استعمال أدوات الحرفة ولكنهم يتجاهلون عن عمد أسماء الأسطوات السابقين أمثال د.محمد غنيمى هلال ود.محمود مكى ود.شوقى ضيف ود.مصطفى ناصف ود.عبد القادر القط ود.محمد زكى العشماوى وغيرهم مممن جمعوا بين احترام الذات والثقافة الموسوعية والدلالة على منابعهم المعرفية، وكان عندنا ناقد غير صنايعى اسمه (مصطفى الضبع) ولكنه بالسعودية اليوم وكذلك محمود الضبع ليس (صنايعي) ولا (لاعب أساسي) وحالنا كحال مسليمة الكذاب حين قال (ولكن قريشا قوم لا يعدلون) !

أخيرا كيف هو يومك الآن ؟

ولدت فى 15 يناير سنة 1935 وأبلغ اليوم 86 سنة ويومى يبدأ من السادسة صباحا حيث أملى (اللؤلؤ والصيد السمين) وأراجع دروس ورسائل الطلبة وأهتم بتحرير المصطلحات النقدية وبالنقد العالمى وأذهب كأستاذ للنقد بجامعة القاهرة، فرع الفيوم وأشارك بقوة فى أى نشاط وأعتز بذلك كثيرا وراض تماما عما قمت وأقوم به.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق