رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

أثر التطورات الإقليمية الحالية على قناة السويس

تشهد المنطقة العربية والإقليمية العديد من التحالفات والاتفاقات الجديدة تتعلق بتطبيع العلاقات بين اسرائيل والبلدان الخليجية، والتى لم تقتصر على العلاقات السياسية فحسب، بل امتدت بآثارها لتشمل التعاون فى المجالات الاقتصادية، خاصة فى الاستثمار والزراعة والنفط وغيرها من المجالات. وما يهمنا هنا هو الآثار المترتبة على هذه التطورات على الاقتصاد المصرى عموما وقناة السويس على وجه الخصوص. هذه المسألة ليست وليدة المصادفة او جديدة فهى مطروحة بشدة منذ منتصف تسعينيات القرن الماضى حينما طرحت فى القمم الاقتصادية للتعاون الشرق اوسطى والتى بدات فى عمان 1994 ثم الدار البيضاء 1995 والقاهرة 1996، مع الأخذ بالحسبان ان الصيغة الجديدة تختلف تماما عن ذى قبل، اذ إن السابقة كانت ترى أن التعاون الدائم فى المنطقة يعتمد أساساً على إنهاء حالة الصراع وتأكيد ضرورة الأرض مقابل السلام. مؤكداً أنه لا يمكن تصور سلام شامل دون قيام دولة فلسطينية مستقلة، أو دون اتفاقيات وإجراءات تضمن الأمن للجميع. بينما الصيغة الحالية تقوم على اساس ان تدعيم التعاون الاقتصادي، قادر على تحقيق الأهداف السياسية، بمعنى أن ايجاد مصالح اقتصادية متبادلة بين الأطراف الداخلة فى التحالف يمكن أن يؤدى فى مرحلة لاحقة إلى تسهيل التوصل لحل سياسي، ضمن ما يسمى إجراءات بناء الثقة. وتعتمد الآلية الجديدة على القيادة الأمريكية بالأساس. وقد وجدت زخما هائلاً وسارت بخطى سريعة ومتلاحقة بغية تفعيل الأدوات الاقتصادية وتعزيز التعاون الإقليمي، وذلك دون اكتراث بما يحدث على المسار السياسى لهذه العملية. من هنا أصبحنا نشهد مساراً تاريخياً سريعًا، تتشكل فيه الخريطة السياسية والاقتصادية للمنطقة من جديد، وخطت المنطقة خطوات جديدة على المسار الاقتصادى الساعى إلى تعزيز التعاون الإقليمى بين الأطراف المختلفة فيما يطلق عليه المشروع الشرق اوسطى الجديد. تتزامن هذه التطورات، مع الأزمة العالمية الحالية والناجمة عن انتشار فيروس كورونا، وما أحدثه من آثار وتداعيات على الاقتصاد العالمى وحركة التجارة الدولية. اذ أدى التباطؤ الاقتصادى الى تراجع كبير فى أسعار السلع الأولية وانخفض معدل التضخم، الامر الذى ادى الى هبوط نمو التجارة العالمية هبوطا تاريخيا، يعد الأكبر منذ تسعين عاما. الأمر الذى أثر بالسلب على الأوضاع الملاحية بالمنطقة ومن ثم على قناة السويس. اذ أن حركة الملاحة ترتبط ارتباطا وثيقا بهما. كما ترتبط ارتباطا وثيقا بحركة النمو داخل البلدان الآسيوية خاصة الصين وكذلك حركة التجارة الخارجية لدول الخليج العربي. وهو ما يتزامن مع تدهور كبير فى العلاقات العربية/ العربية والتصدعات العميقة فى العمل العربى المشترك، إضافة إلى ازدياد مسألة الاختراقات والاشتباكات الحدودية، التى ارتفعت كثافتها فى الفترة الأخيرة، وهى أمور غاية فى التعقيد والتشابك نتيجة لتداخل عدة عوامل يأتى على رأسها التفاوت فى إدراك مصادر التهديد بين الدول العربية وبعضها البعض. ناهيك عن العجز العربى فى التعامل مع مشكلات النظام الدولى الراهن، فضلا عن الانقسام الحاد فى الرؤى العربية للمصير المستقبلي. واصبح الواقع العربى المعيش أكثر تعقيداً، خاصة فى ظل التناقضات والتفاعلات السائدة فى المنطقة. الامر الذى نجحت الاطراف الإقليمية فى استغلاله تماما، خاصة تركيا وايران وبالطبع اسرائيل، وهو ما يفسر التطبيع الخليجى الاسرائيلى والذى يأتى كمحصلة لكل ماسبق.وبرز ذلك بشدة فى التوقيع على مذكرة التفاهم الخاصة بنقل النفط بين مدينة ايلات وميناء عسقلان خاصة انها لن تقتصر فقط على نقل النفط الاماراتى الى الاسواق الأوروبية، ولكن قد تشمل ايضا نقل نفط دول اخري. وترى اسرائيل ان هذه العملية سوف تساعد فى حل مشكلة ناقلات النفط العملاقة التى لاتستطيع المرور عبر القناة، يضاف الى ذلك مشروعات خطوط الأنابيب، حيث تركز إسرائيل أساساً على أن ارتفاع تكلفة نقل البترول عبر قناة السويس، يعزز فكرة إقامة خطوط نقل بديلة، أقل تكلفة، وتعتمد على استغلال عناصر البنية الأساسية القائمة. وتزداد خطورة هذه المسألة فى ظل ازدياد المنافسة مع العديد من المشروعات الأخرى مثل خط سوميد. ولذلك فإن تنفيذ هذه المشروعات وغيرها يؤثر على قناة السويس، خاصة أن البلدان التى تمر عبر أراضيها هذه الخطوط سوف تحظى بالعديد من المزايا، ففضلاً عن الرسوم التى تحصل عليها نتيجة للعبور بأراضيها، فهناك أيضا تشغيل العمالة وتحسين أنواع الخدمات داخل هذه البلدان ورفع كفاءة موانيها. ومما يزيد من خطورة المسألة أن خطوط الأنابيب تعتبر من وسائل النقل الرخيصة والآمنة للنفط، لأنها تمتد عبر أقصر المسافات بين مناطق الإنتاج ومناطق الاستخدام أو الشحن، وبذلك توفر مسافات كبيرة لنقل النفط بتكلفة أقل من وسائط النقل الأخري. وهناك مشروع إسرائيلى آخر هو إنشاء ميناءى حاويات، فى كل من إيلات على البحر الأحمر وأشدود على المتوسط لخدمة النقل بين الشرق والغرب بوصلة برية باستخدام اللواري، الأمر الذى سوف يحد كثيراً من حركة العبور فى قناة السويس وهو ما يوضح إلى أى مدى تؤثر بعض المشروعات المقترحة على الأوضاع الاقتصادية المصرية. خاصة ان معظم هذه الحركة تتم عبر قناة السويس وخط انابيب سوميد، حيث شكلت ناقلات النفط نحو 28% من اجمالى عدد الناقلات العابرة للقناة ونحو 22% من اجمالى الحمولة، اتضح لنا مدى الآثار المتوقعة. هذه العملية سوف تؤثر كثيراً على قناة السويس، التى تعتبر أحد أهم مصادر الدخل بالنسبة للاقتصاد المصرى وتلعب دورا مهما فى النمو الاقتصادى بالبلاد وتسهم بنسبة كبيرة فى تحسين أوضاع الموازنة العامة للدولة وميزان المدفوعات. ومن ثم فان اى نقص فى هذه الإيرادات سوف يؤثر بالسلب على اوضاع هذا الميزان، من ناحيتين أولاهما يتعلق بالنقص المتوقع فى حركة السياحة القادمة الى مصر والثانى يتعلق بالنقص المحتمل فى إيرادات قناة السويس بسبب التحالفات الجديدة. إن الأمر أضحى من الخطورة بمكان بحيث يجب وضع استراتيجية متكاملة للتعامل مع هذه التطورات، تقوم اساسا على تدعيم المنطقة الاقتصادية بمنطقة القناة وجعلها مركزا للتجارة العالمية، خاصة فيما يتعلق بكل الامور المرتبطة بالنقل البحرى واصلاح السفن وغيرهما.


لمزيد من مقالات عبد الفتاح الجبالى

رابط دائم: