رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

قصة قديمة محفورة فى وجدانى وعقلى

رأيتهم يا علاء، منذ سنوات بعيدة موغلة فى الهم، وأنت طفل فى الخامسة من عمرك، يقتلون أهلك، أصبحت وحدك بلا أب ولا أم، وأرغمك الفقر على البقاء فى مسقط رأسك الذى لم يعد وطنك، بل الأرض المحتلة بجيش إسرائيل المدجج بسلاح الانجليز والأمريكان والفرنسيين، وغيرهم ممنْ يحملون جواز سفر عربيا. وكل يوم تمشى فى جنازة طفل شهيد, يحلم مثلك بركوب الطائرة، وإسقاط القنابل فوق الثكنات المسلحة. الحلم الطفولى البسيط، يا علاء، لكل أطفال الحى الفقير، فى المدن والقرى المحتلة. كل يوم تعود من جنازة شهيد أو شهيدة، الى زوجتك وأطفالك الخمسة، أكبرهم فى التاسعة من عمره، ينامون بغير عشاء وبغير غطاء، يراودهم الحلم الطفولى مثلنا أنا وأنت، وكل الأطفال فى بلادنا الذين فقدوا الحلم. حرمك الفقر يا علاء من التعليم، فاشتغلت سائقا تحت حكومة الاحتلال، خمس سنوات وأنت تقود الباصات، كل يوم من الصباح الى المساء نظير أجر ضئيل، تنقل العمال زملائك وجيرانك فى قطاع غزة الى تل أبيب، ثم تعود الى مسكنك الفقير، المكون من غرفتين فى حى الشيخ رضوان شمال مدينة غزة. خمس سنوات يا علاء، وأنت تمشى فى الجنازات وتقود الباصات، ترقد بجوار زوجتك، صامتا، مرهقا، تفكر فى مستقبل أطفالك الخمسة، وأطفال الجيران، وكل الأطفال الذين قُتلوا أمام عينيك. تنام كل ليلة، وأنت تفكر فى الموت، تسأل نفسك فى الحلم، اذا كان الموت هو النهاية، فلماذا لا أفعل شيئا بسيطا قبل أن أموت؟. ويشتغل عقلك الباطن فى الحلم، ترى نفسك داخل الباص، الذى تحول الى طائرة تقودها بنفسك، لم تركب فى حياتك طائرة، لكن قدراتك فى الحلم تدهشك. تقتحم الطائرة عاصمة الأعداء، تل أبيب نفسها تدخلها، تلك التى لم يدخلها أى جيش عربي، ولا جيوش العرب جميعا مجتمعين فى القمم وغير القمم، سلاحهم الوحيد فصاحة اللسان. ترى نفسك فى الحلم يا علاء، تقود طائرة من الفولاذ وليس من الورق، طائرة مصفحة، يهتز بك سريرك وأنت نائم تقتحم المدينة المحصنة. فى الصباح، وجدت نفسك فى بيتك موقوفا عن العمل. منذ ارتعبوا من الانتفاضة، طردوك أنت وزملاءك، أصبحت تخرج كل يوم بحثا عن رزق أطفالك الخمسة، وتعود فارغ اليدين. ستة أشهر يا علاء، وأنت تمشى فى الجنازات وفى الشوارع، لا شيء أمامك الا أن تموت أنت وأطفالك، ولكن قبل أن تموت ماذا تفعل؟. هكذا رأوك تمشى فى الشوارع شارد الذهن، تدوس على دم الأطفال الشهداء وتمشي، تغمض عينيك لحظة، ترى نفسك راكبا الباص كالطائرة، تنقل زملاءك العمال حتى مفترق البازور، القرية التى دمرها جيش الاحتلال جنوب تل أبيب، تدور عجلة القيادة فى يدك نصف دورة، وتنطلق كالطائرة نحو ثكنات العدو. تفتح عينيك يا علاء وترى نفسك تمشى فى الشارع، تدوس على دماء لم تجف، تتعثر فى أشلاء الأطفال، والرصاص يدوى فى أذنيك وأنت تمشي... هكذا تمشى وتستمر فى المشي، لا تعرف الى أين، لم تدخل فى حياتك حزبا يا علاء، لم تنضم الى تنظيم أو جماعة، لم تعلق فى بيتك صورة شهيد، كنت مثال الطاعة والهدوء والعمل دون شكوي. خمس سنوات تقود الباصات تحت عيون الرقابة والجنود، والضباط البارعين المدربين على الاستجواب والتحقيق، ورؤساؤك فى شركة الباصات والجميع شخصوك بأنك انسان بسيط، لا تحيط به أى شكوك. لم يسبق لك أن اعتقلت من قبل جيش الاحتلال أو الشرطة الفلسطينية. لم تكن لك مشاكل سياسية أو أمنية أو جنائية، انسان عادى بسيط، لك زوجة وخمسة أطفال، ولست شابا أعزب طائشا. كيف إذن يا علاء تفسر ما حدث ذلك الصباح؟. وجدتهم وقد أعادوك الى عملك، ولم تعرف لماذا أعادوك، هل قمعوا الانتفاضة؟. هل مات كل الأطفال؟. هل نفذت كل قطع الحجارة من الشوارع؟. خرجت يا علاء ذلك الصباح، صامتا كعادتك شارد الذهن، جلست وراء عجلة القيادة داخل الباص، أنزلت العمال جميعا عند مفترق مدينة البازور جنوب تل أبيب، وفجأة دارت عيناك نصف دورة، رأيت الفرقة العسكرية، ثلاثين من جنود الاحتلال واقفين هناك، أغمضت عينيك كما فى الحلم، تحول الباص الى الطائرة المصفحة، انطلقت نحوهم مثل الصاروخ، سقط منهم ثمانية قتلى وواحد وعشرون جريحا. عقدت الدهشة ألسنة رؤسائك فى شركة الباصات، لم يفهموا كيف يقوم إنسان بسيط مثلك بمثل هذا الهجوم. لكن زملاءك البسطاء قالوا: ما حدث لعلاء أمر بسيط طبيعي، ما نراه فى حياتنا كل يوم يجعل الانسان البسيط منا، يقوم بأى شيء، ما فعله علاء، ليس عملا جنونيا، ولا انتحاريا، ولا أى شيء ، لقد فعل ما يفعله كل منا، وهو نائم فى الحلم.


لمزيد من مقالات د. نوال السعداوى

رابط دائم: