رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

طفل المرور وأخلاق الأجيال القادمة

فوجئ عدد غير قليل من المصريين بسلوك الأطفال الذين كانوا فى سيارة وقيامهم بإهانة رجال المرور بل يتفاخرون بإهانتهم لهم، كما فوجئوا بتسريبات لبرلمانى يضع نفسه فوق القانون، وهم فى حالة دائمة من المفاجأة من سلوك بعض الشخصيات المحسوبين على مؤسسات منتخبة من سب وقذف فى كثيرين، وفنان يخالف القانون ويفاخر ببلطجته على الجميع.

هذه المفاجأت ما هى إلا نتيجة منطقية لماكينة تعمل منذ السبعينيات على تدمير أخلاقيات وسلوكيات المصريين منذ مسرحية مدرسة المشاغبين وصولا إلى ما نحن فيه. يبدو أننا نقلل من وزن وأهمية ودور فكرة القدوة والتقليد سواء فى الخير أو فى الشر. ويبدو أننا لا نعطى الوزن الكافى لفكرة أن أولادنا من صنع أخلاقنا وسلوكنا.

سألت من قبل فى مقال سابق لى فى جريدة الأهرام الغراء: هل الدولة مسئولة عن أخلاق مواطنيها؟ وليسمح لى القارئ الكريم بأن أكرر بعضا مما قلته آنذاك: إن الدولة مسئولة عن أخلاق وقيم وسلوكيات مواطنيها كما كتب فى هذا، الفلاسفة ورجال الدولة من عهد أفلاطون وأوراليوس والأنبياء والحكماء حتى عصرنا هذا فقد اهتمت الدولة الحديثة بأن تكون هناك رؤية استراتيجية لتربية وتنشئة المواطنين على القيم المدنية التى تجعلهم قادرين على التعايش والتفاعل والعمل المشترك وصولا إلى النهضة والتقدم. ولهذا نشأت فى معظم الدول مؤسسات ووزارات لتنتج خمسة خطابات: الخطاب السياسى (المسئول عنه السياسيون)، الخطاب الإعلامى (أجهزة الإعلام والصحافة)، الخطاب التربوى والتعليمى (المسئول عنه المؤسسات التعليمية)، الخطاب الدينى (المسئول عنه المؤسسات الدينية لكل أديان المجتمع)، الخطاب الثقافى (والمسئول عنه المؤسسات الثقافية والفنية والشعرية والغنائية).

إن الدولة ينبغى أن تكون صاحبة رؤية تربوية وأخلاقية لمواطنيها. ومن هنا كان الفارق بين عصر وعصر، وحقبة وحقبة فى تاريخ نفس الدولة نفسها نسأل ونجيب: ما الفارق بين مصر قبل 1805 وبعد 1805؟ فإن الإجابة هى محمد على بما حمله من مشروع تطوير الدولة المصرية، وفى القلب منه الوظيفة التربوية للدولة والتى انعكست فى قيم جديدة اكتسبها المصريون وانعكست فى سلوكهم. 

وقد وجد الدارسون أن أهم هذه القيم تنقسم إلى خمس فئات:

أولا: القيم المعرفية، وعلى رأسها: احترام المنهجية العلمية والبحث والدراسة فى مواجهة الادعاء المعرفى والافتاء بغير علم.  والانفتاح على الأفكار الجديدة المفيدة وتبنى نظرة إيجابية للعالم فى مواجهة الجمود والتكلس والتقوقع.  وتبنى موقف منفتح من المخالفين فى الرأى فى مواجهة التشكيك وإطلاق الأحكام السلبية على المخالفين فى الدين أو العقيدة أو الرأى أو الطبقة الاجتماعية أو الملبس الخارجي.  

ثانيا: القيم السلوكية، وعلى رأسها:  قيمة الاخلاص والنزاهة والأمانة فى مواجهة الفساد والغش والإهمال وتغليب المصلحة الشخصية على المصلحة الوطنية.  النظافة الشخصية والحفاظ على نظافة الأماكن العامة والتذوق الجمالى وتعظيم قيمة الرقى فى المظهر الخارجى على المستوى الشخصى والعام، فى مواجهة ثقافة القذارة والفوضى والقبح والتلوث السمعى والبصرى وغياب التقدير لحق الآخرين فى أماكن عامة تراعى حقوق الإنسان الأساسية.  ثقافة احترام الآداب العامة والقانون والاعتذار عن الخطأ إن حدث، فى مواجهة ثقافة البلطجة ونشر الفجور والخروج على مكارم الأخلاق.   

ثالثا: القيم الاجتماعية، وعلى رأسها:  التركيز على نوعية البشر فى مواجهة ثقافة التركيز على زيادة كمية البشر بغض النظر عن تربيتهم أو تعليمهم أو احترام آدميتهم ومدى توافر الظروف الملائمة لحياة كريمة لهم.  دعم حقوق الفئات الأضعف فى المجتمع مثل كبار السن والأطفال والمعوزين والمرضى فى مواجهة ثقافة اللامبالاة بحقوق الفئات الأكثر احتياجا فى المجتمع. احترام حق الإنسان فى الترقى الطبقى والاجتماعى من خلال التعليم والاجتهاد والتطور والابتكار فى مواجهة ثقافة الجمود الاجتماعى والطبقى وثقافة الترقى عبر الواسطة والمحسوبية أو التمييز ضد القيم.  

رابعا: القيم الاقتصادية، وعلى رأسها: ينبغى أن يتعاهد المصريون على نشر القيم والمبادئ الاقتصادية التالية:  تشجيع ريادة الأعمال والمخاطرة المحسوبة ودراسات الجدوى واستكشاف مجالات عمل جديدة والبحث عن أفكار مبتكرة فى مواجهة انتظار الوظيفة الحكومية أو الخوف من كل ما هو غير معتاد فى عالم شديد التطور والتغير.  الحفاظ على حرمة المال العام وقدسية الملكية العامة والخاصة واحترام حقوق الغير والأجيال القادمة فى موارد الدولة والمجتمع والفخر بالمنتج المحلي، فى مواجهة ثقافة المشاع والتبذير والإسراف وعدم الاكتراث بحقوق الآخرين. وطنية القطاع الخاص وتعاونه مع الاستثمار الأجنبى ومسئوليته الاجتماعية فى مواجهة ثقافة النظر للقطاع الخاص ككيان غير وطنى باحث عن مصالح أصحابه دونما اكتراث بمصالح الوطن. 

خامسا: القيم السياسية، وعلى رأسها: المساواة السياسية والقانونية بين جميع المواطنين، فى مواجهة ثقافة التمييز والتعدى على حقوق الآخرين.  بناء فعاليات حزبية ومؤسسية تضمن التثقيف السياسى للأجيال الجديدة وإعدادهم لتولى المناصب العليا فى البلاد، فى مواجهة ثقافة استبعاد الكفاءات وتجاهل أصحاب المهارات لمصلحة أهل الثقة فقط.  نشر الثقة فى قدرة مؤسسات الدولة على التعامل بجدية مع مشكلات المجتمع، فى مواجهة ثقافة رفض المؤسسية والتشكيك فى مؤسسات الدولة.

إن الاستثمار فى البشر أصعب كثيرا من الاستثمار للبشر.إن صناعة العقول وتوطين الأخلاق صناعة ثقيلة ومجهدة، لكنها الفريضة الغائبة، ودونها سنظل نحل مشكلات جزئية، فى حين أن القاسم المشترك فى كل مشكلاتنا، وهو الإنسان المصري، سيظل بعيدا عن التطوير المطلوب.

إن قضية الأخلاق والسلوكيات مهمة أيضا إلى جانب تشييد المدن، وتعبيد الطرق، وتوفير الطاقة.


لمزيد من مقالات د. معتزبالله عبدالفتاح

رابط دائم: