رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

أبو الغيط بالإنجليزية

أتيحت لى فرصة تدريس مقرر عن السياسة الخارجية المصرية فى عدد من الجامعات التى يتم فيها التعليم باللغة الإنجليزية، سواء داخل مصر او خارجها، وكانت إحدى معضلات إعداد المادة العلمية لمثل هذا المقرر هو عدم توافر قراءات تعكس وجهة النظر المصرية بدقة وموضوعية، وعادة ما يتم التعامل مع هذا الفراغ بالاستعانة بدراسات كتبها محللون غربيون، تعكس رؤيتهم للسياسة الخارجية المصرية، ومعظمها دراسات تاريخية وتغطى عقودا ماضية. يضاف لذلك أن كثيرا من الباحثين والمحللين الأجانب والمتخصصين فى شئون العالم العربى يبحثون دائما عن إسهامات مصرية وعربية تفسر لهم الظواهر المعقدة بالمنطقة، بمنطق أن أهل مكة أدرى بشعابها.

لذا فإن ظهور نسخة إنجليزية لكتاب عن السياسة الخارجية المصرية لمؤلف مصري، ويتناول فترة حديثة من تاريخ مصر، هو أمر يستحق الاحتفاء والاحتفال، خاصة لو أن مؤلفه هو أحمد أبو الغيط الأمين العام الحالى لجامعة الدول العربية ووزير الخارجية السابق. الاحتفال كان فى الجامعة الأمريكية بالقاهرة منذ أيام (الثلاثاء 27 نوفمبر) حيث صدر عن الجامعة الترجمة الإنجليزية لكتاب أبو الغيط المعنون باللغة العربية شهادتي: السياسة الخارجية المصرية 2004 2011 (خرجت طبعته التاسعة فى أبريل 2019). والصادر باللغة الإنجليزية تحت عنوان السياسة الخارجية المصرية فى عصر الأزمات.

الكتاب ليس الأول الذى يتناول مذكرات وزير خارجية سابق، فكما ذكر أحمد أبو الغيط فى الاحتفالية فإن العديد ممن سبقه فى منصبه كانت لهم إسهاماتهم فى هذا المجال، فيما عدا استثناءات محدودة مثل محمود فوزى وأحمد ماهر.

ولكن كتاب أبو الغيط يختلف عما سبقه فى عدد من الجوانب، الأول هو الفترة التى يتناولها، وهى السنوات الأخيرة فى عهد الرئيس الراحل حسنى مبارك، وهى السنوات التى لا تزال محل جدل فى تقييمها، ويذكر أبو الغيط أن أحد أسباب قيامه بتأليف هذا الكتاب هو الانتقادات التى تعرضت لها مؤسسة الخارجية المصرية، وتعرض هو لها شخصيا بعد يناير 2011 على يد أشخاص وصفهم أبو الغيط بشكل دبلوماسى بأنهم لا يعلمون الحقيقة او كان هدفهم تجاهلها أو القفز عليها لتحقيق أغراض سياسية. وبالتالى كان أحد أهدافه هو توثيق خبرته لمن يريد أن يعرف وقبل أن تذوب من الذاكرة.

فى حديث أبو الغيط تجد غيرة كبيرة على المؤسسة الوطنية التى ينتمى اليها، وهى وزارة الخارجية، وتقديرا كبيرا لكوادرها الذين يتم اختيارهم بدقة متناهية، بدءا من التعيين كملحق دبلوماسي، وحتى منصب وزير الخارجية، أجيال تسلم لأجيال، وتسهم جميعها فى تراكم الخبرات داخل وعاء المؤسسة.

كتاب أبو الغيط، ورغم تناوله مذكرات شخصية، فإن البصمة الأكاديمية واضحة فيه، وبالتالى يصلح كأحد الكتب التى يمكن استخدامها فى التدريس لفهم السياسة الخارجية المصرية، ومن ثم كانت أهمية ترجمته للغة الإنجليزية.

البصمة الأكاديمية تظهر فى الحديث عن العديد من القضايا التى تهم الباحثين والأكاديميين، والتى لا ترتبط فقط بمضمون السياسة الخارجية، ولكن أيضا بقضايا أخري، ومنها محددات السياسة الخارجية، وادواتها، وعملية صنع القرار، والإطار الفكرى والنظرى الذى يربط بين كل ذلك.

بالنسبة لمحددات السياسة الخارجية المصرية، تجد إشارة واضحة لتأثير الجغرافيا والتاريخ على هذه السياسة، لذا ورغم أن الكتاب يتناول إحدى فترات حكم الرئيس مبارك، فإنك تجد فيه تفسيرا لكثير مما يحدث الآن، لأن المحددات تتمتع بقدر كبير من الثبات، لذا تجد فى الفصل السادس عن مياه النيل تفسيرا للسياسة الإثيوبية الحالية، ويساعدك الفصل العاشر عن التحديات الإقليمية فى فهم طموحات وسلوكيات ايران و تركيا بالمنطقة، وكيف تعاملت مصر مع هذه التحديات من قبل.

كتاب أبو الغيط يتناول أيضا أدوات السياسة الخارجية، ورغم تركيزه على الأداة الدبلوماسية فإنه يؤكد أيضا ضرورة بناء القوة العسكرية التى تساند المبادرات الدبلوماسية، وتعطيها مصداقية، ويشير فى حديثه لأهمية القوة الناعمة المتمثلة فى الثقافة والاعلام وقوة النموذج، وان السياسة الخارجية ليست مجرد لغو وعبارات منمقة، وان تحقيق الكثير من أهدافها يرتبط بتوافر الموارد.

الكتاب يشرح بشكل سلس قضية أخرى تهم الباحثين والأكاديميين، ونادرا ما تجدها فى كتب أخري، وهى عملية صنع قرار السياسة الخارجية المصرية، وأدوار المؤسسات المختلفة، كل حسب تخصصه وحسب الطرف الذى يتم التعامل معه، وعلاقة المؤسسات ببعضها البعض، وبصانع القرار الأساسى فى مجال السياسة الخارجية، وهو رئيس الجمهورية.

الكتاب أيضا يمزج الفكر بالأحداث، ويعكس فهما للرؤية الواقعية للعلاقات الدولية، والتى تنظر للعالم كما هو وليس كما ينبغى أن يكون، وتدرك دور القوة والموارد فى تحقيق أهداف الدبلوماسية، ويسعى لبلورة مفهوم للمصلحة الوطنية كإطار حاكم للسياسة الخارجية المصرية. الكتاب يتناول العديد من القضايا الأخرى التى لا تتسع سطور المقال للإشارة اليها، وترجمته الى اللغة الإنجليزية سوف يملأ فراغا فى الكتابات المتعلقة بالسياسة الخارجية المصرية المتاحة للباحثين وصناع القرار الأجانب، وبالتالى فهو مكسب اكاديمى ووطني.


لمزيد من مقالات د. محمد كمال

رابط دائم: