رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

عبد الناصر نصير الفقراء

لم يتفتح وعيى السياسى إلا عام 1956 مع الأغانى الحماسية التى انطلقت إبان العدوان الثلاثى، ومن يومها بدأ حضور عبدالناصر يتصدر وعيى وامتلأ به، بوصفه ابنًا للفقراء، وحاميًا لهم فى الوقت نفسه. ومرت السنوات وأنا أنطوى على هذا الإيمان إلى أن التحقتُ بالجامعة، وتحمَّلت أُسرتى كل العناء كى تدبر لى مصروفات الفصل الدراسى الأول وما إن انتهى الفصل الدراسى حتى واجهنى والدى بالحقيقة القاسية، وهى أنه لن يستطيع تدبير مصروفات الفصل الدراسى الثانى، فعدتُ إلى الجامعة، بعد انتهاء العطلة آملًا أن أعثر على نوعٍ من الإعفاء، ولكنى فى الطريق إلى الجامعة كنتُ مُثقلًا بالهم حتى تناهت إلى أذنى كلمات عبدالناصر وهو يقرر مجانية التعليم الجامعى ليصبح التعليم كله بالمجان كحق من حقوق المواطنة.

ولا أستطيع الآن أن أنقل بالكلمات ما شعرتُ به من الفرح والامتنان لما أزاحتـه كلمـات عبدالناصر عن كاهلى من ثقل همِّ مصروفات الفصل الدراسى الثانى الذى لم أكن قد دفعته بعد. ولذلك واصلتُ تعليمى الجامعى بحماسةٍ لا نظير لها، وتفوقت على أقرانى، وأصبحت الأول على دُفعتى فى السنوات اللاحقة إلى أن تخرجت فى قسم اللغة العربية حالمًا بأنى سأصبح عضو هيئة تدريس على طريق طه حسين، وحالمًا بأن أكون مثله فى يوم من الأيام بعد أن تخرجت من نفس القِسم الذى تخرج فيه وبتقديرٍ نادرٍ يشهد بكفاءتى وتفوقى. ولكن للأسف كان هناك خلاف بين الأساتذة الكبار بالقِسم على تعيين من هُم أقدم مِنِّى، واحتدم الخلاف فقرروا عدم تعيين أحد على الإطلاق فى هذا العام؛ سدًّا للذرائع وتجنبًا للاختلاف.

وهكذا كان لابد أن أبحث عن عمل خارج الجامعة، وهنا عرفتُ قسوة الحياة ومرارتها حين لا يكون للإنسان نصير أو كبير يدعمه ويسنده. وتكررت مرارات الرحلة اليومية للبحث الخائب الذى ينتهى إلى النتيجة نفسها من الرفض. وما أكثر ما تكرر السؤال: هل أنت شيوعى؟ وحين تأتى الإجابة بالنفى كانت العيون تنظر إلىَّ فى ريبة كما لو كنتُ أكذب. وعندما يتكرر السؤال النقيض: هل أنت إخوانجى؟ فتأتى الإجابة بالرفض وتتطلع الأعين إلىَّ فى ريبة أيضًا، فمن ذا الذى يتخرج من الجامعة حاصلًا على تقدير ممتاز مع مرتبة الشرف وهو أول دُفعته ولا تختطفه الجامعة مُعيدًا فيها؟! ولكنى كنتُ هذا الإنسان الذى امتدت محنته لأشهر إلى أن صدر إعلان وزارة التربية والتعليم عن الحاجة لمدرسين للغة العربية للعمل بها، فتقدمتُ إلى الوزارة وامتُحِنتُ مع المُمتحَنين، وكان ترتيبى الثالث على ما يربو من ثلاثة آلاف مُتقدِّم، ولمّا كان التعيين فى القاهرة غير مُمكنٍ أُرسلت أوراقى إلى أقرب محافظة للقاهرة وهى الفيوم. وفى الفيوم وجدتُ ظلمًا من نوعٍ آخر وهو التعصب بين الأزهريين والدرعميين ضد خريجى الآداب، الأمر الذى ألقى بى إلى العمل بمدرسة فى قرية نائية، وظللتُ فى تلك القرية إلى أن انفجرتُ فى وجه مُفتشٍ ظالمٍ تكاثرت إهاناته لى فى الفصل أمام الطلاب حين جاء للتفتيش علينا. وخرجتُ من المدرسة باكيًا، عازمًا على ألا أعود إليها. ولم أتذكر أننى فى أحد الأيام كنتُ أقوم بتحضير الدروس، فإذا بى أسمع إحدى خُطب عبدالناصر التى كانت تتحدث عن العدالة والمساواة وحق المواطنين جميعًا فى الحياة الكريمة والفُرص المتساوية بلا تمييز. ويبدو أن الحديث قد استفزنى، فنزعت ورقة من أوراق كراسة التحضير وكتبت فيها خطابًا إلى عبدالناصر أحكى له فيه حكايتى، وأرسلت الخطاب فى صندوق البريد المُعلَّق أمام البيت.

ووصلت القاهرة وهناك وجدت فى المنزل خبرًا يدعونى إلى مقابلة رئيس قسم اللغة العربية بكلية الآداب على وجه السرعة، فانتظرت حتى الصباح إلى أن أتى الموعد، وذهبتُ لأرى الدكتورة سهير القلماوى تقابلنى بوجهٍ هاشٍّ باشٍّ وتُهنِّئنى على أن مشكلتى قد حُلَّت، وطلبت مِنِّى أن أذهب إلى مكتب رئيس الجامعة لأتسلم عملى الجديد بوصفى معيدًا فى القِسم. وفى الجامعة عرفتُ من كبار الموظفين أن خطابى قد وصل إلى يدى عبدالناصر, لأنه خطَّ عليه بما يعنى معالجة الأمر وردّ الحق لصاحبه على أسرع وجه. وهكذا وجدتُ نفسى معيدًا فى جامعة القاهرة فى 16 مارس 1966. ومن يومها وأنا أتذكر هذا اليوم، وأعاود تذكره فى يوم 28 سبتمبر، وهو يوم الذكــــرى السنويـــة لوفــاة عبدالناصر، فأترحم عليه بينى وبين نفسى، وأدعو له بالرحمة والمغفرة مُظهِرًا من آيات العرفان ما جعلنى أحكى هذه الحكاية بتنويعات مختلفة وصياغات متعددة لا أهدف منها إلا إلى تكريم ذكرى هذا الزعيم الذى كان حبيبًا للملايين بالفعل، ونصيرًا للفقراء، ومُدافعًا عن حقوقهم العادلة، ولذلك ظلت ذكراه مرتبطة بهذه المعانى الرائعة للعدل والمساواة بين المواطنين، وتأسيس معانٍ راسخة لآفاق المواطنة التى تنحاز دائمًا إلى المحرومين من العدل الذين سيظلون ملح الأرض، ورحم المستقبل الآتى بالعدل والحرية على كفيه. والحق أنه مهما اختلفنا حول عبدالناصر، فإننا لا نستطيع أن ننكر انحيازه إلى الفقراء؛ لأنه كان واحدًا منهم، ولا ننكر كذلك حرصه على تحقيق العدل؛ لأنه كان محرومًا منه ذات يوم، ولذلك ظل عبدالناصر نصيرًا للفقراء ومساعدًا لكل من مد يده طلبًا للعون وكنتُ أنا واحدًا من هؤلاء. هكذا ارتبط عبدالناصر فى ذهنى بطه حسين، وتلازما ولا يزالان كذلك. فالأول أتاح لى حق التعليم المجانى إلى أن انتهيتُ من المرحلة الثانوية، وجعل من أسطورة حياته نموذجًا لى كى أمضى على دربه. والثانى أقر مجانية التعليم فى الجامعة فأكمل حلم طه حسين بأن يظل التعليم والثقافة كالماء والهواء حقًّا لكل مواطن. وعندما يذهب أبناؤنا وأحفادنا إلى مدارسهم وجامعاتهم كل يوم فعلينا أن نتذكر هذا التلازم بين المعلم الأول صاحب شعار مجانية التعليم، والمعلم الثانى الذى أكمل الشعار فى سبيل سعيه إلى تحقيق العدل فى المجتمع الذى لا يزال يسعى إلى أن يستكمل ملامح وقسمات هذا العدل المنشود. ورغم أن إنجاز كليهما يستحق، بل يستلزم أن يُستكمل بأشياء كثيرة ومن جوانب كثيرة، لكن يظل إنجاز كليهما باهرًا، ولا أزال أنا شخصيًّا مدينًا لأولهما بوصفه المعلم الأول لكل أبناء جيلى، كما أدين لثانيهما بوصفه نصير الملايين من الفقراء الذين كنتُ واحدًا منهم فى يوم من الأيام.


لمزيد من مقالات د. جابر عصفور

رابط دائم: