رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

أبيض وأسود

لاتزال الأفلام المصرية القديمة تملك سحرها الخاص وبريقها الأخاذ.. ذلك البريق الذى يجعلنا نشاهدها مرات ومرات دون أن نشعر بالملل.. نتابع الأفلام الأبيض والأسود بشغف ونحن  نكاد نحفظ عن ظهر قلب الحوار وتفاصيل الأحداث.. ونردد الأغانى الجميلة المصاحبة لها.. إحساس بالسعادة يتملكنا.. وكأنها المرة الأولى التى نشاهد فيها الفيلم.. أفلام نجيب الريحانى.. على الكسار.. اسماعيل ياسين.. محمود المليجى..يوسف وهبى.. استيفان روستى.. عبد الوهاب.. محمد فوزى..فريد الأطرش..هدى سلطان.. إلى آخر هذه الكوكبة من الفنانين المصريين العظام.

من منا يمكن أن يقاوم سحرها وجمالها؟

كل ليلة أضبط مؤشر الروموت على قناة تبث  الأفلام القديمة.. أنتظر فى لهفة اسم الفيلم  واتابع أحداثه فى سعادة.. وكأنه بلسم يزيح متاعب وأوجاع أيامنا الصعبة.. هل هو حنين لأيام عذبة جميلة مضت دون رجعة.. أيام الطفولة والبراءة وذلك الزمن الرائق الجميل؟ أم أن الفيلم الأبيض والأسود جذاب بالفعل.. يملك مقومات الصنعة الفنية التى تجعل منه فيلما ناجحا؟

ربما هما السببان معا.. ولكن دعونا نناقش الأمر بشىء من التفصيل..

منذ ظهور السينما - الفن السابع - فى أواخر القرن الثامن عشر وتحديداً عام 1895 على يد الأخوين الفرنسيين لوميير تبدت الإمكانات الفنية المتنوعة المصاحبة للفيلم: الفن التشكيلى فنحن  أمام  صورة بها تكوين فنى جذاب، يصاحبها حوار مثل الحوارات التى نشاهدها على خشبة المسرح، وعمق ذو أبعاد ثلاثية  يشبه النحت، وأنغام موسيقية رائعة كالتى نستمتع بها فى الحفلات الغنائية.. إلخ. ومنذ ذلك الحين حدث نوع من الثورة فى مجال التذوق الفنى، وسرعان ما انجذبت الجماهير إلى السينما وأصبحت فناً  شعبياً ممتعاً  متاحاً للجميع..

وتعرض الفيلم السينمائى على مر السنوات لثورات فنية وتقنية هائلة، من الفيلم الصامت إلى الناطق.. ومن الأبيض والأسود إلى الملون..ومن الصوت العادى إلى المؤثرات الصوتية.. ومن الصورة ذات البعدين إلى الصورة الثلاثية الأبعاد.. إلخ. وتنوعت الأفلام كذلك فى موضوعاتها.. من الفيلم الدرامى الاجتماعى إلى الكوميدى.. ومن الفيلم البوليسى إلى الغنائى.. وهناك أيضاً أفلام الخيال بأنواعها.. إلى جوار سينما الأطفال والرسوم المتحركة..وشهدت السينما سنوات ازدهار فنى على مستوى العالم من بعد الحرب العالمية الثانية إلى سنوات السبعينيات والتى يطلق عليها خبراء الاقتصاد بلغتهم: الثلاثين المجيدة، فى تلك السنوات حدث نوع من الطفرة فى حياة المجتمعات، وأدار الناس ظهرهم للحرب واتجهوا إلى البناء، وشهد الاقتصاد استقراراً ملموساً كان له تأثيره الإيجابى على الفن بمختلف أنواعه.. كان لدى الجميع طموحات وأحلام بسيطة قابلة للتحقيق، لم تكن المطالب المادية ولا الأزمات الاقتصادية تشغل الناس كثيراً مثلما يحدث الآن.. وعكست السينما تلك الروح  العذبة التى شملت العالم عبر أفلام عظيمة لا تزال مؤثرة إلى يومنا هذا.. تحتفظ الذاكرة باسماء عباقرة السينما ممن صنعوا مجدهم خلال تلك الحقبة مثل فيللينى، أورسون ويلز، جودار، بونوويل وغيرهم..

واستطاع الفيلم المصرى أيضاً أن يكتسب مكانة مهمة فى عالم الفن.. فى تلك السنوات المبكرة كانت الاحترافية والاتقان علامة مميزة فى السينما المصرية سواء من جانب المخرجين المتخصصين أو العاملين فى مختلف مراحل إنتاج الفيلم.. ولا عجب أن نشهد أفلاماً تعد علامة فارقة اختيرت ضمن أفضل أفلام (100 سنة سينما)  نذكر منها: العزيمة، السوق السودا، الفتوة، باب الحديد، دعاء الكروان وغيرها، ساهمت جميعها فى فتح مجال جديد أمام السينما المصرية كتصوير الحارة ، أو السوق بمختلف تفاصيلها، أو التعرض للجوانب النفسية فى حياة رجل بائس.. إلخ. ونلاحظ نفس الاتقان والاحترافية في أفلام مازالت تتمتع بشعبيتها مثل الفيلم الكوميدي ابن حميدو والغنائي تمر حنة والدراما الاجتماعية السفيرة عزيزة.

وأعود إلى سؤالى الأول: لماذا يتعلق الكثيرون بالأفلام المصرية القديمة، أفلام الأبيض والأسود؟

هو بلا شك نوع من الحنين والشوق لأيام الطفولة البريئة، تلك الأيام التى كان البال فيها رائقاً، والنفس صافية، والقلب ليس مثقلاً بالهموم والأوجاع.. على صعيد آخر أفلام الأبيض والأسود تعرض فى معظمها لقاهرة جميلة، شوارع نظيفة، بيوت مرتبة بذوق.. نساء أنيقات حتى لو كن شعبيات.. باختصار مناظر جميلة طال شوقنا إلى العيش فى أرجائها، ومن ثم  مجرد رؤيتها عبر الشاشة يبعث فى نفوسنا البهجة والفرح.

والمدهش فى الأمر أنه رغم كل هذه الثورات الفنية والتقنية التى واكبت السينما، ورغم حالات الإبهار التى تبعثها الأفلام الحديثة، احتفظت الأفلام القديمة بمكانتها فى قلوبنا.. ليس فقط فى مصر، بل أحسب أيضاً فى كل أرجاء العالم..ربما لأن الأفلام الراهنة تبث معها هموم عالمنا الحالي، ومشاعر القلق التى تعيشها الإنسانية ـــ وهذا أمر طبيعى فى الحقيقة ـــ وهو ما يفسر نجاح أفلام الرعب والعنف والتدمير التى تعكسها السينما. نشاهد أفلاماً خيالية لكواكب تعيش فى أرجائها مخلوقات مخيفة تخطط لغزو الأرض، ووحوش غريبة بثلاثة رءوس يخرج من ألسنتها اللهب.. أفلام كابوسية تصاحبها موسيقى تصويرية مرعبة فرضتها حالة القلق التى نعيشها.. بالطبع ليست كل الأفلام المعاصرة من هذا النوع، لكننا نضرب هنا أمثلة على نوعية من الأفلام الرائجة تجارياً والتى تلقى إعجاب الشباب والتى لم تكن معروفة بمثل هذا القدر فى زمن الأبيض والأسود.

تحية لكل المساهمين في إنتاج هذا الفن الخالد الذي أضفى لمسة جمال وبهجة على حياتنا القلقة.


لمزيد من مقالات ليلى الراعى

رابط دائم: