رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

مصر أم الدنيا (6)

كيف استطاعت أنامل الأجداد أن تصنع حضارة من الحجر؟ كيف استطاع المصريون القدماء أن يخلدوا تاريخاً لا يمحوه الزمن ولا طغيان الهمجية؟ لقد أشعلوا نوراً بأرواح متقدة وعيون مستنيرة كانت ترفع إلى السماء وتطلب الحكمة من الإله الخالق، فكانت مصر.

انتهت الأسرة الثانية بعد صراعات كثيرة على الحكم عام 2880ق.م بعد حكم آخر فراعنة هذه الأسرة وهو (حوتب- سمخوى) الذي حكم 38 عاماً. وبعده بدأت الأسرة الثالثة التي عندها بدأت عصر الدولة القديمة والتي تحتوي على أربع أسرات، والتي فيها أشرقت حضارة مصر بخلود لم تعرف مثله البشرية حتى اليوم. ففي هذه الحقبة بنيت الأهرامات، وبدأ العالم كله يأتي إلى مصر ليتعلم الطب والحكمة ويعرف سبيلاً آخر للحياة، لتنفض البشرية عن ردائها عصور الجهل والظلمة. وصار جيش مصر قوة كبيرة في المنطقة حتى إن البدو والمحيطين بها من الشرق والغرب والجنوب أدركوا هلاكهم إذا اقتربوا من حدود بلادنا.

وبدأت هذه المرحلة بحكم زوسر الذي استمر 29 سنة، واسمه يعني المقدس. وقد اتخذ لنفسه اسما آخر وهو رع- نوب أي المنتمي إلى الشمس الذهبية. وفي بردية تورين التي تحوي أسماء الملوك الفراعنة وضع اسمه بالخط الأحمر علامة على أهمية عصره.

ففي عصره بدأ بناء الأهرامات التي بنيت بالحجارة المنحوتة بتصميم أعظم رجال هذا العصر وهو المهندس والطبيب والحكيم والأديب إمحوتب. وقبله كانت المقابر عبارة عن مصاطب مستطيلة. وبعد أن استقرت أفكار الخلود وأصبحت تلح على عقول وأرواح المصريين صارخة تطلب حلاً لقضية فناء الجسد سابحة في فضاء الكون تبحث عن أرواح الأموات وكيف تعود وبأي صورة يكون خلود البشر.

فقد كانت العقيدة المصرية ترى أن الحياة والموت رحلة واحدة شروق وغروب وشروق آخر بلا غروب، فالميلاد شروق والموت غروب أرضي ملازم له شروق آخر في نهار جديد. ومن هنا بدأت فكرة بناء الأهرامات التي تعبر شكلها عن قاعدة أرضية ونقص في المساحة حتى تصل إلى نقطة في نهاية البناء هي حالة اللازمن والانطلاق إلى الخلود نحو السماء.

وكانت المقبرة تسمى البيت الأبدي بير- جت، وقد استطاع إمحوتب أن يبني في منطقة سقارة أول هرم بالأحجار مع جزوع النخيل وحزم من نباتات البردي من ست درجات ارتفاعها 62 متراً بقاعدة مساحتها 109 أمتار في 125 متراً، وكان مغطي بالجير الأبيض، واستمر بناءه 19 عاماً.

وفي هرم زوسر حجرات وسراديب وثلاثة عشر مدخلا لم يفتح منها إلا واحدً فقط يستقبل الشمس كل يوم، وكانت الأبواب الأخرى رمزية. وهي فكرة في غاية الأهمية فكثير من المقابر بها أبواب وهمية. وكانت هذه تجسيداً لفكرة عميقة جداً، فقد كان لديهم إيمانً بأن الكون الذي نعيشه يؤهلنا لكون وحياة أخرى وحين يموت الإنسان ينتقل إلى الكون الأخر، لذلك كانت كثير من المقابر يصنعون لها باباً معكوساً أمام الباب الرئيسي علامة على الدخول من الباب الرئيسي ميتاً ولكنه يخرج من الباب الآخر (الوهمي) إلى الحياة الأخرى.

واستخدم إمحوتب في هرم زوسر المدرج البوابة الخشبية وغطى الجدران بالقيشاني وهي عبارة عن بلاطات بها ثقبان يمر منهما خيط من الكتان أو الجلد تشبه الحصيرة. وهذا الحائط محفوظ في المتحف المصري الآن. ووجدت في سراديب وحجرات هذا الهرم آلاف الأواني الحجرية والمرمرية محفوظة في متحف إمحوتب في سقارة.

وكانت سقارة مدينة جنائزية بها معابد ومقابر، وكان الشعب يذهب إليها ليتعبد، وتقام فيها الأعياد مثل عيد سد أو حب- سد الذي فيه كان الحاكم يحتفل بمرور ثلاثين عاماً، وكان عليه أن يعدو جرياً بين نقطتين تمثلان الشمال والجنوب وليظهر أنه لا يزال قادراً على العدو وأنه يتمتع بصحة جيدة. وقد احتفل بهذا العيد ملوك آخرون في مدد أقل من ثلاثين عاماً لأنه عيد تجديد الطاقة والقوى الملكية. وكانت الطقوس الأخرى للعيد تمثل حادثا رمزيا لخروج الملك من جسده ونزوله في سفينة الشمس الليلية ليتوحد مع الإله العظيم. وانتهت الأسرة الثالثة بالملك حوني الذي بنى مهندسوه هرم ميدوم وإن كان استكمل في الأسرة الرابعة.

ولكن لا يمكننا أن نترك الكلام عن عصر زوسر قبل أن نذهب إلى إمحوتب ونعطيه حقه، واسمه يعني من يأتي في سلام. وقد كان رجلاً من عامة الشعب ولكنه كان يحمل عبقرية لم تتكرر في أي زمن، فقد كان كبير كهنة هليوبوليس، وبجانب عبقريته الهندسية وبنائه لأول هرم في التاريخ، وصنعه أول مقياس للنيل في أسوان، كان أعظم أطباء مصر بل والعالم أيضاً حتى إن الكلمات المحفورة عنه على جدران معابد أدفو وأسنا والدير البحري كتبت عنه: من يخفف آلام المصريين، من يهب الصحة من جديد، ذو الأصابع الذهبية. وقد أنشأ أول جامعة طبية في سقارة سميت بير- عنخ أي بيت الحياة، وكان الكهنة والأطباء فيها يتعلمون منه الطب والحكمة ومن هنا كان مسمى الحكيم للأطباء. وقد اكتشف علاجا لكثير من الأمراض، وكان بارعاً في العمليات الجراحية، كما أنه أول من عالج النفس عن طريق تفسير الأحلام والتنويم المغناطيسي، لذلك أطلق في بعض الأحيان على مدرسته الطبية بيوت الأحلام أو النوم العلاجي. وقد عالج الأمراض النفسية عن طريق الغوص في النفس قبل فرويد الذي يقال إنه كان مهتماً بالآثار المصرية وأخذ منه هذه الفكرة في علم النفس الحديث. وكان أيضاً أديباً وحكيماً وكتب قصيدة رائعة اسمها أغنية الهارب يقول فيها: ماذا تعني القصور بعد غياب الحياة؟ لنحيا بإحساس نابع من القلب، ونتأمل دائماً علنا نحظى بالسعادة. وقد رفعه الإغريق إلى منزلة الأرباب حين أتوا وتعلموا منه الطب والهندسة والحكمة، ليقف التاريخ وينحني لهذا العبقري فهو مصري ابن مصر أم الدنيا.


لمزيد من مقالات القمص. أنجيلوس جرجس

رابط دائم: