رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

صورة الذات فى ثقافة الطبقة الوسطى

تأخذنا الآراء التى طرحتها حول الطبقة الوسطى فى المقالات السابقة إلى مزيد من التعمق فى ثقافة هذه الطبقة. ومن الأمور اللافتة فى هذا الصدد السؤال حول الطريقة التى تنظر بها هذه الطبقة إلى العالم والتى تكشف عن طبيعة الأنماط الفكرية الجامدة لديها، أى الأفكار الأكثر ثباتاً واستقرارا فى عقول أبنائها، والتى تستمر عبر فترة طويلة من الزمن دون أن تتغير. ولا نفترض هنا أن الأنماط الجامدة التى سوف نتحدث عنها تشكل معتقدات ثابتة لدى كل أعضاء الطبقة، فرغم أنها أكثر انتشارا فى عموم الطبقة، فإنها قد تختلف من فئة إلى أخرى، بل من مستوى تعليمى إلى آخر.بل إننا قد نجد بعض الافراد الذين لا يؤمنون بها، ومن ثم فان الحكم على وجودها ليس حكما قطعيا ولكنه يخضع لمشاهدات تؤشر على تكرار التعبير عن هذه الأنماط الجامدة فى الخطاب العام للطبقة سواء كان خطاباً عاديا يعبر عن الكلام اليومى أو خطابا رسميا ينساب عبر الكلام الرسمى أو النصوص المنشورة أو المبثوثة عبر وسائل الاتصال الجماهيرى ومواقع التواصل الاجتماعى .

وسوف نركز فى هذا المقال على نظرة الطبقة إلى ذاتها، على أن نعرج فى المقال القادم على نظرتها إلى الآخر المختلف. ومن أول الأنماط التى تلفت الانتباه فى نظرة أبناء الطبقة الوسطى إلى نفسها الاعتقاد بأنها أكثر حكمة وأكثر فضيلة وأكثر وعيا، أى أنها حاملة المعرفة ومخزن الأخلاق الفاضلة فى مقابل الفئات الأخرى الأقل معرفة والأقل وعيا والتى يمكن أن توصف بأنها أقل فضيلة أيضا. وعلى هذا التصور العام ينبنى تصور آخر أنها طبقة اكثر انجازا ، تعطى ولا تأخذ الى درجة انها تكاد تتلاشى من الوجود من فرط الضغوط التى تواجهها ،وينبثق عن ذلك شعور قوى بالمظلومية، وهو شعور ينبع من إحساس الأفراد هنا بالتميز وفخرهم بتعلمهم وإنجازاتهم التى لا يثابون عليها خير الإثابة. ولعل هذا الشعور هو الذى يطور الخطاب الناقد والساخر والممتعض لدى هذه الطبقة، وقد تمنحها هذه الخصيصة ذريعة لتطوير تصورات وأساليب سلوكية أخرى تتطلب الانضباط فى العمل وتبرير الفساد، والمبالغة فى تضخيم الانجازات التى يقوم بها أعضاء الطبقة (خاصة من المتعلمين) والانشغال الشديد بالعوالم الصغيرة والضيقة، وما يرتبط بذلك من تضخيم خطاب المجاملة وتجميل الأوضاع والميل نحو السلوك النفعى والأدائي.

ويكشف هذا الوضع عن تناقض كبير فى رؤية الذات الطبقية للعالم ، وهو تناقض يبدو كأنه يذهب بالذات الطبقية بعيدا عن موضوعها. فالواقع الطبقى الوسيط يشى بقدر كبير من التناقض وعدم الاستقرار، كما يشى بصور متعددة من الحرمان النسبى الذى تتعدد أشكاله عبر السلم الطبقي، فهو اقتصادى بحت فى قاعدة الطبقة وهو ثقافى فى وسطها، وسياسى فى قمتها. ويعمل هذا التكوين على بناء صور متناقضة عن الذات الطبقية، فهى شقية شاعرة بالمظلومية عند القاعدة، حادة الخيال حول دورها ومسئوليتها وفضائلها عند الوسط، شرهة نهمة مضخمة لانجازاتها عند القمة. وفى كل الأحوال تحاول الذات أن تفارق الموضوع وتهجره، أقصد أنها تحاول ألا تعيش ظروف الواقع وتبلور حوله أشكالاً من الوعى والنشاط العام ، بل تتجاوزه إلى تصورات متخيلة عن الذات المظلومة، أو الذات المكافحة المنجزة، أو الذات الفاضلة النقية، أو الذات الأكثر اسهاما وإنجازا من غيرها. تهاجر الذات الطبقية الوسطى فى مسارات عديدة، فتفقد القدرة على بلورة وعى جماعى أكثر التصاقا بالواقع، وأكثر قدرة على تغيير هذا الواقع نحو الأفضل. ويؤدى هذا الظرف - إن صح التأويل- إلى عدد من النتائج الخطيرة المرتبطة بعلاقة الطبقة الوسطى بذاتها.

من أولى هذه النتائج ما يتعلق بطبيعة النخب السياسية والاجتماعية التى تفرزها هذه الطبقة. يتوقع فى ضوء هذه الرؤية أن تكون هذه النخب طموحة متفلتة من الواقع، منفصلة عن الجماعات التى أفرزتها فى ميادين الحياة المختلفة. بل إنه يتوقع أن تكون لهذه النخب تصورات عن نفسها فى مقابل السياق الذى أفرزها، على أنها الأفضل والأجدر والأكثر قدرة على العمل والانجاز وتحمل المسئولية. لا تقارن النخب الوسطى نفسها بالجماهير خارج الطبقة فقط، بل تقارن نفسها بنظرائها من داخل ذات الطبقة. أما ثانية هذه النتائج فتتصل بما تؤدى إليه هذه التصورات عن فضائل الذات فى مقابل الآخرين من انقسامات داخل القطاعات المختلفة فى الطبقة ذاتها. يتضح ذلك جليا فى القطاع المهني، حيث تنظر كل مهنة إلى نفسها على أنها أهم من المهن الأخرى، وكل قسم من أقسام التنظيم الأكاديمى أو الخدمى على أنه أهم من الأقسام الأخرى، وكل حى على أنه أفضل من الأحياء الأخرى، وكل أسرة على أنها أكثر فضيلة وأخلاقا من الأسر الأخرى، وبالتالى كل فرد على أنه أفضل من الآخرين. ومن النتائج المهمة التى يمكن استخلاصها مباشرة من هذا التأويل الميل السياسى الاستبعادي، والميل إلى التطرف السياسى داخل قطاعات من الطبقة الوسطى. ليس غريباً أن تظهر جماعة الإخوان ذات النزعة الاستبعادية الإقصائية داخل هذه الطبقة، تتربع الأنا هنا فوق أعمدة الفضيلة الدينية التى تفترض الجماعة أنها تملك زمامها دون الآخرين من خارج الجماعة،. وليس غريبا أيضا أن تظهر الميول المتطرفة الاقصائية أيضا داخل هذه الطبقة سواء اقيمت على أسس دينية او دنيوية .

وأخيرا فإن كل هذا الميل نحو التمركز حول الذات يتوقع أن ينتج خاصيتين نحسب أنهما الأشد خطراً فى التكوين الاجتماعى الثقافى للطبقة: الأولى عدم القدرة على التأمل الذاتى والنقد الذاتى ومن ثم عدم القدرة على بناء تأمل مستقبلى والميل فى المقابل إلى التأمل الانعكاسى الماضوي. والثانية تتصل بالميول التسلطية فى التنشئة الاجتماعية، وعدم القدرة على التخلى عن الأبنية التقليدية التى تقف راسخة خلف أقنعة الحداثة. وإذا كانت هذه هى صورة الطبقة عن ذاتها فماذا عسى أن تكون صورة الطبقة عن الآخر المختلف؟.


لمزيد من مقالات د. أحمد زايد

رابط دائم: