رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

الوصية

صبحى موسي

أنجب الشهايبى نحو خمسة عشر ابناً من زوجة وحيدة، لم يكمل حياته منهم غير عشرة أبناء فقط، وعلى مدار سنوات مات نصف من عاش، وبقى النصف الآخر ليناكفه، فظل الشهايبى طيلة حياته واقفا على قدميه يتلقى العزاء، دون أن يعرف أحد كيف تحمل وحده كل هذا القدر من الحزن، حتى إن البعض كان يعتبره مخلوقا صنع من الحجر، وأن ليس فى تجويف صدره قلب ولكن قطعة من حديد، هو نفسه لم يكن حريصا على أن يظهر جزعا أمام أحد، كأنه كان يقول للجميع ان الموت والحياة ليسا سوى جزء من طقوس الحياة.

المرة الأولى التى علم الناس فيها أن له قلبا يحزن وينفطر كغيره من قلوب البشر عندما ماتت فاطمة، فقد أغلق على نفسه غرفته ولم يخرج منها حتى تصور الجميع أنه لحق بها، فهى رفيقته لأكثر من ستين عاماً، ولم يُعرف له زوجة سواها، بدآ الحياة فى غرفة على طرح النهر، وظلا يهرولان معا بين تجار وسياسيين ولصوص وقطاع طرق ولاعبى ثلاث ورقات، حتى كونا هذه المملكة العظيمة، وحين قررا أن يستريحا من الشقاء كرت عليهما الدنيا بالنكبات، لم تحتمل فاطمة جبال الحزن التى رانت على صدرها، فوضعت رحلها وتركت خلفها زوجها وكل شيء لها فى فى هذا البيت الكبير، كان الجميع يرى أنه ليس أمام عجوز أمضى حياته كلها مخلصا لامرأة أن يبقى على قيد الحياة بدونها، هامسين بأنهم عما قريب يحملونه على أعناقهم ويذهبون به إليها، لكنه فاجأهم جميعا بخروجه قائلاً:

ـ فاطمة بتقولى اتجوز.

كان الخبر صادما، فالسيدة التى أحبوها ولم يمر على رحيلها أربعون يوماً يطالبهم زوجها بالبحث له عن امرأة أخري، فكيف يمكن أن يشرحوا للناس ذلك، ومن التى ستقبل الزواج من عجوز يضع إحدى قدميه فى القبر، ضربوا كفا بكف وضحكوا فيما معتبرين أنه ألقى نكتة، ومط بعضهم شفتيه متعجبا من قسوة الألم على قلبه حتى إن عقله لم يعد يضع الأمور فى نصابها، وما إن مر الأربعون على خير وتصور الجميع أنه نسى الأمر، حتى وجدوه ذهب إلى بيت ابنته منال طالبا منها أن تذهب لتخطب له زبيدة زوجة العسكري.

هزت منال رأسها ولم تنطق بكلمة، ظلت تنصت إلى رسالة أمها التى وردت فى الحلم بوقار شديد ثم وعدته خيرا، وكان عليه أن ينتظر يومين كى يراها قد جمعت اخوتها فى بيت سعيد قائلة:

ـ شوفوا لى حل فى أبوكم، عايز يتجوز؟

نظر العجوز إليها بعين صامتة، وقد حطت على وجهه سحابات سوداء من الحزن، ودون كلمة واحدة تركهم جالسين فى أماكنهم وعاد فأغلق غرفته على نفسه، كان موقنا أن منال لم تكتف بكشف سره، بل حاكت كلمات مسمومة كى يتخذوا موقفا واضحا ضده.

توقع الجميع أن يدخل العجوز فى عزلة جديدة لا يخرج منها إلا بعد أسابيع أو شهر، لكنه فاجأهم فى الصباح بذهابه إلى ابنته نادية، طالبا منها ما طلبه من منال، موضحا أنه يمكنه أن يفعل ذلك بنفسه، لكنه لا يريد أن يبدو بلا عائلة.

هزت نادية رأسها مؤكدة أن ذلك حقه، وأن ولاءها سيكون للحق دائما، فعاد إلى البيت سعيدا منتظرا البشارة، لكن كلما طال غيابها تسرب إلى قلبه اليأس، وفى النهاية قرر أن يقطع الشك باليقين ذاهبا إلى بيتها، فربما كانت مريضة أو أن العروس رفضت، ارتدى ملابسه ووضع شاله على كتفه وذهب إلى بيتها، نظر إلى الدرجات المؤدية إلى شقتها فى الدور الثالث وأخذ نفسا عميق من قبل أن يسلم نفسه للصعود، حين وصل إلى الباب وضع يده على الجرس منتظرا أن تفتح، لكنه فوجئ بأن التى تفتح له هى منال، حين رآها اشتغلت فى جسده نار، ولم يستطع أن يلقى عليها السلام، أزاحها جانبا بعصاه وألقى نظرة باحثا بعينه على نادية داخل الشقة، وجدها غير قادرة على الظهور أو الاقتراب، ولم تستطع الترحيب به خوفا من منال، فعلم أنهما كانتا تتحدثان فى أمره، وأن الأخيرة ألقت عليها قولا ثقيلا، ففاضت عيناه بالدمع ولم يسألها عن شيء، استدار خارجاً من الشقة، ونزل الدرجات بحثا عن الشارع، حيث أخذ يمشى دون أن يدرى إلى أين تأخذه خطاه، لو أنه فى موقف آخر لذهب الآن إلى زبيدة، حيث يمكنه أن يلقى برأسه على صدرها ويبكى كما يشاء..

من جديد عقدت منال مجلساً لإخوتها، كان اجتماعهم فى النور الساطع على رأس الحقل، قالت إن أباهم فقد عقله، ولا بد من منعه قبل أن يجلب لهم الفضائح، كانت نظراتها موجهة نحو أخيها حمدان، موقنة أن حبه القوى للمال ورغبته فى ألا تنقص قيراط واحد ستجعله أكثر حسما مع والده، وربما يستخدم الشدة إن لزم الأمر، لكن حمدان الذى لم يكن يتوقع كل هذا النشاط المفاجئ للشهايبى فتح عينيه مندهشاً:

ـ زبيدة؟!.

ما إن رأى أدهم بن يونس عمه الكبير مندهشاً على هذا النحو، حتى قرر أن يجعل أحشاءه تضطرب أكثر، فقال إن جده إن لم يتزوج زبيدة فقد يتزوج من هى أصغر منها، وقد ينجب طفلاً أضعه ليلة زفافى على كتفي، كانت هذه الكلمات بمثابة الزيت الذى انسكب على صدر حمدان، فقد احمر وجهه، وانتفخت وجنتاه، وجحظت عينه، وراح يضرب على الأرض بكلتا يديه:

ـ مفيش غير أننا نحجز عليه، واللى ليه حاجة ياخدها.

لا أحد يعرف كيف انتبه العجوز إلى اجتماعهم، فنهض من نومه وارتدى أفضل ملابسه وأتى ليجلس بينهم، ورغم أنهم كانوا يعلمون أن سمعه لم يعد يعمل جيدا، إلا أنهم فضلوا التزام الصمت، فلم يتحدث غير مبسم الشيشة الذى راح يتنقل بين أفواههم، كأنه التعبير الصامت عما يعتمل فى النفوس، ظل يدور من فم إلى آخر دون كلمة واحدة، حتى إن الشهايبى اضطر لأن يقطع عبادة الصمت دخلوها قائلا:

ـ أمكم جاتنى من أسبوعين، كنا كما لو أننا فى وقت القيالة، وقفت فى طلعة الباب وسألتني:

ـ انت نايم يا شهايبي؟!

رفعت رأسى وبصيت ليها، فرحت برجوعها، ووشها كان منور، زى ما تكون زادت جمال على جمالها، ابتسمت وقلت لها.

ـ اعمل ايه .. ؟!

لكن وشها اتغير، زى ما تكون سحابة سودا عدت عليه، قالت لي:

ـ اتجوز يا شهايبي.

سألتها باستغراب:

ـ اتجوز مين؟!

ردت بكلمة واحدة:

ـ زبيدة.

رفعت إيدى وأنا باقول لها :

ـ بلا زبيدة بلا غيرها.

لقيتها اختفت، وصوتها بس هو اللى بيرن فى وداني:

ـ اتجوز يا شهايبي.

وكل ليلة وهى تجينى وتطلب نفس الشىء؟!

صاغ الشهايبى حديثه بقدر كبير من الحزن والحيرة، طالباً من أبنائه أن يساعدوه فى تنفيذ الوصية، معتقداً أن قلوبهم سترق لأجل أمهم،، لكنه رأى الصمت يتراكم من حوله، حتى أن الشيشة نفسها أصيبت بالخرس، وارتمى مبسمها على الأرض جثة هامدة، نظر بعينه فى الوجوه فرآها مسودة، والعيون مفتوحة على اتساعها، والآذان مستطيلة إلى السماء، نكس رأسه أمامهم منتظر الفصل فى قضيته، مر وقت طويل قبل أن يقرر حمدان أن يقطع الصمت الذى أمامه، فمال على أذن العجوز سائلاً:

ـ عايز تتجوز؟!

لم يستوعب الشهايبى السؤال، ولجأ إلى ضعف السمع متهربا من الرد، فرفع حمدان صوته من جديد مكررا سؤاله مرتين أو ثلاثا، حينها أدرك العجوز أنه محاصر لا محالة، ولا بد من إجابة أمام أبنائه، فرفع رأسه ونظر فى وجه ابنه الكبير قائلاً:

ـ هى اللى بتقول.

كانت طاقة حمدان قد نفدت، فنكس رأسه تاركاً الفرصة لغيره كى يتفاهم مع العجوز الذى لا يسمع إلا ما يريد، فتقدم سعد بدوره نحو أبيه، ومال بفمه على أذنه قائلاً:

هى مين؟

وبعد أن كرر السؤال مرات بصيغ مختلفة استوعب العجوز ما يريد قوله، فحرك يده فى الفراغ كما لو أنه يرمى ماء على وجههم، ثم قال بضجر واضح:

ـ المرحومة.

هنالك لم يتمالك أدهم بن يونس نفسه عن الضحك، فنظر إليه العجوز بغضب أعادهم جميعا إلى الصمت، ولم يفكر أى منهم فى معاودة السؤال عن شيء، فلم تكن لديهم رغبة فى نقل الحوار إلى أبعد من ذلك، سكتوا كما لو أن صوان العزاء قد امتد لما بعد الأربعين، وطال الصمت حتى نهض أدهم قائلا:

ـ دا بيمثل؟

ورد عليه حمدان:

ـ طول عمره يحب النسوان.

خفض سعد من صوته قائلا:

ـ أول ما يشوف أنثى ينتعش.

هنالك انفجر الجميع بالضحك، ونظر العجوز إلى عيونهم التى اغرورقت بالدموع وكأنهم نسوا وفاة أمهم، فانتفض من مكانه واقفا، وأعطى ظهره للحقول الخضراء، متجها بخطوات واهنة نحو بيته، كان صدره يحترق وعقله تتصاعد منه سحابات غضب على الجميع.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق