رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

حكاية بلاعنوان

أنطون تشيخوف ترجمة ــ سماح ممدوح حسن

الحال فى القرن الخامس كما هو الآن، تشرق الشمس كل صباح وفى المساء تأفل لتستريح. فى الصباح يُقبّل شعاع نورها الأول الندى فتنتعش الأرض، ويمتلئ الهواء بصوت النشوة والأمل. بينما فى المساء، نفس تلك الأرض، تغرق فى الصمت وتغوص فى الظلام الدامس. كل يوم كاليوم الذى يسبقه، كل ليلة تشبه الليالى الأخرى.

من وقت لآخر تتسارع عاصفة سحابية، ويقرع صوت الرعد الغاضب، أو تسقط نجمة مهملة من السماء، أو يركض أحد الرهبان شاحبا ليخبر الأخوة بأنه رأى نمرا ليس بعيدا عن الدير. كل يوم يشبه اليوم الذى يليه.

الرهبان يعملون ويصلون، كبير الرهبان أباهم الأكبر، يعزف «الأرجون» يكتب القصائد اللاتينية، ويألف الموسيقى. كبير الرهبان رجل عجوز رائع يمتلك موهبة إستثنائية. يعزف على «الأرجون» بروعة، ومَن يسمعه، حتى أقدم الرهبان وأكبرهم سنا من أولئلك الذين ضعف سمعهم بكبرعمرهم، لا يستطيعون كبح دموعهم عندما يتهادى إلى أسماعهم صوت موسيقاه الهادرة من صومعته.

عندما يتحدث الراهب الأكبر، بأى شىء، حتى لو عن الأمور العادية، مثل الأشجار والحيوانات البرية، أو البحر. كانو لايستطيعون الإصغاء إليه إلا وهم مبتسمين، يذرفون الدموع، ويبدو كما لو أن أوتار روحه تهتز مع أوتار الأرجون.

ولو انجرف الأب فى نوبة غضب أو نوبة فرح، أو بدأ يتحدث عن شىء مريع أو ضخم، عندها يسيطر عليه إلهام عاطفى، وتترقرق الدموع فى عينيه اللامعتين، ويتورد وجهه، ويرتعد صوته. يصغى الرهبان له ويشعرون بأن أرواحهم ألهمت بإلهامه.

فى تلك اللحظات المدهشة، لحظات الإلهام التى تسيطر عليهم من غير حدود، لو كان أمرهم بأن يلقوا بأنفسهم إلى البحر، لفعلوا. الجميع يسارعون فى تنفيذ رغباته.

موسيقاه، صوته، قصائده التى تسبّح باسم الرب، السماء والأرض، كل ذلك كان مصدر الفرح المستمر للرهبان. لكن فى بعض الأحيان يتسلل إليهم الملل من حياتهم الروتينية بين الأشجار، والزهور، والربيع والخريف. يُرهق الإصغاء إلى صوت البحر أسماعهم، واغنيات العصافير تصبح مصدر ضجرهم. لكن مواهب أباهم الأكبر كانت ضرورية بالنسبة لهم كضرورة خبزهم اليومى.

مرت عشرات السنين، وتشابهت الأيام جميعا، وأمست الليالى تشبه كل الليالى. ظل الحال على ماهو عليه، لا تظهر أى روح بالقرب من الدير. كانت أقرب الأماكن العامرة بالبشر بعيدة جدا ليصل إليها أحد الرهبان أو يهتدى إليها إنسان، وهذا لأن الرحلة تستغرق أكثر من سبعين ميلا عبر الصحراء. فقط الرجال الذين احتقروا الحياة هم من غامرو وجاءو إلى الدير كما يأتون إلى القبر، فقط هؤلاء من غامروا وعبروا الصحراء.

لذا، دُهش الرهبان عندما دق على بوابة ديرهم رجل من المدينة، اتضح أنه ليس أى رجل، بل كان أكثر الرجال الخاطئين والمحبين للحياة فى المدينة. قبل أن يتلو صلاة، أو يطلب مباركة الراهب الأكبر، طلب الخمر والطعام. أما بالنسبة لسؤالهم الرجل عن كيفية وصوله عبر الصحراء إلى هنا؟ فكانت الإجابة حكاية طويلة قصها الرجل عليهم، عن رحلة صيد. خرج الرجل ليصطاد وشرب كثيرا حتى ضل طريقه. وعندما اقترح عليه الرهبان بأن يأوى إلى الدير لينقذ روحه رد عليهم وقال:

«أنا لست بالرجل المناسب لكم»

بعدما انتهى من الأكل والشرب، نظر الى الراهب الذى يخدمه، وهز رأسه موبخا، وقال:

»أنت لا تفعل أى شىء، أنت راهب. أنت لست جديرا بأى شيء سوى بالأكل والشرب. هل هذه طريقتكم فى إنقاذ روح شخص ما؟ فقط فكر، بينما أنت جالس فى سلام، تأكل وتشرب وتحلم بالسعادة، فإن جيرانك يموتون ويذهبون إلى الجحيم. لابد وأن ترى ما الذى يحدث فى المدينة، البعض يموتون جوعا، والبعض الأخر لايعرفون ماذا يفعلون بالذهب الذى يكتنزونه. يغرقون فى ملذات الحياة ويهلكون كما تلتصق الحشرات بالعسل. ليس هناك إيمان، والحقيقة لا يمتلكها أى أنسان. من ذا الذى ينقذهم؟ من يأخذ على عاتقه تقديم النصح والوعظ لهم؟ هذا ليس من أجلى، الشرب من الصباح حتى الليل ليس أنا. لكن هل يمكن للروح الوادعة، والقلب المحب، والإيمان بالله، هل كل هذا وُهب لكم فقط حتى تجلسوا هنا بين أربعة جدران دون أن تفعلوا شيئا؟».

كلمات رجل المدينة الثمل وقحة وغير مقبولة، لكن كان لوقعها الأثر الأغرب على كبير الرهبان. تبادل الرجل العجوز النظرات مع رهبانه، وشحب لونه وقال:

«يا اخوتى، لقد نطق بالحق لو كنتم تعلمون! فى الواقع، الناس المساكين فى لحظة ضعفهم وقلة فهمهم يموتون على الرذيلة والخيانة، بينما نحن لا نفعل شيئا ولا نحرك ساكنا، كما لو كان ما يحدث لا يعنينا. لماذا لا أذهب وأذكّرهم بالمسيح الذى نسوه؟».

ذهبت كلمات رجل المدينة الثمل بكبير الرهبان بعيدا. فى اليوم التالى حمل عصاه، وودع اخوته، وتوجه إلى المدينة. وترك الرهبان بلا موسيقى ولاخُطب ولا مواعظ. قضوا شهرا كئيبا، ثم مر شهر آخر ولم يعد الرجل العجوز. بعد مرور ثلاثة أشهر سمع الرهبان صوت قرع عصاه المألوف. اندفع الرهبان لمقابلته وأمطروه بالأسئلة. لكن بدلا من أن يكون مسرورا لرؤيتهم بكى بمرارة ولم ينطق بكلمة.

لاحظ الرهبان أن كبيرهم قد هَرم بشكل واضح، وصار أكثر نحافة. يبدو وجهه مرهقا وقلقا، ويكسوه حزن عميق. وعندما بكى بث فيهم صدمته وغضبه.

انغمس الرهبان فى البكاء وبدأوا يسألون بتعاطف لماذا يبكى أباهم، ولماذا يبدو وجهه متجهما للغاية؟ لكنه حبس نفسه فى صومعته دون أن ينطق بكلمة. ظل فى صومعته سبعة أيام، لم يأكل شيئا ولم يشرب ولم يعزف على الارجون، فقط يبكى. يطرق الرهبان بابه ليخرج إليهم وليتشاركوا الحزن معا. لكنه لا يكف عن إجابتهم بالصمت.

خرج أخيرا، تجمع حوله الرهبان، بدموع تسيل فوق وجهه، ويكسو الحزن والسخط قسماته، بدا يحكى لهم عما اختبره خلال الشهور الثلاثة. كان صوته هادئا، وعيناه تبتسمان بينما يحكى عن رحلته من الدير للمدينة. فى الطريق، كما أخبرهم، غنت له العصافير مع صوت خرير الماء، وأمل قوى حلو أنعش روحه. كان يمضى فى طريقه يحمله شعور بأنه جندى ذاهب إلى المعركة وهو واثق من الانتصار. كان يمضى فى طريقه حاملا آلاف القصائد والترانيم، ووصل إلى نهاية الرحلة دون أن يلاحظ ذلك.

بعدها تبدلت نبرته وهو يحكى. ارتعش صوته وتوهجت عيناه وامتلأ غضبا عندما وصل بالحديث إلى الحكى عن المدينة والناس الذين يعيشون هناك. لم يسبق فى حياته أبدا أن رأى أو حتى جرؤ على تخيل ما رآه فى المدينة.

لأول مرة، والوحيدة فى حياته، وفى كهولته، رأى وأدرك قوة الشيطان، وكم أن الشر جذاب، وكم أن الإنسان ضعيف القلب وعديم القيمة.

عن طريق صدفة تعيسة، كان أول بيت يدخله الراهب بيتا للرذيلة. خمسون رجلا يرتادون المكان، مِن هؤلاء الذين يملكون الكثير من المال. يأكلون ويشربون الخمر بكل تبذير. الجميع ثُمالا يغنون، ويتلفظون بكل جرأة بكلمات مريعة، ألفاظا تثير الإشمئزاز، لا يجرؤ الرجل الذى يخاف الله أن يكررها. يتلفظون بها بكل حرية وثقة وبكل سعادة. لم يخافوا الله، ولا الشيطان، ولا الموت. لكنهم يفعلون ما يحلو لهم، وذهبوا إلى أبعد الحدود التى قادتهم شهواتهم إليها. النبيذ الصافى كما الكهرمان ينسكب ببريق ذهبى.

لابد أن للنبيذ حلاوة وعطرا لا يُصدق، يؤثر فى كل مَن يشربه فيبتسم بسعادة ويطلب المزيد. الجميع يبتسم للجميع وتلمع البهجة أكثرعندما يشربون، كما لو أن كل من يشرب يعلم أن هناك سِحرا شيطانيا مخبئا فى حلاوتها.

يزيد غضب الرجل أكثر وأكثر، ويحكى بحنق، وأكمل وصف ما رأى. على المائدة الموضوعة وسط حشد المحتفلين، كما قال، وقفت امرأة خاطئة نصف عارية. من الصعب تخيل أو إيجاد شىء فى الطبيعة أكثر روعة وجمالا منها. هذه الأفعى الشابة، طويلة الشعر، داكنة البشرة، سوداء العيون، شفتاها ممتلئتان، وقحة جريئة لا تخجل. أظهرت اسنانها البيضاء وابتسمت كما لو كانت تقول له:

«أنظر، لا يخجلنى كم أنا جميلة» يتدلى الحرير المطرز فى طيات بديعة من على كتفيها، لكن جمالها يأبى أن يخفى نفسه تحت ثيابها، بل يعلن عن نفسه بلهفة من بين الطيات كما العشب النضر على الأرض فى فصل الربيع. المرأة التى لاتخجل تشرب النبيذ، وتنشد الأغنيات، وتمنح نفسها لمن يشتهيها.

بعدها لوح الرجل العجوز بذراعه يصف سباقات الخيول، ومصارعة الثيران، المسارح، واستديوهات الفنانين حيث تُرسم امرأة عارية أو يُصنع لها تمثال.

تحدث بإلهام، بصوت رنان، كما لو كان يعزف لكورال غير مرئى، بينما الرهبان يتحجرون فى أماكنهم ويتجرعون بنهم وجشع كلماته بكل لهفة ونشوة.

بعدما انتهى من وصف سحر الشيطان، وجمال الشر، ونعمة روعة تشكيل جسد الأنثى، لعن الرجل العجوز الشيطان، والتف وحبس نفسه فى صومعته. وعندما خرج فى الصباح التالى، لم يجد فى الدير أى رهبان متبقين، هرب الجميع إلى المدينة.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق