رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

طرائف المصريين بين البشرى وحافظ وشوقى

مصطفى جودة

كان حافظ جالسا فى حديقة داره ودخل عليه عبد العزيز البشرى وبادره قائلا: « لقد رأيتك من بعيد فتصورتك واحدة ست», فقال حافظ إبراهيم: « والله يظهر أن نظرنا ضعيف, أنا كمان شفتك وإنت جاى إفتكرتك راجل»

سيبويه المصري صاحب أول نكتة كان يركب حــــماره في الأسواق هاجيا أعداء >> من أطعم ضيفه خبز الشعير فإنه يحشر مع البغال والحمير, ومن أطعم ضيفه لحم الدجاج فإنه يدخل الجنة بلا علاج



«وللمصريين نزعة الى السرور, اندفاع فطرى الى المزاح والمطايبة على وجه ينم عن الذكاء وحضور الذهن وسرعة الخاطر».

هذه مقولة كلوت بك مشخصا جانبا من طبيعة المصريين, أوردها الكاتب «على مرة», فى مقدمة كتابه «طرائف المصريين», الجزء الثانى من موسوعة الأدب الضاحك, رياض الريس للكتب والنشر, لندن, الطبعة الأولى 1987. يقع الكتاب فى 175 صفحة ويشمل مقدمة وستة أبواب تشمل نوادر مختلفة عبر كثير من عصور المصريين, وفهرس المواضيع والأعلام. الكتاب يحوى نصوصا شعرية ونثرية عن خفة ظل المصريين وتهكمهم وخصوصا على الأعداء عبر العصور كرد فعل ونوعا من المقاومة الفعالة عبرالقرون الطويلة من تاريخهم الفريد, وتسجيلا حقيقيا للتاريخ عبر تلك النكت وتلك التهكمات ضد المحتل.

روى فى المقدمة أول صاحب نكتة فى مصر كان يعيش فى عهد كافور الإخشيدى وكان اسمه سيبويه المصرى وذلك لغرامه الشديد بالنحو وتعلقه بالصرف والإعراب. كان سيبويه هذا يركب حمارة بيضاء اللون ويمشى فى الأسواق هاجيا أعداءه ومنافسيه بأفحش الألفاظ.

وعندما سئل: لماذا تركب حمارة؟, قال: لأن عندى فى البيت حمارة تركبنى.

يقول فى المقدمة أيضا: «الفكاهة المصرية كثيرة وغزيرة ومتعددة الألوان ومتميزة بروح لطيفة خفيفة وطابع خاص». كما يشيرالى مجالس الأدب ودور هذه المجالس فى ثقافة النكتة المصرية والظرفاء والمبدعين الذين كانوا ضمن روادها. من هذه المجالس نادى السيدة نازلى فاضل الذى ظهر فى أواخر القرن التاسع عشر والذى كان يقصده الشيخ محمد عبده وسعد زغلول وقاسم أمين وغيرهم. تبع ذلك ظهور صالون مى زيادة الأدبى والذى كان من رواده أحمد شوقى وحافظ إبراهيم وخليل مطران والشيخ عبدالعزيز البشرى ومحجوب ثابت وإنطوان الجميل والدكتور على إبراهيم وأحمد لطفى السيد وعباس محمود العقاد ومصطفى الرافعى وغيرهم. كان هؤلاء الأفذاذ يتبادلون الأحاديث الأدبية والنوادر الطريفة والدعابات الحلوة والتهكم أحيانا. تبع ذلك نادى القلم والذى كان مكانا لاجتماع أقطاب الفكر والأدب. كان هناك أيضا صالون جريدة الأهرام الأدبى من أحفل الصالونات الأدبية وكان يرتاده رواد الفكر والساسة والعلماء. إضافة الى تلك الصالونات كانت هناك القصور والمقاهى والتى كان يرتادها رواد الفكر وأقطاب الأدب ومن أشهرها قهوة وبار اللواء والتى كانت مجالا لإطلاق النكات العذبة اللطيفة والتى كانت تنتقل الى الجميع بعدها.

لم يتعرض المؤلف الى مفهوم الشلل التى كانت مكانا ومصدر إشعاع للنكتة المصرية. ذكر نجيب محفوظ فى مذكراته عن هذه الشلل والتى تشبه الصالونات المفتوحة. منها شلة العباسية التى كانت تلتقى فى مقهى عرابى التى كانت تضم نجيب محفوظ وآل نويرة والدكتور أدهم رجب وشقيقه ومصطفى كاظم شقيق السيدة تحية كاظم زوجة الرئيس عبدالناصروأحمد الحفناوى والألفى مأمون والمعلم كرشو ونجيب الشويخى. ثم شلة الحرافيش والتى كانت تضم بعضا من أساطين الفكاهة. كانت تضم نجيب محفوظ وعادل كامل وعلى أحمد باكثير ويوسف جوهر ومحمد عفيفى وأحمد مظهر وصلاح جاهين ومصطفى محمود.

يشير فى المقدمة الى دور الفكاهة فى عالم الصحافة ويعد الصحف والمجلات الهزلية التى صدرت فى القرن العشرين وكان لها دورا فى مقاومة الاحتلال الإنجليزى. يقول: «كانت البيئة الأدبية فى أوائل هذا القرن تتسم بطابع الظرف, وكان للفكاهة سلطان عظيم, وربما كان للاحتلال الإنجليزى الجاثم على أنفاس الشعب المصرى دورا فى اصطناع النكتة وابتداع الفكاهة, وراجت الصحافة الهزلية والفكاهية وبلغت أوجها. وكانت صحيفة أبو نظارة من أمتع الصحف الهزلية, وكان عبدالله النديم قطبا من من أفكه الظرفاء, وكانت مجلته التنكيت والتبكيت معرضا طريفا للفكاهة العذبة والمرح اللطيف». يستمر فى الدور المقاوم للصحافة الساخرة للاحتلال الإنجليزى بالسخرية من غطرسة الإنجليز ومن أفعال اللورد كرومر وظهور عدد من الصحف بهذا الصدد منها جريدة حمارة منيتى, ومصباح الشرق وخيال الظل والمسامير والشجاعة والسيف. وفى أثناء ثورة 1919 ظهر عدد كبير من الكتاب الظرفاء, وظهرت مجلة الكشكول ومجلة المسلة التى صدر أول عدد منها فى 4 مايو 1919 وكان يكتب فيها بيرم التونسى وتمت مصادرتها بعد صدور 13 عددا منها. صدرت بعدها نشرة فكاهية باسم الخازوق والتى لم يصدر منها غير عدد واحد. وأصدر بيرم التونسى بعد ذلك مجلة الشباب, ثم أصدر محمود عزت المفتى مجلة الراديو والبعكوكة متخصصة فى نقد الشعب المصرى نقدا مرا كنوع من التحفيز. كانت هناك أيضا مجلتان أخريان هما مجلة الصرخة والمطرقة وبعدهما جاءت مجلة كلمة ونص. وتعد مجلة صباح الخير آخر مجلات الفكاهة.

أورد المؤلف فى الباب الثانى إحدى الخطبتين الواردتين فى كتاب «هز القحوف فى شرح قصيدة أبى شادوف للشيخ الشربينى», والذى سجل لنا فيه موسوعة عن الريف فى القرن السابع عشر تصف أحوال أهله وعلمهم الذى يشبه ماء النخال وحكايات الفقراء وأحوال الأوباش وهو تسجيل ما جرى فى عصر الانحطاط الذى مرت به مصر تحت نير الاحتلال العثمانى وكيف رزحت تحت وطأته التى حولت الحياة به الى جحيم مقيم. الكتاب كله يعتبرنوعا من الأدب الساخر والناقد. لم يكن بوسعه ومقدوره نقد العثمانيين والمماليك بطريقة مباشرة وإلا لاقى حتفه, إنه بوصفه الساخر وطريقته الساخرة «يلقح كلام» كما نقول نحن المصريين على المحتل, وأننا نواجه المحتل بالنكتة اللازعة كنوع من المقاومة. إنه قول متشابه. الطبعة الأولى للكتاب صادرة عن مطبعة بولاق عام 1274 هجرية والثانية 1308 هجرية, يقول فى الخطبة الأولى والمبنية على ذكر المأكولات والدعوة لأصنافها وألوانها الممتازة التى كان الشعب محروما منها.

يقول على نسق خطبة الجمعة:

«الحمد لله مستحق الحمد على التحقيق, الذى وفق بين الفرج والضيق, وأمر بالحج الى بيته العتيق, وجعل السمن البقرى لعسل النحل رفيق, أيها الناس مالى أراكم عن الزبدة والعسل غافلون, وعن الأرز المفلفل باللحم الضانى تاركون, وعن البقلاوة فى الصوانى معرضون, وعن الأرز بالسمن والدجاج المحمر لاهون؟, فاغتنموا رحمكم الله هذه الموعظة, ودعوا أكل المغلظة, كالعدس والبيسار, والحمص المهروس والفول الحار, وأحمده تعالى مزيل الحزن, ومزين الأرز باللبن, وأشهد أن اللحم الضانى سيد الأطعمة ومصلح للبدن, وأعلموا أن القشطة لا تترك, وأن المهلبية أحسن وأبرك, وقد جاء فى الحديث أن من أطعم ضيفه خبز الشعير فإنه يحشر مع البغال والحمير, ومن أطعم ضيفه لحم الدجاج فإنه يدخل الجنة بلا علاج وتستقبله الملائكة أفواجا أفواجا, وأوصيكم إذا دعيتم الى وليمة فرخرخوا أحزمتكم ودككم واترسوها الى الحلقوم وزلقوا الماء تزليقا فمن أكل فلنفسه ومن انتخم فعليها وما أنا عليكم بوكيل».

وذكر فى نفس الباب سخرية شعرية عندما أهدى عبدالحميد فهمى مرسى ثلاثة خراف الى أصدقائه محمد الأسمر ومحمد عبدالغنى حسن وعلى الجندى بعد أن طلبوها بثلاث قصائد منها:

أخراف هاتيك أم أنقاف نبئونا عسى يزول الخلاف

مسها الضر والهزال فراحت تتهاوى كأنها أطياف

قد رآها الجزار فانتابه الغشى وخف لحمله الإسعاف

هل سمعتم أو هل رأيتم خرافا لا لحوم بها ولا أصواف

قلت لما أتى الى خروفى رب أنت المعاذ مما نخاف.

الباب الثالث بعنوان «مقامات عصرية» ومخصص كله لبعض من مقامات بيرم التونسى والتى كانت نموذجا فكاهيا فريدا وأصيلا ساخرا لا تقليد فيها تشبه القصة القصيرة, واستطاع فيها ربط العلاقة بين الفن والوسط, وربط بين بين المقامة والحياه وقدم صورا نابضة يعايشها الناس, منها المقامة الشوالية:

«حدثنا المتيم ابن ولهان»

قال بلغت الخامسة والثلاثين ولم أزل فى زمرة العزاب المساكين ولم أطأ بساط النعيم ولم أقعد مع الحريم. فلما هلت عطلة الأزهر وفرغنا من الجهاد الأكبر عزمت على التفسح والتمسح, فلبست جبة من الجوخ السلطانى وقفطانا من القطن الحمصانى وشالا من الشاش النعمانى وحذاء يقال لجلده أمريكانى. وخرجت الى ميدان الأوبرا أتطلع الى النساء وأنتقى لى منهن خنساء, فلم أر إلا خواجات وهوانم لا يرغبن فى مجاور ولا عالم. فقلت لنفسى: عليك بالأحياء الوطنية مثل حى الغورية فهناك يحن الجنس الى الجنس وتكمل المعرفة ويتم الأنس:

يأبى النساء اللابسات خلاخلا

الحاملات مقاطفا ومناخلا

والضاربات صدورهن تعجبا

والآكلات مدمسا وفلافلا

والقاصدات محاميا ومحاكما

والقائلات البخت أضحى مائلا

هن اللواتى يحترمنى مكانتى

ويخلننى فى القطر شيخا هائلا

فوقفت عند موقف الترام ونقطة الازدحام فمرت امرأة لها كفل مهول فمشيت خلفها أقول:

أيها الردف الذى قد عظما وعلا جدا وفاق الهرما

يتهادى يمنة أو يسرة تابعا فى حالتيه القدما

كلما سارت به ربته أظهر الطيش وأخفى الحلما

كيف يلقاك محب واله برح الشوق به فاحتلما

فمشيت على طول ولم تفهم ما أقول. فرجعت الى موقف الترام حيث نقطة الازدحام فمرت امرأة ثانية لها ساق سبحان الخلاق فمشيت جنبها وأنا أقول:

أيها الساق الذى قد دملجا وتحاشى حجله أن يخرجا

يتهادى يمنة أو يسرة خلقة أو خفة لا عرجا

كلما سارت به ربته خلتها تدوس المهجا

كيف يلقاك محب واله أن تمددت عليه ابتهجا

فمرت ولم تفهم. فقلت الى جهنم. ورجعت الى موقف الترام حيث نقطة الازدحام فمرت امرأة كالبرج المشيد وفيها محاسن الأخريات وتزيد وفوق رأسها شوال خفيف كأنه محشو ليف «أو هكذا كنت أخال», فهجمت عليها فى الحال وقلت: لا والله لأحملن عنك هذا الشوال. فلما استقر الشوال على رأسى كاد يخمد أنفاسى ولكن التظاهر بالرجولة صبرنى على هذه الحمولة. وسارت تتأود وتتبختر وأنا خلفها أتلوى وأتعثر وكلما رأتنى أقترب منها أسرعت وإذا ابتعدت عنها تمهلت. فسألتها: بالله ما محتويات هذا الشوال؟, فقالت: فى هذا الشوال كليم وسندان وطست وحلتان وعشرة صحون وهون وأقتان من الزيتون وفيه عشرة أرطال بن أخضر وست رؤوس من السكر ومائة بقسماطة وعشر أقات بطاطة وأربعة أزواج من القباقيب وثلاثة مراكيب. واستمرت تسير وأنا أسير وهى تقول وأنا فى ذهول الى أن وجدت نفسى قدام شباك التذاكر الذى يقصده كل مسافر. قلت: هل أنت مسافرة؟, قالت: نعم ولك شاكرة.

الباب الرابع يحوى الكثير من النوادر الرائعة الدالة على تفرد مصر بخفة الظل. يحوى بعضا من المشادات الطريفة التى دارت عبر سنوات بين أمير الشعراء أحمد شوقى والدكتور محجوب ثابت وحافظ إبراهيم وعبدالعزيز البشرى. كان محجوب ثابت طبيبا وكان نائبا وسياسيا وكان كاتبا وزعيما للعمال وإبن نكتة. وقد أشار الأديب عبدالعزيز البشرى الى الدور الكبير الذى قام به محجوب ثابت وحصانه الذى يدعى «مكسوينى» لنصرة القضية الوطنية فكتب فى المرآة: « لا شك أن الدكتور ثابت, يعد بحق من ميراثنا القومي, ولو جرى عليه القدر لكان لا بد للأمة من محجوب ثابت بأية طريقة, إنه لا يقل عن آثار سقارة وجامع السلطان ومقابر الخلفاء, ولقد أصبح على الزمان جزءا من تقاليدنا كحلقة المحمل ووفاء النيل وشم النسيم, وكلما انتشرت فى البلد مظاهرة كان قائدها, وكلما ساروا بجنازة كان على رأس المشيعين. وفى الحق فإن الدكتور يرى نفسه مسئولا عن كل مافى بلد من هابط وصاعد وغاد ورائح وسايح وبارح ودارج على متن الغبراء وطائر فى السماء, فإذا كانت هناك منطقة خارجة عن اختصاص الدكتور فهى عيادته فقط, وإنى أقترح على الدولة بنزع ملكيته وإضافتها الى المنافع العامة, ولعلها بعد عمر طويل تجعلها من نصيب دار الآثار».

كان شوقى ومحجوب يصرفان بعض ليالى الأسبوع فى عيادة الدكتور محجوب فى السيدة زينب الى ساعة متأخرة من الليل ثم حدث أن انقطع شوقى فجأة عن ارتياد عيادة الدكتور محجوب. فتساءل محجوب عن سبب غياب شوقى, واتصل به تليفونيا مستفسرا عن سبب انقطاعه, ففاجأه شوقى بأنه ينوى عدم العودة الى زيارة العيادة على الإطلاق بعد الذى عاناه من البراغيث المنبثة فى عيادته. وهنا حدثت مشادة كلامية بين أمير الشعراء شوقى ومحجوب ثابت وحاول كل منهما أن يلقى التبعة على صاحبه, ويحمله مسئولية البراغيث. فمحجوب يدعى بأن البراغيث إنما حملها معه شوقى فى سيارته, ولعل المسئول عن ذلك هو سائق سيارة شوقى. وشوقى يدعى أن البراغيث من إنتاج العيادة ومن زبائنها المدمنين. وانقطعت المحادثة التليفونية بين شوفى ومحجوب بعد أن اتفقا على الاحتكام الى داوود بركات رئيس تحرير الأهرام الأسبق. وفى المساء إجتمع الجميع فى بار اللواء وكانت مناظرة تخللها كثير من المرح والطرب والفكاهات والنكات. وكان عبدالعزيز البشرى من شهود هذه الجلسة المرحة, وقد انتهى النزاع الى إحالة عينة من البراغيث موضوع الخلاف الى خبراء فى علم الحشرات لفحصها ومضاهاتها بالعينات الأخرى بعد شن حملة تفتيش على العيادة للقبض على جسم الجريمة. ومع الصباح نشر شوقى قصيدته المشهورة عن براغيث المحجوب منها:

براغيث محجوب لم أنسها

ولم أنس ما طعمت من دمى

تشق خراطيمها جوربى

وتنفذ فى اللحم والأعظم

ترحب بالضيوف فوق الطريق

فباب العيادة فالسلم

قد انتشرت جوقة جوقة كما

رشت الأرض بالسمسم

فى تراثنا العظيم الكثير من التهكم ربما النصيب الأكبر كان منصبا على الاحتلال الإنجليزى. كان اللورد كرومر مستبدا وظالما فجا وطاغيا متعصبا وصاحب أجندة شريرة. عند تركه وظيفته المشئومة بمصر والتى استغرقت أكثر من ربع قرن, لم يستح الرجل وقال كلاما فجا فى حفلة أقامها مصطفى فهمى رئيس النظار بمناسبة رجوعه إلى بلاده. وفى هذه الحفلة خطب رئيس النظار فأطرى على كرومر وأثنى عليه. ثم خطب لورد كرومر فى هذه الحفلة فأهان المصريين ورماهم بالذلة والجحود والتعصب ونكران الجميل، وأنذرهم بأبدية الاحتلال وعرض بالخديوى إسماعيل تعريضاً شديداً. وكان الأمير حسين كامل حاضراً فسمع ما قيل فى أبيه من الشتائم والسباب. وقد ظهر أثر ما حدث فى هذه الحفلة عند شوقى حيث يقول:

أيامكم أم عهد إسماعيلا أم أنت فرعون يسوس النيلا؟

أم حاكم فى أرض مصر بأمره لا سائلا أبدا ولا مسئولا.

لما رحلت عن البلاد تشهدت فكأنك الداء العياء رحيلا

أوسعتنا يوم الوداع إهانة أدب لعمرك لا يصيب مثيلا

أنذرتنا رقا يدوم وذلة تبقى وحالا لا ترى تحويلا

أحسبت أن الله دونك قدرة لا يملك التغيير والتبديلا

الله يحكم فى الملوك ولم تكن دول تنازعه القوى لتدولا

فرعون قبلك كان أعظم سطوة وأعز بين العالمين قبيلا

خصص المؤلف الباب الخامس للحوارات والقفشات بين شوقى وحافظ والبشيرى.

كان حافظ إبراهيم عضوا فى شلة محجوب ثابت وشوقى والشيخ عبدالعزيز البشرى وكانوا يمارسون «القفش» الخالد مع بعضهم. حدث أن استضاف سعد زغلول فى مصيفه بعض أصدقائه وكان فيهم حافظ إبراهيم والدكتور محجوب ثابت. فى جلسة روى لهم الدكتور محجوب حلما رآه فى ليله, فسأله سعد زغلول عن الحلم, فقال: «رأيتنى راكبا جملا كبيرا ومن خلفه عدد كبير من الحمير ثم جاءنى رجل معه رسالة من شخص عظيم وأعطانى إياها. فنظر سعد الى حافظ إبراهيم وقال له فسر لنا هذا الحلم يا حافظ. قال حافظ: أما الجمل الذى يركبه فهو كرسى مجلس النواب, وأما الرسالة فهى تكليف بتوليه وزارة الصحة التى كان الدكتور يحلم بها ويشتاق إليها, وأما الحمير فهم الذين انتخبوه فى مجلس النواب».

يروى لنا الكاتب مزحة أخرى عن حافظ صاحب الحس الكوميدى الراقى: «كان لحافظ إبراهيم جماعة من الأصحاب اعتادوا زيارته فى أوقات غير خاصة». فى صباح أحد الأيام ذهبوا إليه فى ساعة مبكرة فقابلهم وهو يلبس القبقاب, فقال أحدهم معاتبا: «بقا يصح يابيه تقابلنا وإنت لابس القبقاب؟», فأجاب حافظ على الفور: «لو كنت عارف إنكم أنتم كنت نزلت لكم بالجزمة».

كان حافظ جالسا فى حديقة داره ودخل عليه عبدالعزيز البشرى وبادره قائلا: «لقد رأيتك من بعيد فتصورتك واحدة ست», فقال حافظ إبراهيم: «والله يظهر أن نظرنا ضعيف, أنا كمان شفتك وإنت جاى إفتكرتك راجل».

ذكر عبدالعزيز البشرى أنه كان يمشى فى الطريق يوما فاعترضه أحد القرويين وقدم له خطابا ليقرأه, وقال إنه رجل أمى يجهل القراءة والكتابة وقد جاءه هذا الخطاب من بلده. وكان خط الخطاب رديئا يصعب حل طلاسمه, فلم يستطع البشرى أن يقرأ منه شىءا, فرده الى صاحبه معتذرا عن عجزه. وهنا قال القروى فى ضيق: « أمال شيخ إيه ولابس عمة ليه؟. فأسرع البشرى وخلع عمامته ووضعها على رأس القروى وقال له: «اقرأ أنت يا سيدى, آدى العمة على رأسك».

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق