رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

تلك الأيام
قصص قصيرة

الصفعة

هذه ليست أول مرة أخرج من التليفزيون وأصفع المشاهدين على بلاهتهم. مرات كثيرة أفعل ذلك، لكن لا أحد يريد أن يصدق، حتى أصفعه بكفى على وجهه، ساعتها يحكى لأصحابه أو أهله لكن لا أحد يصدقه.

أعرف أنهم لا يصدقون، فأنا لا أصفعهم جميعا مرة واحدة، إنما أصفع كل واحد بمفرده، ودون أن يرى ذلك أى أحد. لأننى أخشى أن يتكاثروا على ويضربونى أو ربما يقتلونى. وزيادة فى الاحتياط فإننى أتسلل من التليفزيون ببطء شديد، أصفع أحد المشاهدين وأعود للتليفزيون سريعا قبل أن يلتئم جرح الشاشة، وأقع فى المصيدة.

فى إحدى المرات كان التليفزيون قديما، وخشيت أن خرجت لا أستطيع العودة، ولذلك مددت يدى من داخل الشاشة القديمة وصفعت المشاهد وهو يحاول أن يضبط الصوت الذى كان يعلو وينخفض أو يتوقف فجأة.

أعرف أن كثيرا من الناس لا يصدقون ما أقوم به، رغم أنه شىء سهل ويسير أسهل من معجزة شق البحر مثلا. لكن الناس تصدق ما تريد أن تصدقه فيصبح يقينا فى داخلهم.

هم لا يريدون أن يصدقونى حتى أصفعهم واحدا واحدا. وها أنا ذا أفعل مهما كلفنى ذلك من وقت. لن تأخذنى شفقة أو رحمة بخدودهم الجميلة ولا عيونهم الهلعة. سأصفعهم حتى يفيقوا من الوهم الذى يعيشون فيه. أريد أن أقول لهم: لست أنا من يصفعكم فقط، راجعوا أفكاركم ومعتقداتكم.تجدون أشياء كثيرة تصفعكم بالليل أو بالنهار، ولا تستطيعون لها ردا أو هروبا، ولا تجرءون.

إننى أصفعكم لأنكم أشرار بطبعكم، اخترعتم ما سميتموه الشيطان حتى تحملوه كل جرائمكم. كيف تصدقون أن هناك شيئا اسمه الشيطان يقوم بعمل الشر نيابة عنكم؟ ولا تصدقون أننى أخرج من التليفزيون وأصفعكم على وجوهكم.

أنتم من تصنعون الشر، ولا وجود للشيطان إلا فى عقولكم وأوهامكم الغريبة التى تقول إنه يجركم إلى الشر جرا وأنتم كالبهائم بلا عقل تطيعون.

سوف أظل أصفعكم هكذا حتى تتحرر عقولكم، لأنكم الأشرار لا الشيطان الذى تزعمون.

الغريب أننى أصفعكم كل يوم ورغم ذلك هناك من يكذبوننى، ويصدقون فى وجود الشيطان المزعوم، الذى لا يوجد أى دليل عليه غير عقول بالية، بينما أثر كفى على خدودكم ظاهر للعيان، وهلع أعينكم لا يروح كمن شاهد الشيطان حقا.

ما يدور فى عقولكم عن الشيطان يستحق أن أترك التليفزيون نهائيا وأظل أصفعكم جميعا حتى تستيقظوا، ولو كلفنى ذلك ألا أعود إليه أبدا يا أصحاب الشيطان.

نسيان

استيقظت مبكرا على غير العادة وكنت فرحا جدا لذلك، وما إن جلست فى المترو -سعيدا - حتى اكتشفت أننى نسيت «الموبايل». ولأن الموقف تحول فجأة إلى سخيف..قلت للمترو: لف وارجع.

فى البداية كان الناس مندهشين، لكن بعضهم بدأ يبتسم غير مصدق وهو يرى المترو يسير فى الشوارع بلا قضبان.المفاجأة، أن كل واحد اكتشف أنه نسى شيئا. هناك من نسى محفظته، ومن نسى نظارة القراءة، ومن نسى مصروف منزله، ومن نسى أن يقبل أطفاله..الجميع الآن أصبحوا سعداء..لكن واحدا مثلى تماما فى آخر العربة..كان حزينا جدا..لأنه فقد أو نسى روحه.. وللآسف لم يجدها.

قسوة

أملك من القسوة ما يجعلنى أمد حذائى فى وجه امرأة شريفة كى تلمعها بالورنيش. أنا الذى أدعى المثالية كيف أفعل ذلك مع امرأة؟ وجهها ناشف وتجلس وراء صندوق ورنيش خشبى تلمع أحذية العابرين، بجانبها طفلة رضيعة تلفها فى ملابس كثيرة حتى تحميها من البرد. تبتسم وهى تقول تلمع يا بيه..وأنا الذى أدعى الفضيلة ارفع حذائى، وأحاول مثل أى أفندى يدعى أى شيء، أن أقرأ هذه السيدة وأعرف حكايتها، من زوجها؟ وكيف تجلس أمام سور حديدى قوى تسند ظهرها المتعب، وتخبط علبة الورنيش وتنادى بصوت مسموع:تلمع يا بيه.

زحام الناس على الرصيف لا يعطى فرصة للنظر أو السؤال، وأنا أحاول كل مرة تجنب النظر إليها كأنى لا أراها.لكننى هذه المرة، امتلكت ….، وتقدمت، جمعت كل ما بداخلى من قسوة تليق برجل مزيف، ووضعت حذائى فوق صندوقها الخشبى. وأقنعت نفسى بأننى فعلت ما على، وأنا أمنحها نقودا أكثر من الآخرين، طالبا من الله فى نفس اللحظة أن يرانى ويكتب ما أفعله صدقة.

أنا الذى أملك من القسوة ما يجعلنى أضع حذائى فى وجه امرأة شريفة لتلمعه.وأمنحها نقودا كثيرة كصدقة، لأحس بعدها أننى استرحت قليلا. فأى زيف هذا الذى يجعلنى هكذا؟ دون أن أسأل نفسي: كيف أضع حذائى فى وجه امرأة فقيرة؟ وبعد ذلك أدعى أننى رجل شريف!

الريح

فى طريق سفرهما إلى ليبيا للعمل اختلف الرجلان وكان دائما بينهما شجار منذ خروجهما من قريتهما التى أصبحت الآن بعيدة بعيدة، فقال أحدهما للآخر وهما فى مكان قصى لا يوجد فيه غيرهما: ترى إذا قتلتك الآن من يخبر أهلك إنى قتلتك؟..فرد الآخر بثقة لا يعرف من أين جاءت، الريح تخبرهم. فابتسم الآخرة ابتسامة ساخرة وقتله بمطواه نفذت الى قلبه وتركه فى الصحراء الخالية للطير والسباع تخفى إثار جثته للأبد.. وأكمل طريقه إلى ليبيا وظل يعمل فيها لسنوات مدعيا أنه يعمل فى مكان يعيدا عن صاحبه الذى أصبح لا يعلم عنه شيئا. ثم عاد إلى بلدته وفى لحظة صفاء حكى لزوجته ما حدث، وكتمت الزوجة سر زوجها سنوات حتى طلقها.. وفى نفس المكان الذى قتل فيه صاحبه تقريبا، قال له شقيق القتيل:إذا قتلت هنا من يخبر أهلك؟

فرد القاتل السابق بثقة قتيل يعرفه: الريح!

والأيدى تعبث فى كل مكان بالجسد الفتان، بشرط أن لا تقترب أبدا من الحجاب على شعرها!.

ضوء القمر

ضوء القمر الشفيف يرسم ظلين خفيفين لولد وبنت يتناجيان. البحر أمامهما لا نهائى، والرمال تغرق أقدامهما فى نعومتها. يلف الولد يده حول كتفها ويميل برأسه على رأسها، فيذوبان، ويصبحان ظلا واحدا.مشيا ببطء شديد، ووقفا طويلا ثم اختفيا وراء صخرة، والبحر أمامهما.

ولأننى سيئ النية فقد خمنت الباقى. وحسدتهما على المتعة.وأردت أن أرى، صعدت إلى صخرة أعلى ورحت أنظر.كانت البنت جالسة والولد ينام فى حجرها، ودمع سخين ينزل من عينيهما. والبحر يبتلع الدموع، والموج يزأر، ولا شىء آخر.

‫‬

من مجموعة قصصية تصدر قريبا


لمزيد من مقالات محسن عبدالعزيز

رابط دائم: