رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

الحملة الفرنسـية ولعبة النــور والظلال
«حملة مصر» كتاب جديد يتجاهل كثيراً من الحقائق فى سبيل ترسيخ أسطورة نابليون

د. ناصر أحمد إبراهيم

نشر المؤرخ الفرنسى جاك أوليفييه بودون Jacques-Olivier Boudon، فى عام 2018، المتخصص فى تاريخ الثورة الفرنسية وحقبة الإمبراطورية النابوليونية، كتابا بعنوان «حملة مصر». العنوان بدا تقليدياً، لكن صورة الغلاف تفوقت بمكوناتها وجاذبيتها على العنوان.

...............



قديماً كان أهالينا يرددون مقولة: «الكتاب يقرأ من عنوانه»، واليوم يصح أن نقول أيضاً «هوية الكتاب تُعرف من صورة غلافه»، لاسيما مع تلك الكتابات التى تعالج قضايا جدلية تتعدد فيها الآراء والتوجهات. وإذا كان العنوان بتعبيرية جاك دريدا يمثل « مركز الإشعاع على النص»، فإن الصورة بمثيراتها البصرية وإيحاءاتها الدلالية قد تتفوق على الكلمات المتضمنة فى العنوان. إنها تشكل الأفق الذى يُظهر جانباً من النزعة الكامنة وراء الكتابة نفسها. وهذه هى الحال مع كتاب جاك بودون؛ حيث تفوقت الصورة بدلالتها على قيمة العنوان الذى جاء تقليدياً ومتكرراً «حملة مصر» La Campaigne dÉgypte. راهن الناشر إذن على ما تثيره الصورة لدى القارئ الشغوف بمعرفة أسرار الحضارة الفرعونية، وقصة جيش بونابرت الذى كان أول غازٍ احتك بهذه الحضارة، واهتم بالتعرف عليها، وإزالة طلاسمها، وساهم فى فك شفرة لغتها الهيروغليفية القديمة.

إن نظرة واحدة على مكونات صورة غلاف؛ تظهر بوضوح الطابع الأيديولوجى للكتاب، المستوحى من ميراث المدرسة الاستعمارية الكلاسيكية. وعلى الرغم من الدراسات الحديثة،المستندة إلى مادة أرشيفية أصيلة، التى كشفت عن حقائق جديدة، تعيد قراءة الحدث، وتطرح رؤية بديلة أكثر واقعية، إلا أن المدرسة الفرنسية المعاصرة لا تبدى تجاوباً مع هذا الطرح المناقض لقراءتها الكولونيالية؛ إذ لا تزال تتمسك بالأطر التفسيرية الكلاسيكية، المتوارثة عن ماضٍ يمتد لأكثر من قرنين، يجترون مقولات فقدت صلاحية استمراريتها فى التفسير؛ من قبيل: أن الحملة الفرنسية كانت أول حملة ثقافية أو علمية فى التاريخ الحديث، وأن فرنسا الثورة كانت تعنى بتحرير الأمم، وحملة مصركانت إحدى حروبها التى استهدفت تحرير هذا البلد من نير الاستبداد (المملوكى) الذى أفقدها رونقها الحضاري، وأن انتشال مصر من وهدتها وتخلفها لردها لسابق عهدها الحضارى التليد، شكل مضمون الرسالة الحضارية الفرنسية. وأن مشاركة 168عالمًا عادوا محملين بالكنوز، وأدت نتائج أبحاثهم إلى اكتشاف ماضى مصر الفرعونية، وبالتالى تصاغ مقولة « لولا حملة بونابرت لظلت حضارتها غارقة فى صمتها الأبدي». كذلك يجرى اعتبار مشروع التحديث عند محمد على باشا نتيجة لمجىء جيش الشرق؛ ما يبرر لصياغة مقولة أخري:» لولا مجيء الحملة ما كانت نهضة مصر، ولا كان التاريخ سمح بوصول رجل إصلاحى مثل محمد على باشا». ويطيب لهم تأسيساً على ذلك اعتبار «محمد على باشا تلميذا نجيبا لبونابرت»! ..إلخ مما ينسب إلى المتخيل الكولونيالى الذى لا تدعمه أى أصول وثائقية.

وهكذا يجرى بضربة واحدة تبرير صيغة الغزو: فما كان ليتم هذا التحول من وجهة نظرهم سوى بالقوة العسكرية؛لضمان إزاحة الطبقة المملوكية من السلطة، ومنح الأمة المصرية استقلاليتها خارج التبعية العثمانية البالية ...إلخ. ومن الواضح أن ذهنية الفنان الذى صمم بدرجة دقيقة صورة غلاف كتاب جاك بودون، قد استوحى فى مخيلته فكرته فى بناء الصورة من معين هذا الخطاب نفسه. إن تصميم الجرافيك للغلاف لم يأت صدفة أو محض عملية تخيلية بلا معنى أو دلالة رمزية؛ فالتصميم يُبنى استنادا إلى معرفة كاملة بالنص. ومن ثم تصبح الصورة جزءا أساسياً من النص: ففى الصورة تتحرك المعاني، وتتميز بنسق أيقونى خاص، يجعلها تصل إلى المعنى من أقرب مرمي. وعبر النظرة المباشرة على الغلاف نجدها قائمة على ثلاثة مكونات: الأهرام الثلاثة (فى الخلفية بلون خافت) / نابوليون بارزاً فى قلب الغلاف/ أبو الهول (ظلا لبونابرت) متناسباً فى الحجم والشكل. وتلعب عملية تحديد المواضع والأحجام وبروز أو خفوت الألوان والخطوط دوراً ملحوظاً فى تأكيد دلالات المنظور الأيديولوجى نفسه: فأبو الهول محض ظلال لبونابرت، ورأسه المقلوب متجه إلى الأسفل وملامس للأرض، فيما رأس بونابرت،البارزة باللون الرمادى الغامق الأكثر وضوحاً، بملامحه الصارمة والحادة، مرفوع إلى السماء، وغطى ثلثى الأهرامات الواقعة خلف صورته البرونزية. لتبدو فرنسا البونابرتية، المستكشفة لحضارة موغلة فى القدم، أعظم ما فى الحدث التاريخي، وأن الكارثة العسكرية دُفِنت فى رمال الذاكرة المحترقة والمتغيرة فيما عاشت أسطورة جيش الشرق وقائده الملهم!

وهكذا يجرى استثمار الصورة بدلالتها الكلية للتغطية على فكرة هزيمة الجيش فى مصر، وعودته دون تحقيق أدنى أهدافه. كانت النتائج كارثية عند العودة إلى باريس: فأكثر من ثلثى الجيش تمت تصفيته فى مصر (عاد ما يربو قليلاً عن 12000 من إجمالى 39000)، فيما الثلث المتبقى عاد بين مريض ويائس وغاضب من إرسالهم فى حرب بعيدة جنوب المتوسط، وإهمالهم لثلاث سنين وهروب قائدهم بونابرت الذى كان غير مشغول سوى بصناعة مجد سياسى شخصي، يصوره كفاتح عظيم، على حساب الجيش وبأى ثمن.

غضب كثير من الجنرالات؛ ووقع بعضهم فى عراك شخصي،وصل إلى حد الرهان بالمبارزة على الحياة. وكان قتال كبار الجنرالات لبعضهم البعض ينذر بالخطر بقدر ما يؤكد الحالة النفسية اليائسة والمتردية. وتطلب الأمر من بونابرت جهدا استثنائيا لاحتواء تلك الحوادث عبر نفى بعض الجنرالات، وتهديد البعض الآخر بالاعتقال والمصادرة. وإذا كان نابليون قد نجح فى تكميم الأفواه ومصادرة المذكرات (عبر مقص الرقيب)، فقد فاضت شهادات الجنود والضباط، بعد سقوطه ونفيه (1815)، بالكثير الذى كشف المأساة النفسية للجيش، والتى تلقفتها دور النشر الإنجليزية والفرنسية، مستغلة المزاج النقدى فى العصر الملكى فى تدشين الأسطورة السوداء لنابليون.

يبتعد كتاب بودون عن تركيز عدسته على هذه الحقائق التى تكشفها مادة وثائقية أصيلة، مؤثرا سرد قصة الحملة فى السياق الذى يحفظ لها توهجها كملحمة عنيفة استثنائية، رسخت أسطورة نابليون، وأججت ظاهرة الهوس بمصر، فى حين غابت مصر نفسها فى العمل! وصورة الغلاف بمكوناته المعبرة بدقة عن الهوية المرئية والخطاب البصرى لمجمل أفكار الكتاب، تؤكد حرص المدرسة الفرنسية المعاصرة ودور النشر المروجة للكتاب، على استمرارية تفسير قصة الحملة على أرض وادى النيل فى سياق الموروث الكولونيالى الذى يضرب بجذوره فى عمق القرن التاسع عشر.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق