رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

سارتر ودور المثقف

منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وحتي عام 1980 امتلأت الدنيا بأحداث كبري وحركات تحرر وطني ومواجهات وأزمات..وفي كل مرة كان المثقفون في سائر أرجاء العالم يتساءلون: ما هو موقف سارتر؟ لم يكن التساؤل وانتظارالإجابة إلا وليد اهتمام كرسته تمسيرة سارتر الأدبية والفكرية. فقد تمكن من أن يجعل من مسألة واجب المثقف موضوعاً جديداً وملحاً علي خريطة الفكر العالمي.وانشغل بالبحث والتنقيب خلف ظاهرة المثقف والتعرف علي مسئوليته التاريخية إن كانت له بالفعل مسئولية أو تأثير علي مجري التاريخ.

يلفت سارتر انتباهنا إلي أنه لا توجد مهنة اسمها المثقف.كل فرد منا يتعلم، مع اختلاف سبل التعليم، مهنة يؤديها في المجتمع ويكون متخصصا فنياً في أدائها. يوجد طبيب ومهندس ومدرس وعامل وفلاح ولا يعني ذلك أنهم مثقفون. ولكن كلاً منهم يمكنه أن يصبح مثقفاً. الطبيب الذي يقوم بعلاج الأطفال هو شخص يؤدي وظيفته ولكن حينما يسأل هذا الطبيب: كيف يعالج الفقراء أطفالهم؟ هنا يكون قد كف عن أن يكون طبيباً لأن هذا السؤال ليس من شأن علم الطب أن يجيب عنه. يمكننا حينئذ أن نطلق عليه مثقفاً لأنه خرج من مجال تخصصه الفني ليهتم بالشأن العام. وكذلك الحال مع المعماري المهموم بتوفير مساكن للفقراء أو مساكن تتوافق مع البيئة. وهكذا يصبح المثقفون هم الأفراد الذين إلي جانب مزاولتهم مهنهم التي تخصصوا فيها يهتمون بالشأن العام. ولا يعني ذلك أن يقتصر كلام الطبيب المثقف عن أمور الشأن العام المتعلقة بالصحة، أليس من حق المدرس المثقف أن يتحدث عن سياسة التأمين الصحي ويتناول المعماري المثقف قضية التعليم في المجتمع؟ ولهذا يعرف سارتر المثقف بأنه شخص يتدخل فيما لا يعنيه. ويجب علي المثقف ألا يقصر مطالبه علي تحقيق مصالحه الشخصية وإنما عليه أن يستهدف خير الانسانية العام.

كان سارتر حريصاً علي مواجهة أوهام المثقفين عن أنفسهم. فالمثقف ليس قديساً ولا صاحب فضل وأن دفاعه عن حقوق المظلومين ليس تكرماً وإنما هو نوع من رد الدين أو الهبة لأولئك الذين يعملون ويكدحون ليجد هو وغيره من المثقفين وقتاً للتفكير والتأمل. وسارتر نفسه رغم شهرته كان متواضعاً في القيام بواجبه كمثقف ولا يستنكف عن أن يقوم بالأعمال التي يكلف بها أبسط عامل أو طالب. ولهذا خاض حرباً ضد الأساطير التي تستهدف إضفاء الجلال والهيبة علي دور المثقف وسنضرب هنا مثلين..تعرض سارتر لمفهوم الالتزام في الأدب في مقال له بعنوان أن يكتب المرء لزمنه، وفيه يعيب سارتر علي الكتّاب شغفهم بالأبدية وانشغالهم ببقاء أدبهم حيا ومؤثراً بعد موتهم. هذا النزوع يدفع الكاتب إلي إخراج عمله الأدبي من السياق الواقعي للأحداث ويجعله مهموماً بالدفاع عن القيم الإنسانية المجردة الخارجة عن إطار الزمان والمكان ليقدم شهادة تتجنب الانخراط في القضايا الكبري المثارة، علي أساس أن هذه القضايا موضع الرهان في كل حقبة سوف تهملها الحقبة التالية وتعتبرها عفا عليها الزمان. ويري سارتر أن كل شهادة تسعي لتجاوز معارك الزمن الراهن لن تكون سوي شهادة زائفة. ويلخص الدكتور محمد غنيمي هلال هذا التصور عن الالتزام الأدبي بأن سارتر يري أن قيم الخير أو الوطنية أو الحرية عندما يتم التعبير عنها في صورة مطلقة ومجردة فإنها تصبح هزيلة غير مؤثرة ولكنها حين ترتبط بموقف خاص يسهل تمييز أعداء هذه المبادئ عن أصدقائها. فإذا تحدثنا مثلاً عن إنصاف المظلوم كمبدأ عام فلن ينكر أحد ذلك، في حين لو خصصناه وتحدثنا عن إنصاف أهل فلسطين المشردين لكشف لنا هذا الموقف العملي الراهن عن أعداء الإنسان الحقيقيين.

ميل عام آخر لدي المثقفين يحاربه سارتر. عندما تتكاثر مظاهر الظلم ويصعب تبين سبل المقاومة يسارع المثقفون إلي إدانة عبثية الحياة وهو ما يسمح لهم بتعليق الحكم علي ما يجري حولهم من أحداث ويبرر استنكافهم علي التدخل. ويري سارتر أن هذا الحكم فضلاً عن كونه غير صحيح، هو ترف لا يقدر عليه من بين الفئات الاجتماعية المختلفة سوي المثقفين. وينهر سارتر المثقف قائلاً: أنت تتمرد علي الموت، ولكن في الحزام الحديدي الذي يحيط بالمدن بشراً آخرين يتمردون ضد الشروط الاجتماعية التي تزيد من معدل الوفيات.. يموت طفل فتتهم أنت عبثية العالم، هذا الصنم الأصم الأعمي الذي خلقته لتبصق في وجهه. أما والد الطفل، إذا كان عاطلاً عن العمل أو عاملا يدوياً، فيتهم البشر. إنه يعرف أن عبثية ظروفنا في الأحياء الفقيرة ليست هي نفسها في الأحياء الراقية. كانت هذه رؤية سارتر أما مواقفه السياسية فهي قضية أخري.


لمزيد من مقالات د. أنور مغيث

رابط دائم: