رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

شروط القرار الناجح : حرب أكتوبر مثالا

كلنا دون استثناء نود اتخاذ القرار الناجح، سواء في الحياة اليومية العادية أو في الظروف المصيرية. من هنا في هذا اليوم السؤال المهم: ما هي شروط القرار الناجح هذا ؟ ماذا نتعلم من قرار حرب 6 أكتوبر سنة 1973مقارنة مثلا بمأسأة قرار 1967 وماذا تقول لنا الوثائق الإسرائيلية التي تم الكشف عنها أخيراً ؟

في الواقع تنفي هذه الوثائق النظرية الشائعة عن سبب هزيمة الجيش الإسرائيلي في الأيام الأولي لهذه الحرب،وهي النظرية التي ارتكزت عليها «لجنة أجرنات» التي قامت بالتحقيق بعد الحرب وعاقبت كلا من جولدا مائير رئيسة الوزراء الإسرائيلية آنذاك وكذلك موشي ديان وزير الدفاع وعدداً من القادة العسكريين، كما وافق علي هذه النظرية كل التحليلات عن هذه الحرب من كيسنجر إلي الكتابات الإسرائيلية ومعظم الكتابات العربية. باختصار تقول هذه النظرية الشائعة إن الإخفاق العسكري الإسرائيلي يرجع إلي خطأ مخابراتي : التأخر في اكتشاف التحركات العسكرية المصرية والسورية، وبالتالي عدم وجود الوقت لمواجهتها، بمعني أنه لو تم اكتشاف هذه التحركات قبلها بعدة ساعات فقط لتمكنت القيادات السياسية والعسكرية من اتخاذ القرارات اللازمة لإفشال الهجوم المصري السوري عند حدوثه. الوثائق والتحليلات الإسرائيلية تقول الآن إن هذا تبسيط مخل. لم يكن الإخفاق بسبب خطأ في اكتشاف توقيت الهجوم، ولكنه أخطر من ذلك. كان هناك خطأ إستراتيجي، وهو بإختصار عدم معرفة القيادة الإسرائيلية بالتغيرات التي حدثت في الجيش المصري من استعداد واستراتيجية، وأيضا الوثوق بالنفس حتي الغرور الكامل بأداء القوات الإسرائيلية في حرب سنة 1967جعلها تُهمل رؤية دراسة التغيرات عند الخصم والاستعداد لها والتعامل معها. ويشرح هذا الجهل تصريح رئيس الأركان الإسرائيلي مباشرة بعد بدء الهجوم المصري السوري «إنهم مجانين أن يقوموا بهذه الخطوة، سنردهم علي أعقابهم ونكسر عظامهم».

العنصر المهم إذن في القرار الناجح هو دراسة الموقف علي الأرض، بموضوعية، واتخاذ التدابير المناسبة للتعامل معه.

هذا ما حدث فعلاً من جانب السادات والقيادة العسكرية، مستفيدة من كارثة سنة 1967، وسأركز باختصار علي ست نقاط :

1 ـ التغيير داخل الجيش المصري خاصة فيما يتعلق بنوعية المجندين وتدريبهم: والعديد منا لايزال يتذكر كيف أن بعض الجامعيين الذين يُجندون عادة لمدة عام مكثوا في التجنيد حوالي 6 أعوام بين 1967و 1973.

2 ـ الخداع الإستراتيجي : مثلا كان يتم تمكين جهة القناة بتحركات كبيرة أثناء الليل ولكن عودة بعضها فقط أثناء النهار، وبالتالي إعطاء الفكرة للمراقب الإسرائيلي أن هذه التحركات روتينية.

3 ـ المبادرة العسكرية علي الجبهتين المصرية والسورية في نفس التوقيت 6 أكتوبر الساعة الثانية ظهراً، وذلك لتشتيت عناصر رد الفعل العسكري الإسرائيلي.

4 ـ استخدام وسائل غير متوقعة لتحطيم خط بارليف علي الجانب الآخر من القناة، المحصن جيدا والمسمي «المنيع». وفي الواقع تاريخ العديد من المعارك العسكرية يقول إن الوسائل المستخدمة عادة هي المدفعية والطيران. ولكن المبادرة المصرية كانت استخدام مضخات المياه الضخمة لفتح ثغرات في هذا الحصن ثم تقويضه، وهو مثل رائع علي الإبداع الفكري والتفكير «خارج الصندوق».

5 ـ تحييد الطيران الإسرائيلي : وهذا الطيران في الحقيقة يتعدي أهميته كعنصر واحد في الجيش الإسرائيلي لأنه أساس العقيدة العسكرية الإسرائيلية والتي سمح لها بالسيطرة الإقليمية. ولنتذكر أن قيام الطائرات الإسرائيلية، في صباح 6 يونيو سنة 1967بتدمير الطيران المصري علي الأرض هو ما سمح لإسرائيل بهذا النصر الكبير منذ الساعات الأولي لهذه الحرب. وفي الواقع تقول الوثائق الإسرائيلية إن هذا التفوق الجوي استمر كأساس للسيطرة علي المنطقة وكسب أي جولة جديدة. ولمواجهة هذه الإستراتيجية، كانت مصر قد نجحت حتي قبل وفاة عبد الناصر في سنة 1970في تحريك منظومة الصواريخ السوفيتية المضادة للطائرات حتي شاطيء القنال حتي يصل مداها إلي مسافة عشرة أميال من الشاطيء الآخر الذي تحتله إسرائيل. وبالتالي سمحت هذه الصواريخ بإصابة الطيران الإسرائيلي بالشلل في هذه المنطقة وبالتالي حماية القوات المصرية التي قامت بالعبور إلي سيناء.

أساس القرار الناجح إذن هو الدراسة الموضوعية المتأنية لجميع العناصر لتحييد العناصر السلبية، وتقوية العناصر الإيجابية بكل موضوعية، أي بالورقة والقلم كما يقال، أي الاستفادة من كل التفاصيل. مثلا كان الهجوم في 6 أكتوبر، وهو يوم السبت، الذي هو للعديد من اليهود يوم محدود في نشاطاته، ولكن هذا السادس من أكتوبر سنة 1973كان أيضا عيد الغفران ـ أو يوم كيبور ـ وهو بالطبع عيد مقدس وبالتالي استغرق حشد احتياطي الجيش الإسرائيلي وقتا ومجهودا.

وتلفت هذه النقطة التفصيلية إلي شرط سادس لنجاح القرار .

6 ـ شمولية القرار، أي الربط بين تفاصيله وأولوياته وآثاره، والمثال الواضح هنا هو الربط بين الناحية العسكرية والاقتصادية، كما حدث في التنسيق مع الدول الخليجية لفرض حظر بترولي علي الدول المتطرفة في تأييدها لإسرائيل مثل الولايات المتحدة وهولندا.

لا يتسع المكان للإضافة، ولكن هذه العوامل الستة تُمثل الأساس لنجاح قراراتنا، وما أحوجنا إلي هذا النجاح علي المستوي الفردي أو الجماعي.


لمزيد من مقالات د. بهجت قرني

رابط دائم: