رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

ناصر والإقطاع.. واقعية سوداء

في الذكري الخمسين لرحيل عبد الناصر كتبت مقالا تصورته كافيا. غير أن قارئا علق عليه بـكلمة سخيفة آلمتني بشدة، تعني أنني أنافق الزعيم الراحل. أفهم أن النفاق يكون لمن يحكمون فعلا رغبا أو رهبا، وليس لمن رحلوا عنا ولم يبق منهم سوي ذكري تفترض الوفاء. لا أسعي هنا إلي تعنيف رجل لا يعرف، يكتفي مثل كثيرين بترديد الأكلاشيه الشهير عن الرئيس المستبد الذي مات مهزوما. بل سأتعاطف مع حقه في أن يعرف، إذا كان يريد. ولذا أستأذن قارئي العزيز في وقفة مطولة عند ظاهرة ناصر، تسعي إلي تفسير سر هذا الرجل الذي يزداد حضوره كلما طال غيابه. سأخضع شهادتي لضميري المعرفي، وألتزم حس النقد التاريخي قدر المستطاع، طلبا للموضوعية وليس للحياد، منطلقا مما يبدو لي رائعا في تجربة يوليو نحو ما هو إشكالي منها، ملاحظا الفارق بين ما كان بنيويا في صلبها وما آلت إليه بعد رحيل مؤسسها.

أبدأ حديثي بالرحم الاجتماعي الحاضن لجمهورية يوليو، ناسجا روايتي مما التقطته ذاكرة طفل بقرية صغيرة في دلتا مصر من كلمات رددها الجدود وحكايات روتها الجدات، وشت جميعها بمجتمع إقطاعي انتظر طويلا مخلِّصا تاريخيا. نعم لم يكن هناك عبيد وأقنان يعيشون في ضيعات النبلاء كالإقطاع الأوروبي، خصوصا الفرنسي، ولكن كان هناك فلاحون بؤساء هم أغلبية المصريين حتي منتصف القرن العشرين، عاشوا في (الوسايا)، لا يأكلون سوي المش، مع نوع سيئ من الخضرة يسمي (الخس) ينبت عشوائيا في الحقول، ونوع رديء من الخبز يصنع من الشعير والذرة الصفراء، إذ لم يكن مسموحا لهم بتذوق خبز القمح الذي يزرعونه فقط لأهل المدينة، ولا يأكلون الطيور التي يربونها لأهل البندر. هذا غذاؤهم رغم عملهم الشاق سواء في الحر الشديد أو الصقيع الأشد، بأدوات حقلية بدائية لم تختلف كثيرا عن نظيرتها الفرعونية كالمحراث البلدي الذي تجره البهائم، والطنبور الذي يديره الفلاح بقوة ذراعه لساعات طويلة ونصف جسده في ماء الترعة لري الأرض، قبل وجود السواقي التي تديرها البهائم. كانوا يبذلون هذا الجهد لإنتاج محاصيل تذهب رأسا إلي الوسية في حراسة الخفراء وحماية العمد والمشايخ، وضمانة مأمور المركز، ومن يتمرد يجلد مربوطا في شجرة، أمام الجميع .

إحدي مشكلات هؤلاء البؤساء كانت الأعياد الدينية، خصوصا الفطر والأضحي، لأنها تتطلب إعداد وجبة من اللحوم أو الطيور (الظفر) كانت ترهق صاحب البيت. كما تتطلب ملابس جديدة، كان الميسورون القليلون بينهم يتمكنون من شرائها كل عيد، أما المستورون فيشترون زيا واحدا يكفي للعيدين، أما أغلبهم فكانوا يكتفون بغسل الزي الوحيد الذي يخلو من وجود رقعة، ووضعه تحت مرتبة السرير ليبدو مكويا، ولأن البيت لم يكن فيه عادة سوي سرير واحد لرب الأسرة، فيما ينام الآخرون علي الحصير وأحيانا خلف البهائم، كانت ملابس الجميع تتوحد تحت المرتبة الوحيدة وتكاد تصنع طبقة نحيفة أسفلها. وتبدو المشكلة أكبر عندما يأتي عيد الفطر مفاجئا، فيضطرون إلي غسل الزي ليلا وارتدائه في الصباح (مبللا ومكرمشا). بل إن بعضهم لا يتمكنون من غسله أصلا لأنهم ذهبوا للنوم مبكرا، ولم يعرفوا بحلول العيد من راديو العمدة البعيد. هذا الواقع الأسود أفلح في تجسيده فيلم «الأرض» ليوسف شاهين، ولذا أعتبره العمل الأعظم في تاريخ الفن السينمائي العربي.

بالطبع لم يكن هؤلاء التعساء يحلمون بالتعليم فالفقر مدقع، ولا قرش واحد يمكن إنفاقه علي تعليم طفل، بل كان المفروض علي الطفل مساعدة الأب في الحقل، فالجميع أسير الوسية. وحتي الميسورون القليلون الذين كانوا يمتلكون أرضهم لظروف تاريخية وعائلية خاصة، لم يفكروا إلا نادرا في تعليم أولادهم لسببين. الأول عملي يتعلق بعدم وجود مدارس في القري، فأقرب مدرسة ابتدائية تقع في المركز وسواها لا يوجد سوي في عاصمة المحافظة ولا وسيلة مواصلات سوي قطار بائس يسمونه بـ (الدلتا)، لا يلبي متطلبات انتقال أطفال. والثاني نفسي، حيث كان هؤلاء الميسورون يعتقدون أن الفلاحة قدرهم المكتوب، ولابد أن يرثه أولادهم، فالتعليم فقط للبكوات وأهل البندر. بالقطع كان ثمة استثناءات نفذ منها البعض وإلا لما تعلم أغلب الضباط الأحرار، وما كانت الثورة علي الإقطاع. هؤلاء البؤساء، المفترض أنهم القاعدة الانتخابية للتجربة الليبرالية، وأن من حقهم اختيار أعضاء البرلمان الذي يراعي مصالحهم، وإلا أسقطوه. لم يكن ذلك سوي وهم، فقد كان العمد والخفراء يسوقونهم إلي اللجان لا ليختاروا اسما فهم لا يستطيعون قراءته أصلا، بل ليبصموا علي رمز المرشح المحدد لهم. ورغم أنهم كانوا يصوتون للوفد فلم يحكم الحزب سوي سبع سنوات وبضعة أشهر طوال ثلاثة عقود، بفعل ضغوط القصر والاحتلال، التي أحالته تدريجيا إلي حزب محافظ، لم يتحرك خطوة واحدة علي طريق الإصلاح الزراعي رغم وجود دعوات لتحديد الملكية بألف فدان حلا لما سمي آنذاك بـ «المشكلة الاجتماعية»، لم تنل تأييدا من التيار العام، ما أفضي إلي انشقاق الكتلة الوفدية، وكشف عن انسداد الأفق أمام تلك الحقبة. بل إن مشروعا متواضعا لمكافحة الحفاء وإنقاذ الفلاحين من وباء الطاعون لم يجد طريقه للتنفيذ لغياب حماسة طبقة سياسية متعالية رغم استنارتها، كان بينها قامات لديها من الشجاعة ما يكفي لأن تسب الذات الملكية دفاعا عن الدستور، ومن يرفض مفهوم الخلافة رغم ضغوط القصر، لكنها لم تمتلك شجاعة إجراء إصلاح زراعي، أو توفير مجرد قبقاب. أخذت مصر تتغير بنيويا فقط عندما قام ناصر بتفكيك الإقطاع ومنح الأرض للفلاحين، وضمان حقوق العمال ثم إنشاء القطاع العام. وتبدي التغيير واضحا عندما قام ببناء مستشفي ومدرسة في كل قرية، فتوقف الأطفال الرُضَّع عن الزحف سريعا إلي الموت، وأفلت الأطفال الصغار من قبضة الجهل. حدث ذلك فيما كانت الأحزاب تُحل، والشمولية تزحف علي نظام الحكم.. مفارقة تستوجب التأمل في الأسبوع المقبل.

[email protected]
لمزيد من مقالات صلاح سالم

رابط دائم: