رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

عن المركز القومى للترجمة «4»

تناولنا فى المقال السابق إسهامات بعض المثقفين فى دعم مركز الترجمة ولعلنا نضيف إلى محمد الخولى العشرات من المثقفين الذين لم يبخلوا علينا بالدعم المالى أو المعنوى حينما كُنا نحتاج إلى هذا الدعم فى فترات التأسيس. لقد تحمَّس الكاتب والصحفى الكبير المرحوم محمد حسنين هيكل ــ على سبيل المثال ــ للباقة الأولى التى أرسلتُها إليه من مطبوعات المركز القومى للترجمة، وأرسل إلىَّ خطابًا لا أزال أحتفظُ به عن ملاحظاته السلبية فى الإخراج والطباعة والشكل. وقد دفعتنى هذه الملاحظات إلى أن أبحث عن مخرجين فنيين يعملون على إخراج كتب المركز فى أبهى شكل وأجمل حُلَّة. وعندما أرسلتُ إلى المرحوم محمد حسنين هيكل المجموعة الثانية من إصدارات المركز بعد أن ترسَّخ وجوده وانتقل إلى مبناه الجديد، هاتفنى تليفونيًّا وسألنى إن كنتُ أحتاج ماديًّا إلى دعم، فأخبرته شاكرًا له أن الدولة قد كفته هذا العبء، فلم يقبل منى ما قلتُ وإذا به يُرسل لى شيكًا بمبلغ ثلاثين ألف جنيه للإسهام فى إصدارات المركز. ومن الأمانة أن أذكر اسم الأستاذ نجيب ساويرس الذى لم يتردد فى دعم المركز بمبلغ مائتى ألف جنيه للإسهام فى طباعة كتاب: «الكنائس فى مصر منذ رحلة العائلة المقدسة إلى اليوم» طباعة فاخرة.

والحق أننى لا أذكر جهود المثقفين المصريين وحدهم، بل جهود المثقفين العرب الذين لم يبخلوا بالدعم، والذين لا يزالون يتعاملون مع المركز القومى للترجمة بوصفه مركزهم الذى يمثلهم، والذى لم نضع عليه تسمية: «المركز القومى للترجمة» على سبيل الوجاهة، وإنما على سبيل الحقيقة. فالمركز القومى للترجمة هو مركز المثقفين العرب جميعًا، وهو القلب الذى تنبض فيه ترجمات المثقفين العرب كلهم. ولا أدل على ذلك من تعداد أسماء الذين أسهموا فى أعداد الكتب التى لم تجاوز الألف الرابعة بعد الكتب التى أشرفتُ على إصدارها. ولذلك فنحن فى المركز لم نشعر يومًا بأنه مركز مصرى وإنما هو مركز قومى.

وأظن أن هذا الشعور كان هو شعور الذين كانوا وراء حصول المركز على جائزة الملك فيصل عام 2014. وإلى اليوم لا أنتقل من معرضٍ عربى للكتاب إلى معرضٍ غيره إلا وأنا أسمع التعليقات التى تستحسن إصدارات المركز، وتُثنى عليها وعلى مترجميها المصريين والسعوديين والعراقيين والسوريين واللبنانيين والتونسيين والمغاربة وغيرهم من أبناء العروبة الذين اتخذوا من المركز القومى للترجمة منبرًا لنشر ترجماتهم، وصوتًا يؤكد الوحدة القومية، وأهمية التفاعل بين المترجمين العرب، ولذلك لم يكن من الغريب أن تشترك معنا مؤسسة العويس الثقافية لكى نقوم بمؤتمر مشترك عن: (الترجمة وتحديات العصر 9 ــ10 نوفمبر 2009) نجمع فيه أغلب المترجمين العرب من المحيط إلى الخليج، بل من الأقطار الأجنبية التى استقر فيها هؤلاء المترجمون، وأصبحوا خبراء فى المنظمات الدولية التى تهتم بالترجمة ضمن اهتماماتها الثقافية.

والحق أننى لم أستطِع إيفاء تاريخ المركز القومى للترجمة القصير ــ فى عمر الزمن ــ حقه من تعداد الإنجازات الرائعة التى قام بها، والتى أرى البعض للأسف يحاول التقليل من شأنها والتغطية عليها، وتشويه ما هو آت من إنجازات. لقد بدأ الهجوم على المركز يأخذ طابعًا دينيًّا فى الفترة التى انحرف فيها الوطن ناحية اليمين، فانتشر المد الإخوانى، وكاد معنى المواطنة يضيع مع الدولة المدنية والمواطنة على السواء. وكان الثلاثون من يونيه 2013 هو علامة فارقة، انتقلت بمصر من الكبوة الإخوانية السلفية إلى مشرق متجدد للدولة المدنية الديمقراطية الحديثة. ومن ثم عاد المركز القومى للترجمة إلى قُرائه ومترجميه وإلى العالم العربى الذى ينتمى إليه، مواصلًا نشر الثقافة المدنية، فضلًا عن ثقافة المواطنة التى يؤكدها دون تحيزٍ لديه لدينٍ من الأديان، أو حتى تحيزٍ لفكرٍ من أفكار التخلف التى لا تزال تمرح فى عالمنا العربى، وتتسبب فى الكوارث التى نراها حولنا فى ليبيا وفيما يشبهها من الأقطار الإفريقية.

والدعم الذى تقدمه الوزيرة إيناس عبد الدايم للمركز، دعم مشهود ومحمود، لا يمكن أن ينكره إلا جاحد بحقوق الثقافة المصرية وواجبات الثقافة العربية، فهى ترعى المركز وتبحث له عن قيادة أكثر فاعلية لتتقدم بالمركز إلى الأمام، وذلك لكى يستدرك ما فاته فى بعض السنوات. وكل ما أرجوه أن تتكلل مساعيها بالنجاح الكامل والصعود المتميز. ولذلك فإنى أقترح عليها المراجعة الدائمة لأحوال المركز، وذلك عن طريق أمرين: 1- عقد اجتماع لمجلس أمناء المركز كل ثلاثة أشهر على الأقل؛ وذلك لمراجعة أعمال المركز وتوجهه إلى الغاية المقصودة منه، ومن ثم الإبانة عن تقصير المقصِّرين وإحسان المحسنين. 2- مراجعة هيكل العاملين فى المركز إعمالًا للمبدأ الذى يكافئ الجادين ويستبعد غير الجادين.

لقد آن الآوان لأن تحدث حركة تغيير جذرى فى هذا المركز؛ لكى يستعيد شبابه الضائع، ويسترجع كفاءته فى العمل، وموضوعيته فى الحركة وبُعده عن كل ما يؤدى إلى تقصير أو فساد. والبداية فى ذلك أمران؛ أولًا: مراجعة الأوضاع القانونية والإدارية والمالية فى المركز تحت إشراف المديرة الجديدة التى نرجو لها كل النجاح والتوفيق. وثانيًا: العودة إلى مجلس الأمناء الذى ينبغى أن ينعقد كل ثلاثة أشهر كما أشرتُ لمراجعة كل شئون المركز وإدارته بما يدفع بمسيرته إلى الأمام.

وكُلى ثقة أن الدكتورة إيناس وزيرة الثقافة لن تبخل على هذا المركز بما يستحقه من الاهتمام، ولن تتأخر فى أن ترجع بهذا المركز العظيم إلى مكانته التى لا يزال يستحقها بإمكاناته التى يؤكدها ميراثه الذى يدفع إلى الأمام، ويفتح أبواب الحلم على أقصى مدى من الاتساع والطموح، مُحقِّـقًا الغايات التى أُنشئ من أجلها، والتى لا يزال يسعى إلى استكمالها. والحق أننى لا أستطيع أن أختم هذا المقال إلا بالإشادة بجهود الصديقة إيناس عبد الدايم، وحرصها الدائم على أن يظل المركز القومى للترجمة فى أحسن أحواله، شأنها فى ذلك شأن علاقتها بغير المركز من مؤسسات وهيئات وزارة الثقافة المختلفة.

اللهم قد بلغت، اللهم فاشهد.


لمزيد من مقالات د. جابر عصفور

رابط دائم: