رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

مصر والأمم المُتحدة

أتوقع أن يزداد اهتمام الإعلام والهيئات المصرية المهتمة بالشئون الدولية بموضوع مرور 75 سنة على إنشاء هيئة الأمم المُتحدة، ليس فقط بسبب أهمية المُناسبة على مُستوى كُل دول العالم ولكن أيضًا بسبب العلاقة الخاصة التي تربط مصر بالأمم المُتحدة، والتي تجعل من الاهتمام الرسمي والشعبي بهذه الذكرى أمرًا ضروريًا

فمصر هي دولة مُؤسِسة لهذه المنظمة وواحدة من عدد 46 دولة اجتمعت في مدينة سان فرانسيسكو الأمريكية لوضع ميثاقها في أبريل 1945. وكانت أيضًا من الدول التي تم إيداع تصديق برلمانها على الميثاق قبل 24 أكتوبر من نفس العام وهو تاريخ المولد القانوني للمنظمة الوليدة.

كانت مصر واحدة من خمس دول عربية وأربع دول إفريقية شاركت في مؤتمر سان فرانسيسكو. ولم تكُن مُشاركة وفدها فيه شكلية أو رمزية بل قام الفقيه القانوني المُبرَز عبد الحميد بدوي(1887-1965)، وزير خارجية مصر ورئيس وفدها في المؤتمر، بالتعبير عن رأي بلاده في القضايا محل النقاش. فاعترض على منح الدول الخمس الكبرى المُنتصرة في الحرب حق الفيتو في مجلس الأمن، واقترح ضرورة تعريف مفهوم العدوان الذي أشار إليه الميثاق وذلك لمُساعدة مجلس الأمن في أداء مهامه وهو الاقتراح الذي تأخر الأخذ به لمدة ربع قرن حتى تتوافق الدول الكُبرى على تعريف واحد. ونبه بدوي المؤتمر إلى إسهام الشريعة الإسلامية في حقل العلاقات بين الدول وضرورة اعتبارها أحد النظم القانونية التي ترجع إليها محكمة العدل الدولية في عملها مُستقبلًا،ولعل ذلك كان أحد أسباب اختياره قاضيًا بالمحكمة في أول تشكيل لها عام 1946 واستمر في عمله 19 عامًا تالية.كما أسهم بدوي في صياغة مواد الميثاق الخاصة بالمنظمات الإقليمية وبعلاقة الأمم المُتحدة بها.

وأفصحت كلمته التي ألقاها في الجلسة الختامية للمؤتمر عن إدراكه لما تم تحقيقه وحدوده فأشار إلى أنه يرجو أن يكون توقيع «الميثاق» فاتحة عهد جديد ينعم فيه الناس جميعًا بالسلام والرخاء وكان واعيًا بالثغرات الموجودة في الميثاق، فقال:هذا الميثاق تجربة جديدة لا تبرأ بحال من عيوب نشأت من ظروف العالم التي يمر بها في الوقت الحالي... وإذا ما ظهر عيب عند العمل بالميثاق، فإن في أحكام تعديله ما يرده إلى السلامة.

وكان لمصري آخر دور مهم في تطور اهتمام الأمم المتحدة بقضايا حقوق الإنسان، وهو محمود عزمي(1889-1954) وحصل على الدكتوراه من باريس وقام بالتدريس في مدرسة التجارة العليا عام 1912 ولفترة في جامعة بغداد ولكن العمل الذي استحوذ على عقله كان الكتابة الصحفية فصدرت مقالاته في أغلب الجرائد المصرية على مدى عدة عقود.أولى عزمي اهتمامًا مُتزايدًا بموضوع حقوق الإنسان. ففي عام 1931، قام بتأسيس الجمعية المصرية لحقوق الإنسان في باريس. ونشط في أعمال الأمم المتحدة الخاصة بهذه الحقوق. ومن أمثلة ذلك، أنه اختير عضوا في لجنة تابعة للأمم المتحدة تكونت من 12 عضوا لمتابعة مدى تمتع الصحفيين بالحرية وتداول الأنباء عام 1949، ثم انتخب رئيسا لها في عام 1952. وأنه عندما كان ممثلا لمصر في اللجنة الاجتماعية والثقافيةعام 1950، اعترض بشدة على محاولة بعض الدول الكبرى إضافة نص يتيح لها عدم الالتزام بقواعد الإعلان العالمي لحقوق الإنسان, وذلك بالنسبة لمستعمراتها. وفي عام 1953، انتخب رئيسا للجنة حقوق الإنسان وذلك بإجماع الأعضاء. وشارك في المناقشات المُبكرة بشأن إصدار ميثاق للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وتطوير ما ورد من الحقوق المدنية والسياسية في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان. وهي المناقشات التي استمرت أكثر من عشر سنوات وانتهت بموافقة الجمعية العامة عليها عام 1966.

لم يكن عزمي مجرد دبلوماسي يتلقى التعليمات من حكومته ويقوم بتنفيذها، فقد كان له فكره المستقل، فاقترح أن يكون من حق الأمم المتحدة تلقي شكاوى الأفراد الذين تهدر حقوقهم في أي دولة، ودافع عن ضرورة أن تمتد مظلة حقوق الإنسان لتشمل جميع البشر خصوصًا المرأة.وتقديرًا من الحكومة المصرية لوضعه المتميز في الأمم المتحدة، اختارته رئيسًا لوفدها الدائم بالمنظمة عام 1954فدافع بصلابة عن حقوق مصر وتوفي إثر إصابته بأزمة قلبية وهو يدحض مزاعم المندوب الإسرائيلي بشأن حرية الملاحة في قناة السويس.

وهناك أدلة أخرى على علاقة مصر الخاصة بالأمم المُتحدة منها أنها انتخبت عضوًا في مجلس الأمن في دورة 1949-1950، وقامت مع الهند بالامتناع عن التصويت على قرار يسمح لقوات الأمم المُتحدة بالمُشاركة في الحرب الكورية، لأنه كان قرارًا يُخفي في حقيقته مُشاركة القوات الأمريكية في الحرب تحت راية الأمم المُتحدة. وكان هذا التصويت بداية لتبلور مفهوم الحياد الإيجابي. ومنها أنه إبان العُدوان الثلاثي على مصر أكتوبر 1956، صدر قرار الاتحاد من أجل السلام والذي يتيح للجمعية العامة النظر في الموضوعات التي يعجز مجلس الأمن عن تحمل مسئوليته بشأنها. وكان هناك سفراء عظام ترأسوا وفود مصر في الأمم المتحدة وكانت لهم صولات وجولات مثل محمود فوزي، وعُمر لطفي،وأحمد حسن الزيات، وعمرو موسى. ومنها عدد المصريين الذين تولوا رئاسة منظمات ووكالات تابعة للأمم المُتحدة مثل منظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية (يونيدو)، وبرنامج الأمم المتحدة للبيئة، والوكالة الدولية للطاقة الذرية، ومنظمة الأمم المتحدة للمخدرات والجريمة واللجنة الاقتصادية لغرب آسيا... وغيرها. إضافة إلى قضاة في محكمة العدل الدولية. وإلى جانب ذلك كله، فإن مصر هي إحدى الدول القليلة التي قدمت أمينًا عامًا للأمم المتحدة من أبنائها، وهو د.بطرس بطرس غالي الذي أنتُخب في عام 1992، وقام ببث الحيوية في أجهزة المنظمة وابتكار أنشطة جديدة لها، وحماية استقلالها فعاقبته الولايات المُتحدة واستخدمت حق الفيتو لمنع إعادة انتخابه لمرة ثانية في مواجهة إجماع جميع أعضاء مجلس الأمن الآخرين.

ودور بطرس غالي في الأمم المُتحدة يحتاج إلى مقال آخر.


لمزيد من مقالات د. على الدين هلال

رابط دائم: