رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

تصريح جورباتشوف والسؤال الخيالى

أحيانا يصعب أن تمر تصريحات أو عبارات أدلت بها شخصيات عامة مؤثرة في تاريخ بلادها والعالم مرور الكرام، مثل تصريح الرئيس السوفيتي السابق ميخائيل جورباتشوف، إذ قال قبل أيام: لو استمر الاتحاد السوفيتي حتى الآن، لأصبح العالم أكثر أمانا وإنصافا.

وغرابة التصريح لا تنصب على حال العالم الذي توقعه، وإنما في صدوره من رجل سياسة بعد 29 عاما من انهيار الاتحاد السوفيتي، وهو الذي حكمه قبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة ويتحلل كيانه إلى 15 جمهورية مستقلة في عام 1991، ويتهمه البعض بأنه هو الذي نزع عن الاتحاد السوفيتي الأجهزة الصناعية التي كان يعيش عليها، والأهم أن عالم السياسة لا يعرف لو، لأنه عالم واقعي جدا، وكل ما يحدث فيه أشبه بطلقات رصاص حين تنطلق لها نتائج وتداعيات، دون خيالات أو تمنيات.

لكن «لو» جورباتشوف افترض سؤالا خياليا: هل كان ممكنا ألا ينهار الاتحاد السوفيتي؟ سؤال منطقي قد نفهم منه كيف سقطت دولة عظمي، كانت أكبر إمبراطورية على ظهر المعمورة، مساحتها أكثر من 22 مليون كيلو متر مربع، ثرواتها الطبيعية من مياه ومعادن ونفط وأرض خصبة شاسعة هائلة، يعيش فيها 293 مليون نسمة، لكنها كانت إمبراطورية زراعية حين تأسست في عام 1922، وبنيتها الأساسية فقيرة جدا، قبل أن يدفع بها ستالين إلى مصاف الدول الصناعية، ويجعل منها قوة عسكرية هائلة. فكيف تنهار، كما لو كانت قلعة من الرمال؟

التفاسير كثيرة وصدرت فيها عشرات الكتب، وكلها أجمعت على نقطتين رئيسيتين وعشرات الأسباب الكامنة في بنية الاتحاد نفسه من قوميات متعددة لها أهداف مختلفة فلم تصمد أمام عوامل التعرية التي ضربته.

النقطة الأولى: حرب باردة شرسة مع الغرب، حرب استنزفت قدرات الإمبراطورية الاقتصادية قطرة قطرة، فصارت عملاقا ضخما، يتحرك على مفاصل ضعيفة أو لا تناسب حجمه، فالغرب يطور نفسه عسكريا، ففرض علي الاتحاد السوفيتي سباقا شرسا في التسليح والعتاد، لكن الغرب فيه أمريكا والمانيا الغربية وبريطانيا وفرنسا وإيطاليا وإسبانيا..الخ، وهي الدول الأغنى اقتصاديا في العالم، بالتصنيع والتطور التكنولوجي المستدام و العمالة الأكفأ، وميزانيات هذه الدول مجتمعة أضعاف ميزانية الاتحاد السوفيتي عدة مرات.

لم ينتبه العملاق السوفيتي إلي أن دماء الاقتصاد النقية هي التي تصون حياته، وليست تنمية عضلاته العسكرية فقط، فما قيمة تلك العضلات على هياكل ضعيفة؟

النقطة الثانية: العتمة والمقصود بها غلق نوافذ المعرفة الحياتية والمعلومات العامة والرؤى المختلفة، فصار المجتمع مثل كفيف تجره قياداته، دون أن يسمحوا له أن يعرف ما يجرى. تصور قادة الاتحاد السوفيتي أن فرض سياج على عقل الناس وأفكارهم ضرورة، ليمضي مواطنوهم قدما خلف قيادتهم إلى المجتمع المنشود، وأي كلام عن سلبيات اقتصادية أو مشكلات سياسية أو أزمات اجتماعية قد يسبب إحباطا للشعب، أو يشيع روحا سلبية يستغلها عملاء الثورة المضادة في إجهاض الحلم الشيوعي.

والأهم: ماذا يفيد الناس أن يعرفوا هذه الأزمات أو المشكلات أو السلبيات طالما أن العجلة تدور إلى الأمام والرفيق ستالين والرفيق خورتشوف ثم الرفيق بريجنيف يؤدون مهامهم الرئاسية على أكمل وجه من نمو صناعي وتنمية زراعية وإصلاح تعليم وغزو فضاء .واكتفاء ذاتي من الغذاء، وتوسع في حجم السلع الاستهلاكية؟ كان سهلا على السلطة السوفيتية العليا أن تتحكم فيما يعرفه السوفييت أو لايعرفونه، إذ وضعت قبضتها الحديدية على وسائل الإعلام كلها، الصحافة وعلى رأسها جريدة برافدا التي يزيد توزيعها على 10 ملايين نسخة يوميا، وعلى الإذاعات، ثم القنوات التليفزيونية.

كان هم السلطة أيضا هو حماية مواطنيها من الدعاية المضادة، بأن توفر لهم مفاهيم وأفكارا يراها زعماء الحزب أنها الأصلح في صناعة مجتمع متقدم، وحماية لهم من دعايات الغرب المغرضة لتشويه الدولة السوفيتية .. برامج إذاعية وتليفزيونية، أفلام سينمائية، مقالات وتحقيقات صحفية..الخ، كلها تبين الفارق الرهيب بين النعيم الذي يعيش فيه المواطن الغربي والبؤس الذي يمسك بتلابيب المواطن السوفيتي. وفعلا كانت حملات شرسة مصنوعة بمهارة وبراعة فائقة، وبالقطع لم تستهدف مصلحة المواطن السوفيتي، بقدر ما عملت على زراعة الغضب والإحباط والنقمة على حكومته. وإذا كانت العتمة نجحت في حماية المواطن السوفيتي من حملات الكراهية والتشويه والتشكيك، الا أنها صنعت بيئة مثالية للخفافيش والعناكب والطفيليات، مخالب فساد واستغلال نفوذ تنهش بحرية في جسد الإمبراطورية من الداخل، دون ومضات ضوء قوية تفضح ما يجرى في العتمة ويجهله المجتمع. كانت أفكار الحزب الشيوعي وتوجهاته أن الإعلام الحر من صحافة وفضائيات وإذاعة مزعج جدا، ويمكن أن يكون أداة في أيدي الإقطاعيين والمخربين والمتربصين ودعاة أفكار الحرية الغربية في ضرب المجتمع وتفتيت وحدته، وكانت مخاوفهم صحيحة لكنها تغافلت عمدا عن الأهم وهو أن الإعلام الحر يماثل المضاد الحيوي شديد الفاعلية في فتكه بالجراثيم الضارة بالدولة وحصارها في أضيق مساحة ممكنة، مهما تكن أعراضه الجانبية، وأتصور أن وجوده في الاتحاد السوفيتي كان يمكن أن يمنع انهياره. أراحت السلطات السوفيتية نفسها من وجع الدماغ بغلق النوافذ، لكنها حرمت الدولة من تناول المضاد الحيوي الفعال، الذي يمنح المجتمع فرصا لا نهائية لتصحيح أخطائه البسيطة والمركبة، خاصة في مراكز صناعة القرار على كل المستويات، منعت عنه أشعة الشمس التي قد تحرق لكنها تقتل دود الأرض وتطهرها من العطن، فكان سقوط الاتحاد السوفيتي من الداخل أسرع مما فعلته الحرب الباردة وأعداؤه.


لمزيد من مقالات نبيـل عمــر

رابط دائم: